اللوحات للفنان: كمال يكنور
اللوحات للفنان: كمال يكنور


فصول قمر الضلوع

أخبار الأدب

الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:07 ص

حسام المقدم

 حَسَنة واضحة بجوار الأنف، وملامح وجه مألوف من أيام الإعدادى، كأحد موضوعات القراءة الأساسية. تقاسيم ليست السبب الوحيد لانجذابى إلى صورة نجيب محفوظ، ذات ليلة شتوية، وأنا ملفوف ببطانية خشنة، فى قلب دار طينية تدّخر حيطانها العريضة الدفء لأصحابها. 
 صورة فى جريدة، والجريدة رفاهية فى قُرانا الصغيرة. لا نشتريها وإنما تأتى فى طريقنا بالصدفة، نلتقط أوراقها المكرمشة المرميّة، أو الملفوفة على كيلو فاكهة، وأحيانا تكون مقصوصة مثلثات ومفروشة على أدراج مكتبة بدائية لطالب مجتهد.
 مأخوذا إلى الصورة كنتُ، منصرفا عن إزعاج إخوة يتزاحمون بالكلام والحركة حتى فى وقت النوم. فردتها أمامى، ماسحا عليها، شادًّا للجوانب المثنية، وواصلت التدقيق: نجيب محفوظ على مقهى، يقرأ جريدة، بنظارة كبيرة فى منتصف أنفه، وشفتين ممدودتين قليلا. اعتدلتُ لأكون فى أجمل أوضاع القراءة: أمسك ورقة الجرنان تحت عينى، برأس مائل وجبهة مخططة فوق حاجبين مرفوعين.
فكرت وقتها، كطالب ثانوى، أن أى كاتب فى الدنيا لا بد أن يجلس بهذه الملامح المستغرقة، والهيئة الأنيقة بالبدلة المقلّمة والقميص السادة. أما الجريدة فلا غنى عنها فى مشهد مكتمل أمضى معه بخيالى المتسلسل، وأرى صاحب الجلسة يتوقف عن القراءة لينظر لى من تحت النظارة، داعيا مرحبا بانضمامى إلى جواره. 
>>>
على مقهى فى شارع جانبى، بجوار كُليتى التى أزوغ من محاضراتها المملة؛ أجلس مع جريدة أتصفحها لأول مرة. 
 نصحنى بها صديق أكثر منى معرفة بالثقافة والأدب. لاحظتُ أن عناوينها طويلة، ولا تعطى معنى مباشرا. مضيتُ فى قراءة سطور حائمة، واضعا رِجلا على رِجل، خاطفا نظرات لكوب القهوة و«الوِش» الكثيف. انتشيتُ بالقعدة، وتجلّت لى كلمات وصور، راحت تُلاعبنى بتكرار الظهور والتلاشى. 
 انتبهتُ على دَفعَة فى قدمى. رفعتُ عينى لأجد شخصا بملامح كارهة للدنيا، يطلب منى أن أترك له الكرسى لأنه يجلس فى هذا المكان من عشر سنوات، وغير مستعد لتغييره. لم أكد أرد حتى زعقَ فىَّ لأُنزِل رِجلى من باب الاحترام. تلجلجتُ وارتبكت، وفوجئت به يشدنى من مكانى، يجرجرنى بمعنى أصح، ويُقعدنى فى كرسى على جنب. سخنَ الدم فى عروقى، انتفضت دقات قلبى، ولم ينبس لسانى المشلول. الغريب أن لا أحد من الموجودين تدخلَ بكلمة. 
 تمالكت أعصابى وقمت منصرفا. لم أنظر لأحد، لم أكن أرى شيئا وسط ضباب كبسَ فجأة على كل شىء. بعد خطوات نزلت يد على كتفى، أخبرنى وجه طيب أننى وقعت فى يد واحد شرَّانى. طبطبَ على ظهرى، وبعينيه وكل ملامحه قال: «معلش».
 مشيت دون أن ألتفت، وتذكرت أننى نسيت جريدتى، لكنى لم أعد. 
>>>
 المقهى صاخب بالناس وطلباتهم، ونحن ثلاثة متضامّون فوق ترابيزة جنب الحائط. أعاد صاحبنا فتح الكتاب وبدأ فى قراءة نفس الفقرة، فانسابت النظرات الهائمة، واسترسلت الأحلام بكتابة مثل هذه، يخرج منها بخار لاسع، ونتذوق حروفها بنشوة. كلمات مقروءة فى تعابير الوجوه حولنا، فى التراب والدخان وسواد الطين، وهذا الجسد الريّان العابر منذ ثوان أمام أعيننا. قلت فى نفسى: كتابة بنت عم، وصديقة، وواقفة بدلال على الناصية. 
 بانتهاء القراءة لم ينطق واحد منا. ظللنا تماثيل آدمية، تتقلّب فى أغوارها الشابة جُمل ومشاريع نصوص، وتنفتح لها نوافذ خلف نوافذ فى قادم الأيام والسنوات.
>>>
 فى الندوة شبه إجماع على تردّى الأمور، من حديث الثلاثة على المنصة إلى مُداخلات الحاضرين فى القاعة.
 نظرتُ لصديقى، يبدو ضجرا مثلى بهذا الجو القاتم. وجدته يقوم ويطلب الكلمة: «اسمحوا لى، لو كان نجيب محفوظ معنا، فبِمَ سيرد لو سألناه: وما آخِر كل ذلك؟»  
 سمعتُ همهمات تستحسن السؤال، وأخرى تتلوى مستاءة، إلى أن تقدّمَ رجل لا نعرفه، صامت مهيب بشعر أبيض. وقف ثابتا أمام الميكروفون، وتكلّمَ بكلام انعقدت بعده ألستنا: 
«ما آخِر كل ذلك؟ لا آخِر لشىء إلا فى نهاية الزمان، فلا تنتظروا وابقوا فى البدء. مهما حدث كُونوا كأنكم فى البدء.» 
>>>
 ذات فجر صيفى، والقمر بدر عاشق ينثر نوره اللبنى على الموجودات؛ قرأت مقولة الشيخ عبد ربه التائه: «كابدتُ من الشوق ما جعل حياتى لهفة مكنونة فى حنين». 
 لساعات بعدها لم أذق طعم النوم، وأحسست بالكلمات تخرج من سطورها وتنشطر حروفها. سأكتب عن: الشوق، اللهفة، القمر الراقص فى الضلوع. سماح، رشا، دعاء.. اختلط الزمن علىَّ، هل أقدر على الترتيب؟ سأموت قبل أن أفهم قرار رشا بالابتعاد الكامل والاختفاء بمجرد أن بلغَت الأربعين، ما الذى يُميّز الأربعين عن الثلاثين عن الخمسين؟ هل تمشى بنا أعمارنا، أم نمشى بها؟ آه لو رأيت سماح، المجنونة الحلوة، صاحبة أدفأ جسد فى الوجود. سأكسر دماغها الناشف، لإصرارها على اصطناع خلافات حول أمور صغيرة، أمور ظلت تكبر حتى ارتفع السد وحجب كل شىء. أتنهد من أعماقى، فتنفتح بوّابة حنينى إلى دعاء.. حضور القطيفة، بساطة الزهرة وعفويتها. لم أعرف، حتى الآن، من أى عالم أتت هذه الإنسانة، كيف تلتقى طراوة الندى بالنار؟ أضاعها سخطى الدائم وقلبى الحامى، وثقة زائفة قالت عنها دوما إنها أنانية.  
 بعد سنوات من الضّنى فى الطريق؛ أعدتُ قراءة كلمات الشيخ التائه، فسمعت صوت ناى بعيد يطوف بى، ويدعونى إلى مكان ما. أغمضتُ عينى وقلت: لعله يأخذنى إلى الحنين المكنون ذاته.
>>>
 ليس صعبا أن يكون المقهى فى الغرفة، فكوب قهوة وقعدة على كرسى مريح، مع صوت أم كلثوم فى الخلفية؛ مفردات تصنع أبسط مقهى خصوصى، وتضيف إلى اختيار العزلة روح الخُلوة.  
 فجأة ينشق الحائط ويخرج نجيب محفوظ، بكل هدوئه وابتسامته الحاضنة. لم تتغير ملامحى لمرآه، منذ سنوات أستدعيه بإلحاح، وأنتظر حضوره.
 أخيرا جاء:
«أهلا يا أستاذ، أشرقت الأنوار.»
«نور فى قلبك، كيف الأحوال؟»
«الحال غير مرتاح.»
«الراحة منكَ وبك، اصبر.»
«ها هى أم كلثوم ترد بالنيابة عنى: للصبر حدود.»
«لكل شىء حدود، العقل نفسه له حدود، والروح.»
«الروح قلقة والقلب مضطرب يا أستاذ.»
«لهما طلب الرضا والسعى إليه.»
 لم يزد حرفا. تراجعَ خطوتين، واختفى فى الحائط كما ظهر. تسرّبَ خلف صورته المثبّتة فى مكانها من سنوات. 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة