تل أبيب.. خطاب المحرقة يشعل النار فى حاضر ومستقبل نتنياهو
السبت، 18 أبريل 2026 - 08:03 م
محمد نعيم
انبرى نتنياهو فى سرد ما وصفه بإنجازات الحرب على جبهات إيران ولبنان وقبلهما غزة، تاركًا وراء كلماته فى خطاب ذكرى المحرقة النازية إخفاقات أمنية غير مسبوقة، رسَّختها هجمات الإيرانيين و«حزب الله» على جبهة إسرائيل الداخلية، ما فتح عليه أبواق وأقلام تل أبيب، اعتبرت بطولته الورقية، تمهيدًا ممنهجًا لحملته الانتخابية المرتقبة، واستمرارًا لاستثمار «أصوات المخدوعين» فى صناديق الاقتراع.
اقرأ أيضًا| عقب وقف إطلاق النار| نتنياهو: إسرائيل «لم تنه المهمة بعد» في حربها ضد حزب الله
وفند الكاتب، بن كسبيت، المعروف بمعارضته العنيفة لنتنياهو، ما وصفه بـ«نرجسية رئيس حزب الليكود»، الباحث دائمًا عن مبررات واهية، تسمح ببقائه لأطول فترة على مقعد رئاسة الوزراء. وتطرق فى مقال مطول بصحيفة «معاريف» إلى بيان نتنياهو، والمسئولين عن صياغته، مشيرًا فى البداية إلى أن «كهنة نتنياهو» هم «المسئولون الحقيقيون عن خداع الإسرائيليين عبر عمليات تجميل وجه رئيس الوزراء القبيح».
وأشار إلى أن نتنياهو سلب إسرائيل استقلالية القرار، وأحالها إلى «جمهورية موز»، تخضع فى كل مواقفها لقاطن البيت الأبيض، فبات يحركها مثل «دمية حمقاء» مقابل وعد بإنقاذ «ربَّان الظل» من المحاكمة فى قضايا الفساد الغارق حتى أذنيه فيها، وأعطى نفسه فى المقابل حق تدخل سافر فى أدق تفاصيل إدارة إسرائيل، حتى على المستوى القضائى.
وأوضح الكاتب بمنظوره، أنه «يمكن التغاضى عن كثير من ذنوب نتنياهو، لكن لا غفران لتحويله إسرائيل إلى «جمهورية موز»، تنتظر زعيمًا أجنبيًا، يتحدث نيابة عنها، ويفرض عليها إملاءاته وإيعازاته»، مؤكدًا أن خطيئة نتنياهو الكبرى تكمن فى عدم اعترافه باستحالة نزع سلاح حزب الله عبر عمليات عسكرية، وتجاهله لانتقادات إيثاره استثمار مليارات الدولارات فى نفقات الائتلاف، بدلًا من حماية مستوطنات الشمال الإسرائيلى، خاصة مستوطنة «كريات شمونة»، لمجرد أن ناخبيها تجرأوا ومنحوا أصواتهم لمرشح ليس مقربًا من «الست» «سارة نتنياهو»، بالإضافة إلى عجزه عن الاعتراف أيضًا بأنه هو وليس غيره من وضع سياسة «احتواء» حزب الله، وتجاهل خيام الحزب المليئة بالعناصر المسلحة على خط التماس مع إسرائيل، وسمح لنصر الله بجمع 150 ألف صاروخ، وانحنى لهدوء زائف فى الشمال الإسرائيلى، فقاد إسرائيل نحو الكارثة.
ولفت بن كسبيت إلى أن نتنياهو الذى يتبارى بالحديث عن النصر، هو ذاته الذى لا يتعظ من أخطائه، مشيرًا إلى أن «مَن وعد بـ«نصر شامل» فى غزة وفشل، استمر فى الوعد بانتصارات شاملة وهمية على جبهات أخرى، سواء فى إيران أو لبنان، أو حتى فى اليمن».
وخلص مقال الصحيفة العبرية إلى حتمية وقوف نتنياهو أمام نفسه، ووجه له الكلام: «حان وقت التحلِّى بالتواضع، ووضع أهداف واقعية، والسعى لإيجاد مخرج ناجح، وإنهاء الحروب بالاتفاقيات، إذ تُثبت التجارب أن الاتفاق السياسى بعد الحرب هو وحده ما يُحقق السلام الدائم، ومصر والأردن خير دليل على ذلك».
اقرأ أيضًا| نتنياهو: المهمة في لبنان لم تنته.. وحزب الله اليوم ليس إلا ظلا
وألمح إلى أن أساس معاناة نتنياهو ينبع من ازدواجية المواقف، فهو بحاجة إلى الحرب، ويطيل أمدها، ويستغلها، رغم أنه هو الذى هاجم رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، حين قال عبارته الشهيرة «مَن يخضع لتحقيقات جنائية، لا يمكنه اتخاذ قرارات مصيرية»!
وبنفس المنظور، تناولت صحيفة «يديعوت أحرونوت» خطاب نتنياهو، لكنها ركزت على فقرات معينة، وطرحت من خلالها سؤالًا مشوبًا بالدهشة: من يكتب خطابات بنيامين نتنياهو؟، وفيما لم تبد اهتمامًا بالمسألة أساسًا، بررت طرح السؤال بفجوات هائلة فى لغة الخطاب السياسية والأمنية، وقالت إنه «فى ظل تدهور الوضع فى ديوان رئاسة الوزراء، يبدو أن نتنياهو نفسه هو من يصيغ الخطابات، فهو الذى يُراجعها ويُصححها، ويعيد صياغتها»، وفى خطابه حول ذكرى المحرقة، قال: «بصفتى رئيس وزراء إسرائيل، وعدتُ: لن تكون هناك محرقة أخرى. هذا العام، وفينا بهذا الوعد على أرض الواقع. وجّهنا أقوى ضربة فى التاريخ للنظام الإيرانى».
وفى ردها، وجت الصحيفة الكلام إلى نتنياهو مباشرة: «قائمة إخفاقاتك تكاد تضاهى قائمة ضحايا ذلك اليوم، الذى لن يسقط أبدًا من الذاكرة «طوفان الأقصى».
قائمة التحذيرات التى تلقيتها قبل 7 أكتوبر 2023، طويلة ودموية. الموساد، والاستخبارات العسكرية «أمان»، وجهاز الأمن العام «الشاباك»، والسياسيون، والشخصيات العامة، حتى وزير الدفاع الذى عيَّنته، حذروك علانية، لكنك قلت: الوضع تحت السيطرة، قضينا على حماس فى قطاع غزة، وتظاهرت بالتفاؤل، وعندما سألك أحد خدمك عن التحذيرات الأمنية المبكرة، قلت: «هناك مبالغة فى ذلك». والآن تتباهى بأنك أقسمت ألا تحدث محرقة ثانية؟ بعد أن قُدتنا إلى تجربة تُشبه المحرقة أكثر من أى وقت مضى، كيف؟ كيف لا تشعر بالخجل؟».
وانتقلت الصحيفة إلى المصير الذى ينتظر نتنياهو، مؤكدة أنه لن يغاير مصير رئيس الوزراء المجرى «المهزوم» فيكتور أوربان، ويعود وجه الشبه، بحسب تعبير «يديعوت أحرونوت» إلى أن نتنياهو وأوربان وجهان لعملة واحدة، وما ناله الأخير يناله الأول حتمًا.
ومضت تقول: «التشابه بين الديكتاتور المجرى الفاسد، الذى انخرط فى تفكيك سريع وقسرى للديمقراطية المجرية، وديكتاتورنا الفاسد نتنياهو، أمر مذهل حقا. فيكتور أوربان وبنيامين نتنياهو شكلا نمطًا واحدًا، لكن الفارق هو أن أوربان نشأ فاشيًا، أما نتنياهو، فكان ديمقراطيًا وليبراليًا، لكن كل هذا مُزِّق، وطُحِن، وانصهر فى النموذج الفوضوى النرجسى لشخصيته الحالية».
«فى المجر أيضًا، انخرط الحاكم المهزوم انتخابيًا فى تفكيك متسارع للنظام القضائى، وفى سيطرة قسرية على وسائل الإعلام، وفى قمع حراسها، وفى تعيين فاسدين، وأشخاص غير مؤهلين فى مناصب عليا، وهو ما يفعله نتنياهو عامدًا متعمدًا، بغرض واحد وهو: الهيمنة والسيطرة وإطلاق سردية إعلامية وسياسية واحدة، لا يجوز مخالفتها».