خواطر الشعراوى| التعفف مقابل السؤال
الخميس، 16 أبريل 2026 - 08:02 م
ضياء أبوالصفا
يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: «وإذا نظرنا إلى قول الحق: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض﴾ و«الضرب» هو فعل مِن جارحة بشدة على متأثر بهذا الضرب، وما هو الضرب فى الأرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن الكفاح فى الحياة يجب أن يكون فى منتهى القوة، وإنك حين تذهب فى الأرض فعليك أن تضربها حرثًا، وتضربها بذرًا، لا تأخذ الأمر بهوادة ولين ولذلك يقول الحق: ﴿هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولًا فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النشور﴾ «الملك: ١٥».إن الأرض مسخرة من الحق سبحانه للإنسان، يسعى فيها، ويضرب فيها ويأكل من رزق الله الناتج منها.
اقرأ أيضًا| "حرام أم حلال".. رأي الشيخ الشعراوي في الفن والفنانين
وحين يقول الله سبحانه فى وصف الذين أحصروا فى سبيل الله فلا يستطيعون الضرب فى الأرض ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ أى يظنهم الجاهل بأحوالهم أنهم أغنياء، وسبب هذا الظن هو تركهم للمسألة، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافًا﴾ والسمة هى العلامة المميزة التى تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد فيهم خشوعًا وانكسارًا ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أو يطلبوا، ولكنك تعرفهم من حالتهم التى تستحق الإنفاق عليهم، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافًا﴾ فكأنه أباح مجرد السؤال ولكنه نهى عن الإلحاحٍ والإلحاف فيه، ولو أنهم سألوا مجرد سؤال بلا إلحاف ولا إلحاح أَمَا كان هذا دليلًا على أنهم ليسوا أغنياء؟ نعم، لكنه قال: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ إذن فليس هناك سؤال، لا سؤال على إطلاقه، ومن باب أولى لا إلحاف فى السؤال؛ بدليل أن الحق يقول: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾، ولو أنهم سألوا لكنا قد عرفناهم بسؤالهم، إذن فالآية تدلنا على أن المنفى هو مطلق السؤال، وأما كلمة «الإلحاف» فجاءت لمعنى من المعانى التى يقصد إليها أسلوب الإعجازي، ما هو؟
اقرأ أيضًا| «الأوقاف» تُحيي ذكرى ميلاد إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي
إن «السيما» كما قلنا هى العلامة المميزة التى تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد خشوعًا وانكسارًا ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أى أنت تعرفهم من حالتهم البائسة، فإذا ما سأل السائل بعد ذلك اعتبر سؤاله إلحاحًا؛ لأن حاله تدل على الحاجة، ومادامت حالته تدل على الحاجة فكان يجب أن يجد من يكفيه السؤال، فإذا ما سأل مجرد سؤاله فكأنه ألحف فى المسألة وألح عليها.
وأيضا يريد الحق من المؤمن أن تكون له فراسة نافذة فى أخيه بحيث يتبين أحواله بالنظرة إليه ولا يدعه يسأل، لأنك لو عرفت بـ «السيما» فأنت ذكي، أنت فطن، أنا لو لم تعرف بـ «السيما» وتنتظر إلى أن يقول لك ويسألك، إذن فعندك تقصير فى فطنة النظر، فهو سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يكون فطن النظر بحيث يستطيع أن يتفرس فى وجه إخوانه المؤمنين ليرى من عليه هم الحاجة ومن عنده خواطر العوز، فإذا ما عرف ذلك يكون عنده فطانة إيمانية.
ولنا العبرة فى تلك الواقعة، فقد دق أحدهم الباب على أحد العارفين فخرج ثم دخل وخرج ومعه شيء، فأعطاه الطارق ثم عاد باكيًا فقالت له امرأته: ما يبكيك؟. قال: إن فلانًا طرق بابي. قالت: وقد أعطيته فما الذى أبكاك؟. قال: لأنى تركته إلى أن يسألني.
إن العارف بالله بكى؛ لأنه أحس بمسئولية ما كان يجب عليه أن يعرفه بفراسته، وأن يتعرف على أخبار إخوانه. ولذلك شرع الله اجتماعات الجمعة حتى يتفقد الإنسان كل أخ من إخوانه، ما الذى أقعده: أحاجة أم مرض؟ أحدث أم مصيبة؟ وحتى لا يحوجه إلى أن يذل ويسأل، وحين يفعل ذلك يكون له فطنة الإيمان. ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ يجب أن تعلم أنه قبل أن تعطى قد علم الله أنك ستعطي، فالأمر محسوب عنده بميزان، ويجيء تصرف خلقه على وفق قدره، وما قدره قديما يلزم حاليا، وهو سبحانه قد قدر؛ لأنه علم أن عبده سيفعل وقد فعل. وكل فعل من الأفعال له زمن يحدث فيه، وله هيئة يحدث عليها. والزمن ليل أو نهار.