ياسر عبد العزيز يكتب: جدارية الجدل .. ملهاة لا تموت !

ياسر عبد العزيز

الخميس، 16 أبريل 2026 - 08:00 م

ياسر عبدالعزيز

فى كرة القدم المصرية، لا تموت المباراة عند صافرة الحكم، بل تبدأ عندها فى شكل آخر؛ أكثر خفاءً، وأطول عمرًا، وأشد ضجيجًا ؛كأن اللعبة لم تُخلق لتُحسم، بل لتُعاد قراءتها إلى ما لا نهاية، وكأن كل نتيجة تحمل داخلها بذرة اعتراض، وكل قرار يحمل احتمال رواية مضادة. منذ تأسيس الاتحاد المصرى لكرة القدم عام 1921 برئاسة محمد لطفى باشا الى ولاية الدولى المخضرم هانى أبوريدة لم تكن المسألة مجرد تنظيم لعبة، بل محاولة دائمة لترويض فوضى لا تُروَّض بطبيعتها..ميزان يُراد له أن يكون ثابتًا فى لعبة لا تعرف الثبات، وعدالة يُراد لها أن تُفهم فى بيئة كروية لا تتفق أصلًا على معنى العدالة. لكن ما لم يتغير عبر الزمن هو شيء آخر أكثر تعقيدًا: أن كرة القدم المصرية كلما اقتربت من لحظات الحقيقة، ابتعدت قليلًا عنها بالكلام. الأندية الجماهيرية الكبرى، وفى القلب منها الأهلى والزمالك ، لا تعيش داخل الموسم فقط، بل تعيش داخل ظلاله أيضًا. هناك موسم يُلعب على العشب، وموسم آخر يُعاد إنتاجه فى الذاكرة العامة، حيث يصبح كل تعثر قابلًا للتفسير، وكل قرار قابلًا للتفكيك، وكل لحظة نقص فى الإنجاز قابلة لأن تُملأ بالجدل ؛ ولعل أكثر ما يكشف هذا النمط ليس اللحظات التى تُحسم فيها البطولات، بل اللحظات التى لا تُحسم فيها. حين تضيق المساحات داخل الملعب، تتسع تلقائيًا خارجه. وحين يثقل الموسم بالنتائج غير المكتملة، يبدأ الخطاب فى البحث عن منافذ أخرى للفهم: التحكيم، اللوائح، إدارة المسابقات، تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تتحول فجأة إلى مركز المشهد..كأن اللعبة حين تعجز عن الإجابة داخل نفسها، تبدأ فى الكلام خارجها. ولا يبدو هذا جديدًا على تاريخ الكرة المصرية ؛ ففى فترات مبكرة من تشكلها، خاصة فى منتصف القرن الماضي، حين كانت المنظومة ما تزال تتعلم شكلها الإدارى والفني، ظهرت مواسم ثقيلة على أندية كبرى، خاصة الأهلى فى محطات متفرقة مثل 1959/60، 1962/63، 1963/64، 1964/65، 1966/67، و1972/73، وهى مواسم لا تُقرأ فقط كأرقام، بل كحالات انكشاف رياضى كامل؛ حيث يغيب التتويج، ويظهر السؤال. وفى غياب التتويج… لا يصمت المشهد، بل يتكلم أكثر مما ينبغي..هنا تحديدًا تتشكل «الجدارية»: ليس كحقيقة واحدة، بل كطبقات من المعنى تُبنى فوق بعضها..النتيجة طبقة، والاعتراض طبقة أخري، والتفسير طبقة ثالثة ، ثم تأتى طبقة أخيرة تُعيد كتابة الأصل كله. ولا يختلف الزمالك كثيرًا فى هذا المشهد التاريخي، لأن الأندية الجماهيرية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد بطولاتها، بل بعدد المرات التى اضطرت فيها لإعادة شرح ما حدث عندما لا تكون البطولة فى يدها..الفرق فقط فى التفاصيل ؛ أما البنية النفسية والاجتماعية للمشهد فهى واحدة: جمهور لا يقبل الصمت، ومنظومة لا تحتمل الفراغ، وذاكرة ترفض أن تُغلق الملف بسهولة. لكن الخطر الحقيقى هنا ليس فى الجدل.. بل فى تحوله إلى عادة..إلى «ملهاة» ناعمة، تُعيد ترتيب الانتباه العام بعيدًا عن السؤال الأصعب: لماذا يتكرر التراجع أصلًا؟ وكيف يُعالج داخل المنظومة لا خارجها؟ فى هذه النقطة، يصبح الجدل خطيرًا لا لأنه خطأ، بل لأنه قد يتحول إلى بديل عن المواجهة. وفى الخلفية، يقف الاتحاد المصرى لكرة القدم، لا كطرف فى الرواية، بل كإطار لها، كميزان لا يمكن أن يُرضى الجميع مهما حاول، لأن وظيفته ليست المصالحة، بل الضبط. ومنذ التأسيس وحتى اليوم ؛ ظل هذا الميزان فى منطقة حرجة: كلما اشتد الضغط، زادت الحساسية حوله، وكلما تعقدت اللعبة، أصبح الاتهام أسهل من الفهم. ومع دخول العصر الحديث، لم يتغير الجوهر، بل تسارعت النسخة فقط..أصبح الجدل فوريًا، والاعتراض لحظيًا، والتأويل جماعيًا فى لحظة واحدة ؛ لكن بقيت الحقيقة فى مكانها القديم: أن كرة القدم لا تنهار من قرار، بل من فقدان الإيمان بوجود مرجع يُحترم حتى فى لحظة الخلاف معه. وفى النهاية، لا تبدو «جدارية الجدل» مجرد ظاهرة عابرة ؛بل تبدو كملهاة طويلة، لا تموت لأنها لا تجد من يغلقها، ولا تنتهى لأنها كل مرة تُكتب من جديد بأدوات مختلفة، لكن بنفس السؤال القديم: كيف يمكن للعبة تريد أن تكون عادلة.. أن تبقى لعبة أصلًا؟ وإلى لقاء جديد