المنسيون.. غياب بلا وداع
المنسيون.. غياب بلا وداع


المنسيون.. غياب بلا وداع

من اليابان إلى مصر.. «العزلة» تهدد الملايين و871 ألف وفاة سنويًا فى العالم

ياسمين سامي

الإثنين، 13 أبريل 2026 - 09:53 م

فى شوارع قرية بنى مجدول بكرداسة، اعتاد عبدالله المرور بهدوء باحثًا عن الرزق، كان بائعًا متجولًا يحمل بضاعته الصغيرة على كتفيه، ثم يعود فى المساء إلى غرفته كأنها العالم الوحيد الذى تبقى له، وهناك، خلف بابٍ مغلق، كانت الوحدة تنهش جسده النحيل فى صمت دون شكوى منه حتى فاحت رائحة غير مُعتادة انبعثت من غرفته، حاول الجيران الوصول إليه بالطرق على بابه دون جدوى حتى توصلوا إلى إجابة ثقيلة تأكدت بوصول الشرطة التى عثرت على جثته بعد ثلاثة أيام من وفاته وحيدًا.. حالات مماثلة وقعت فى الفترة الأخيرة مثل الشاب الذى شنق نفسه أسفل كوبرى المظلات وطبيب الغربية الذى أصيب باكتئاب لمرض أمه وشنق نفسه تأثرا بالحزن.. الأمر يتطلب العلاج.  

«سامحينى يا أمى» رسالة شاب قبل انتحاره بالإسكندرية.. ونهاية صامتة لبائع متجول فى كرداسة

لم تكن قصة عبدالله مجرد واقعة وفاة طبيعية، بل مشهدا إنسانيا مُوجعا، يلخص معنى أن يعيش الإنسان على هامش العالم، أن يمرّ دون أن يُرى، وأن يغيب دون أن يُفتقد، حتى يصبح اكتشاف رحيله صدفة لا حدثًا، هذه الحكاية ليست استثناءً، بل جزء من ظاهرة تتسع عالميًا، من هنا، تحرص «الأخبار» على دق ناقوس الخطر، ليس فقط برصد الوقائع، بل بفتح قضية إنسانية بتساؤل «كم عبد الله يعيش بيننا؟». 
عُرفت فى اليابان باسم «كودوكوشى»، أو «الموت فى عزلة»، حيث يُعثر على أشخاص فارقوا الحياة داخل منازلهم بعد أيام أو أسابيع ووصلت إلى سنوات، دون أن يلاحظ أحد غيابهم، وتشير التقارير الحديثة إلى أن عدد حالات الوفاة السنوية لأشخاص يعيشون بمفردهم فى اليابان يتجاوز عشرات الآلاف، ويعود ذلك إلى تسارع وتيرة الشيخوخة وضعف الروابط الأسرية وانشغال الأبناء بحياتهم فى مدن أخرى.
ومن بين القصص المؤثرة التى هزّت المجتمع اليابانى، قصة رجل مسنّ يبلغ من العمر 91 عامًا فى مدينة أوساكا، كان يعيش مع زوجته المريضة المشلولة، توفيت الزوجة أولاً، وبسبب عجزه التام عن الحركة، مات هو الآخر جوعًا، ولم يُكتشف أمرهما إلا بعد أسابيع، حين بدأت الروائح تنتشر فى المبنى، أما ابنهما، فكان قد انتقل للعيش فى مدينة بعيدة منذ سنوات، وانقطع التواصل بينه وبين والديه تمامًا.
أما فى الصين، فدفعتهم هذه الظاهرة إلى حلول غير تقليدية، مثل: تطبيقات رقمية تعتمد على تسجيل الحضور اليومى للتأكد من بقاء الشخص على قيد الحياة، مثل: التطبيق الصينى الأبرز حالياً للاطمئنان على من يعيشون بمفردهم يسمى «هل أنت ميت؟» ( يطلب التطبيق من المستخدم تسجيل دخول يومى، وفى حال غيابه لمدة يومين، يرسل إشعارات استغاثة لجهات الاتصال المُسجلة للطوارئ)، وهو تطبيق مدفوع بتكلفة تعادل تقريباً 1 دولار بالشهر فى محاولة ليست سهلة لملء فراغ إنسانى كبير، وذكرت صحيفة «جلوبال تايمز» الصينية الرسمية أن المؤسسات البحثية قد تشير إلى وجود ما يصل إلى 200 مليون أسرة مكونة من شخص واحد فى الصين بحلول عام 2030.
عبدالله ليس الوحيد، ففى إحدى الشقق البسيطة بمنطقة سيدى بشر شرق الإسكندرية، عاش وليد الشاب العشرينى وحده، لم يحمل من الدنيا أكثر من عمل بسيط فى محل لبيع الآيس كريم، وحياة مضطربة بين أبوين افترقا، وتركاه يواجه العالم بمفرده، لم تكن حياته صاخبة، ولم يطلب أيضًا الضجيج ، لكن الوحدة تسللت إلى قلبه لتفتك به قبل موته منتحرًا تاركًا رسالة إلى والدته: «سامحينى يا أمى.. أنا تعبت من الوحدة وهانتحر»، نفد الوقت حين اكتُشف الأمر وعُثر على جثته وحيدة يسودها الصمت. 
أما هذا العجوز ذو الواحد والسبعين عامًا، فكان يحيا بمفرده داخل شقته الهادئة بشارع عبدالسلام عارف فى مدينة المنصورة، لم يُعرف عنه صخب، ولا زيارات، كان حضوره عابرًا، أشبه بظل يمر دون أن يترك أثرًا واضحًا، كان هذا وصف جيران الحاج أحمد منصور ـ اسم مستعار- الذى لم يطرق بابه أحد حتى بدأت رائحة غريبة تتسلل من شقته وكانت بمثابة إنذار لا يمكن تجاهله وتحولت الشكوك إلى بلاغ.
حين فُتح الباب، انكشف المشهد كاملًا، التراب يكسو الأثاث والصمت سيد الموقف وانقباضة القلب تستشرى فى الحاضرين حين وجدوا جثة الرجل السبعينى بدأت فى التحلل منذ قرابة أسبوع كامل، يسير العالم بالخارج كالمُعتاد بينما لم يتفقده اتصال أو زيارة. 
أزمة قلبية
وفى قرية كوم بلال بمركز نقادة فى محافظة قنا، كانت السيدة الستينية «نفيسة» تعيش أيامها بهدوءٍ ثقيل، أبناؤها غادروا بحثًا عن الرزق فى محافظات أخرى، تاركين خلفهم بيتًا صامتًا، وأمًا لم تشكُ كثيرًا، ولم تكن تطلب سوى الاطمئنان، ربما مكالمة، أو زيارة عابرة تكسر حدة صمتها الطويل، حتى هاجمتها أزمة قلبية مفاجئة أنهت حياتها سريعًا، دون أن تجد من يسعفها أو من تستنجد به، سقطت وحدها ورحلت وحيدة، حتى دخل الأهالى بعد يومين كاملين.
ووفقًا لموقع «only myhealth» المتخصص فى الصحة، يعادل الشعور بالوحدة ضرر تدخين ١٥ سيجارة يوميًا، وتزيد فرص الإصابة بالخرف بنسبة ٢٣٪، كما أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريرها الذى كشف عن أن الوحدة مرتبطة بما يُقدر بـ 100 حالة وفاة كل ساعة، وأكثر من 871 ألف حالة وفاة سنويًا، يشعر حوالى 1 من كل 6 أشخاص حول العالم (15.8%) بالوحدة.
ويؤكد د. محمد رمضان، استشارى الأمراض النفسية وعلاج الإدمان، أن هناك فارقًا جوهريًا بين الشخصية الانطوائية والعزلة النفسية المرضية، موضحًا أن الانطواء يُعد سمة طبيعية لدى بعض الأفراد الذين يفضلون العمل أو قضاء الوقت بمفردهم دون أن يؤثر ذلك على صحتهم النفسية أو جودة حياتهم، أما العزلة المزمنة، فهى حالة نفسية أكثر تعقيدًا، قد تمثل مدخلًا لاضطرابات نفسية متعددة.
ويشير إلى أن الشخص الذى يعانى من عزلة نفسية غالبًا ما يطرح على نفسه تساؤلاتٍ وجودية مؤلمة، مثل: «لماذا أعيش؟»، خاصة فى ظل شعوره بعدم وجود من يهتم به أو يشاركه حياته، ومع تكرار هذه الأفكار دون الوصول إلى إجابات، تتراجع لديه قيمة الحياة ومعناها، وهو ما يتعارض مع مفهوم «جودة الحياة» الذى يسعى العلاج النفسى إلى تحقيقه، عبر مساعدة الفرد على الوصول إلى حالة من الرضا والسكينة والاستقرار النفسى.
ويوضح أن العزلة المزمنة قد يكون لها تأثيرات جسدية خطيرة، من بينها ما يُعرف بـ «متلازمة القلب المنكسر»، وهى حالة طبية حقيقية قد تؤدى إلى مضاعفاتٍ خطيرة تصل إلى الوفاة، نتيجة الضغوط النفسية الشديدة والحزن العميق.
ويختتم حديثه بالدعوة إلى تعزيز الوعى المجتمعى بأهمية الدعم النفسى والاجتماعى، والتعامل بجدية مع مشاعر الوحدة.
خلل أخلاقى
وفى سياق متصل، يؤكد د. إبراهيم رضا، أحد علماء الأزهر الشريف، أن هناك إشكالية كبيرة فى منظومة التربية داخل بعض الأسر، ظهرت آثارها بوضوح فى انتشار ظاهرة التخلى عن الآباء والأمهات عند الكِبر، ويوضح أن رحمة الله سبحانه وتعالى تجلت فى أنه لم يوصِ الآباء بالأبناء، بل أوصى الأبناء بالوالدين، فقال تعالى: «وبالوالدين إحسانًا»، بل وخصّ مرحلة الكِبر بمزيد من التأكيد، لأن الوالدين فى هذه المرحلة يكونان فى أشد الاحتياج للرعاية والاهتمام والدعم النفسي. 
ويضيف: أنه رغم هذه الوصايا الواضحة، نجد بعض الأبناء يتخلون عن أبويهم، ويستغنون حتى عن أبسط صور التواصل، مثل: الزيارة أو الاتصال الهاتفى، مشيرًا إلى أن هذا السلوك قد يصل إلى حد القطيعة التامة، وهو يُعد من أسوأ صور العقوق وأشدها قسوة.
كما يشير إلى أن إيداع الوالدين فى دور المسنين، خاصة دون ضرورة حقيقية أو متابعة إنسانية، قد يتسبب فى تدهور حالتهم النفسية، ويُشعرهم بالعزلة والخذلان، مشددًا على أن برّ الوالدين ليس مجرد واجب اجتماعى، بل هو من أعظم القربات إلى الله، وأن عقوقهما من أكبر الكبائر. واستشهد بقول الله تعالى: «فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما».
فجوة عاطفية
بدورها، تشير د. وسام منير، استشارية العلاقات الأسرية والصحة النفسية إلى ما يمكن وصفه بـ «العزلة القاتلة» أو «الموت البطىء نفسيًا»، نتيجة الانفصال التدريجى عن الروابط الأسرية والاجتماعية، وتوضح أن هذه الظاهرة تعكس بشكل مباشر تراجع مستوى التواصل والترابط بين الأفراد داخل الأسرة الواحدة، وهو ما يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة قد تمتد إلى مراحل خطيرة إذا لم يتم الانتباه لها مبكرًا.
وتشدد د. وسام على أهمية تبنى مجموعة من الحلول البسيطة والفعالة التى يمكن أن تسهم فى الحد من هذه الظاهرة، وعلى رأسها: تخصيص وقت دورى للزيارات العائلية، سواء أسبوعيًا أو شهريًا، لما لذلك من أثر كبير فى تعزيز الشعور بالانتماء والدعم النفسى، مؤكدة أن مجرد الجلوس مع الأهل ومشاركتهم تفاصيل الحياة اليومية يمنح الإنسان إحساسًا بأنه ليس وحيدًا، وأن هناك من يهتم لأمره ويقف بجانبه، وهو ما يقلل من مشاعر العزلة بشكل كبير، مهما كانت ضغوط الحياة والانشغالات.. وفيما يتعلق بكبار السن، أوضحت أن هذه الفئة تُعد الأكثر عرضة للشعور بالوحدة، خاصة فى ظل التغيرات الاجتماعية السريعة، مؤكدةً أنه لا يجوز عزلهم عن الحياة الأسرية أو المجتمعية بأى شكل من الأشكال، داعية إلى ضرورة إشراكهم فى الأنشطة الاجتماعية، سواء من خلال الزيارات العائلية، أو اصطحابهم إلى الأندية، أو حتى الاستفادة من خبراتهم الحياتية فى مختلف المجالات. 
وتشير إلى أن نشر الوعى المجتمعى يمثل إحدى أهم أدوات مواجهة هذه الظاهرة، داعيةً إلى تكثيف الحديث عنها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مع التأكيد على أهمية الاهتمام بكبار السن، وكذلك الأطفال والشباب الذين يعانون من العزلة أو الانفصال الأسري، كما شددت على ضرورة تقديم الدعم النفسى والاجتماعى والمادى لهم.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة