الانتحار عدوان على الروح| العلماء: يجب مقاومته بالتمسك بالصبر واللجوء إلى الله
د. روحية مصطفى - الشيخ أشرف عبد الجواد
الخميس، 16 أبريل 2026 - 08:05 م
سيد عبد النبى
يُعدّ قتل النفس من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر فى الإسلام، إذ حرّم الله تعالى إزهاق الروح بغير حق، وجعلها من السبع الموبقات. فالنفس البشرية مكرّمة ومصونة، والاعتداء عليها لا يقتصر على الفرد فحسب، بل يمتد أثره إلى المجتمع كله، لما يخلّفه من آلام نفسية واضطرابات اجتماعية عميقة. وقد جاءت النصوص الشرعية مؤكدةً هذا التحريم، ومتوعدةً فاعله بأشدّ ألوان العقاب، فى سبيل صيانة الحياة الإنسانية وحمايتها.
أكدت د. روحية مصطفى الجنش أن الانتحار ليس حلًا مهما اشتدت ضغوط الحياة أو تعاظمت الابتلاءات، بل هو جريمة فى حق النفس وعدوان على الروح التى حرّم الله إزهاقها، مشددةً على أن شعور الإنسان بالضيق أو اليأس لا يبرر له الإقدام على هذا الفعل، بل يتطلب منه التمسك بالصبر واللجوء إلى الله.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾، حيث جمعت الآيتان بين النهى الصريح والوعيد الشديد، فى دلالة واضحة على خطورة هذا الفعل وعِظم إثمه..
وتضيف: فى السنة النبوية، وردت نصوص شديدة فى الزجر عن قتل النفس، منها ما رواه أبو هريرة رضى الله عنه عن النبى : «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم...»، وفى صحيح مسلم: «من قتل نفسه بشيء عُذّب به يوم القيامة»، وهى نصوص تحمل أقصى درجات التحذير والتنفير من هذه الجريمة، لما فيها من تعدٍّ على حق الله فى الحياة. ومع ذلك، فإن جمهور أهل السنة يرون أن المنتحر لا يُحكم بكفره ما لم يستحلّ فعله، بل يُعدّ مرتكبًا لكبيرة عظيمة، وأمره إلى الله تعالى؛ إن شاء عذّبه بعدله، وإن شاء غفر له برحمته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وما ورد من نصوص الخلود يُحمل على التغليظ والزجر، لا على الخلود الأبدى الذى هو من شأن الكافرين، ما دام المنتحر باقيًا على أصل الإيمان.
وأوضح الشيخ أشرف عبد الجواد أن قتل النفس جريمة عظيمة لا مبرر لها تحت أى ظرف، سواء كانت ضائقة مادية أو مشكلات أسرية أو مرضًا أو فشلًا عاطفيًا، مؤكدًا أن هذه الأسباب لا تبيح هذا الفعل، بل تعكس حالة من اليأس والقنوط من رحمة الله، وهو أمر نهى الله عنه بشدة..
وأضاف أن التهوين من هذه الجريمة أو عرضها بشكل غير مسئول فى بعض الوسائل الإعلامية قد يسهم فى نشرها أو تكرارها، مما يوجب التعامل معها بحذر ووعي، من خلال خطاب متوازن لا يُبرّر الفعل ولا يقسو على المبتلين، بل يجمع بين التحذير والاحتواء.
وأشار إلى أن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، مبينًا أن ما يمرّ به الإنسان من أزمات إنما هو جزء من سنن الحياة، وأن الصبر عليها باب للأجر والفرج.. وفى المقابل، يدعو الإسلام كل من ضاقت به السبل إلى عدم الاستسلام لليأس، بل إلى التمسك بالأمل والثقة برحمة الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، فمهما بلغت الشدائد فإن رحمة الله أوسع، وفرجه أقرب مما يظن الإنسان.
كما أن من المهم إدراك أن كثيرًا ممن يمرون بأزمات نفسية قد يُظهرون التماسك خارجيًا، بينما يخفون معاناة شديدة فى الداخل، وهو ما يستدعى من المجتمع مزيدًا من التعاطف الواعي، وتقديم الدعم النفسى والمعنوي، ومدّ يد العون قبل تفاقم الأزمات.
وأخيرًا، فإن المنتحر يُعدّ مسلمًا، فيُغسّل ويُكفّن ويُصلّى عليه ويُدفن فى مقابر المسلمين، ولا يُحكم عليه بالخروج من الدين، بل يُترك أمره إلى الله تعالى. ويبقى الواجب على المجتمع أن يوازن بين بيان الحكم الشرعى بوضوح، وبين احتواء المبتلين، ونشر ثقافة الأمل والصبر، بما يسهم فى حفظ النفوس وصيانة المجتمع من هذه الظاهرة الخطيرة.