سعيد الخولى
كلمة والسلام
الوعى وجنون السوشيال ميديا!
الخميس، 16 أبريل 2026 - 07:41 م
الجنون بعينه هو ما يفعله أصحاب فيديوهات تناقض العقل والمنطق بالتخلص من النفس ونقل تلك اللحظات الأخيرة إلى الناس
قليلًا ما أتابع فيديو من الفيديوهات لصنّاع المحتوى والبلوجرز التى تمتلئ بها صفحات الفيس بوك أو اليوتيوب والسوشيال ميديا بحثًا عن الجرى وراء الترند الذى بات منتهى أمل كل صاحب فيديو ويبذل كثيرون فى سبيل ذلك كل ما يستطيعون من المهارة فى وضع البهارات وركوب الأحداث مهما كان الادعاء سيد الموقف، والهدف الملموس لغالبية صانعى المحتوى هو تحقيق أعلى عدد ممكن من المتابعات والمشاركات والتعليقات واللايكات، بحثًا عن عائد تتيحه تلك المواقع بعد عدد معين منها. وتحول الأمر إلى أن أصبح البحث عن التريند مهنة من لا مهنة له إلا إتقان التمثيل ومهارة تشمُّم ما يثير الناس للعب على أوتاره.
ولا يخفى أن الكرة والسياسة والدين والصراعات والحروب باتت مادة دائمة ولقمة سائغة طرية ومحتويات مضمونة العائد، فالمؤدون متقنون والتمسك بالمبادئ غير مطروح غالبًا من صنّاع المحتوى والبلوجرز، والمتلقون جاهزون لطرح عقولهم بعيدًا وقت تلقى المحتوى، فقط يشغلهم شيئان: الاستعداد لتصديق أى شىء يطرحه صاحب الفيديو أو التيك توك أو اليوتيوب لأنه يتفق وهوى هذا المتلقى، أو حتى العكس لأن صاحب المحتوى مرفوض من المتلقى ويتابعه فقط من باب التربص ليقف على مواطن سيئاته ويتحاكى بها فى مواقع عمله أو تجمعاته مع الناس؛ خاصة إن كان هناك خلاف أيدولوجى أو عقائدى أو انتماء تعصبى لشاغلة الناس الساحرة المستديرة، وما أكثر ما شغلتهم عن حياتهم فلم يكتفوا منها بالفرجة أو المتعة إنما اتخذها الكبار سبوبة ومجال اعتراك ذا عائد مربح، واتخذها الصغار ملهاة وقدوة بنجومها لعلهم يلحقون بهم على درب الملايين والشهرة والأضواء والعالمية إن فتحت لهم أحضانها.
الشىء الآخر الذى يشغل متلقى المحتوى هو البحث عما يوافق رؤيته أو نظرته لأولى الأمر أو أصحاب النظريات المختلفة، يفعل ذلك لعله يقتنع من داخله أنه مثل هؤلاء صاحب موقف لكن غيره يستتفه رأيه، وفى الغالب هذا وذاك ليس كل منهما سوى أداة لتحقيق أهداف صاحب المحتوى الذى تشتط به الأفكار وتأخذه لعنة البحث عن الترند فيخوض فى الممنوع ويكشف من حياته ما ستره الله أو أمر بستره، فلا يتورع بعضهم عن تحويل زوجاتهم إلى بضاعة معروضة فى فاترينة المحتوى ليجتمع عليها هبوب ذباب المتابعين وغوص لسعات بعوض الباحثين عن دماء المحرمات.
لكن الجنون بعينه هو ما يفعله أصحاب فيديوهات تناقض العقل والمنطق بالتخلص من النفس ونقل تلك اللحظات الأخيرة إلى الناس فى مشاهد «أكشن» صادمة وعنيفة، والغرابة أن تكون مشاهد تبدو وقد تم إخراجها دراميًا!.
وهو ما يثير الحزن بلا شك على ما آل إليه حال الناس وعلاقاتهم وحقوق كل منهم على الآخرين وقبلها على نفسه التى هو مطالب بالحفاظ عليها، من ضمن خمسة مقاصد للشريعة بالحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل (أو العرض) والمال على الترتيب. وإذا كنا مطالبين بالحفاظ على نفس الآخرين وأرواحهم إلا بالحق، فما بالنا بالحفاظ على أنفسنا وأرواحنا مهما كان الدافع للتفريط فى الروح ضاغطًا على النفس.
أما الأخطر فهو الفيديوهات الضاربة فى عمق العلاقة بين أنسجة الشعوب، وليس يخفى تأثير الأحداث المحيطة بنا والصراعات التى يستعمل فيها الكيان المحتل وراعيته الكبرى أمريكا كل الوسائل التقنية والحروب الذكية المتواكبة مع الحروب بالأسلحة والقنابل والصواريخ، تلك الحروب التى يستغلون فيها ملايين الحسابات المصنوعة على عينهم عبر منصات التواصل الاجتماعى لتحقيق الاحتراب المجتمعى مع فشل تحقيق أهدافهم بالأسلحة الثقيلة المباحة منها والممنوعة، وقد لاحظنا تنامى هذه النوعية من المحتوى على اليوتيوب وفيس بوك وانستجرام وكثير منها يحمل أسماء خادعة يبدو منها انتماء البعض للإسلام والبعض الثانى للمسيحية والبعض الثالث لا لهذا ولا لذاك ولا لأى عقيدة سماوية، وكلها يوقع بين أصحاب العقائد المختلفة، فضلًا عن الهويات الوطنية المختلفة من بلد إلى آخر التى تجمعها القومية العربية، تتكاثر بشدة تلك الفيديوهات والمنشورات وعليها تصريحات ومقولات لا هدف من ورائها سوى الاحتراب العربى بين أبناء الدول العربية. وأسوأ ما يفعله بعضنا هنا وهناك هو الاندفاع بعاطفة قليلة البصيرة لمشاركة تلك المحتويات، فيزيد انتشارها ويتعاظم خطرها على الجميع.
فى ظل جنون السوشيال ميديا علينا بوقفة وعى، فلننتبه!
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة
وقفة في ذكرى رحيل أحمد سعيد.. «صوت العرب» الذي واكب ثورات التحرر
الجميع يكرهونك !
هدنة على الورق..!
مليون عضة فى السنة.. «مش كفاية»؟..
تنمية الصادرات البستانية
العدالة المكانية









