صباح الخير يا أفندم: رواية الغربة!

الكتاب: صباح الخير يا أفندم

الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:15 ص

أخبار الأدب

وليد الخشاب صدرت مؤخراً رواية أحمد غريب «صباح الخير يا أفندم» عن دار بيت الحكمة بالقاهرة. تتبع الرواية شخصية مثقف عربي، ولعله كاتب أو صحفى أقرب إلى نموذج اللابطل أو البطل الضد. يسافر ذلك المثقف إلى الخليج للمرة الثالثة فى حياته العملية، بعد فترة قضاها فى الغرب، ليتسلم عملاً فى مجال تغذية الذكاء الاصطناعى بمواد لغوية عربية. ويستعرض الراوى شخصيات مصرية وخليجية تعمل أو تعيش بالبلد الذى يستقبله، ليكشف بعض الجوانب غير المألوفة فى الخطابات اليومية المتداولة عن المنطقة.  يروى الراوى حكاية بعض الصراعات على العمل بين المغتربين، وبعض المبالغة فى الحماس الصادر عن المتصارعين، إلى حد توفير فرص التعرف بالنساء لرئيس العمل. كما يرى القارئ حالة سيدة مهمشة يصعب على العقل تصورها خارج المدن المصرية، تتعرض لقسوة الزوج والمؤسسات، مثلها مثل أهل الهامش الحضرى الذين تعج بهم مدن المشرق والمغرب. لكن تظل تلك اللمحات السردية إطاراً لتأملات يشير إليها النص ولا يتفاصح أو يتعالم بها، تحث القارئ على مصاحبة الشخصية المحورية فى تدبرها لمعانى الغربة والترحال والحياة والموت وعبودية الإنسان للغة والآلة. فيتضح فى محصلة القراءة أن آلة اليوم التقنية هى لغة سيطرة، وأن مفردات الحياة تصير رويداً رويداً تروساً فى آلة تحكم كونية، يخضع لها الحجر والبشر. الذات وصورتها تبدأ أحداث رواية أحمد غريب بالبطل الضد الذى يقدمه الراوي. ينظر البطل لنفسه فى المرآة ويخاطب نفسه. لكن الصوت السارد طيلة الرواية هو صوت عليم يصف دخيلة ذات بطله الضد، ولا نقرأ أو نسمع صوت البطل نفسه مباشرة. وسوف تنتهى الرواية بالراوى نفسه يحكى أن البطل ذاته ينظر لنفسه فى مرآة حمام آخر. موقف البداية وموقف النهاية يبدوان وكأن أحدهما مرآة للآخر حرفياً، فهو موقف التأمل فى الذات وفى المرآة، أو استبطان الذات أمام مرآة، الذى هو وقوف الإنسان أمام العالم، أو أمام الموت (أو مقلوبه، الحياة) كما تدلنا دائماً الأساطير الكبرى عن المرايا. تروى الباحثة دلال جويد فى أكثر من مقال عن القزوينى أنه أورد حكاية عن أهل بابل ينظرون إلى مرآة كبرى فيرون فيها من سافر وغاب فى سفره. والغرب مفتون بقصة الشاب نرجس إذ يستغرقه النظر إلى صورته على صفحة الماء، فينتهى به الأمر غريقاً فى قاع البحيرة. فى القصتين القديمتين، تفتح المرآة وعى الإنسان على ذاته وأعماقها، وعلى العالم باتساعه. وتبدو رواية أحمد غريب «صباح الخير يا أفندم» كلها تراوحاً سردياً وتأملياً بين جسم وصورته، أو ذات وقرينها. هى رواية المزدوجات المتلازمات مثلما تلازم الصورة أصلاً أو مقلوباً لها. منذ الفقرات الأولى فى الرواية، يطرح الراوى أن: «الترحال غير الغربة». لكن الرواية تقدم مزدوجة الترحال والغربة مصحوبة بتعريف غريب. قد يتبادر للذهن أن الغربة هى انقطاع أحبال الود أو المدد العاطفى مع أصل ما أو وطن بعينه. فإذا بالراوى يُعَرِف الغربة بأنها «إحساس ثقيل بعدم القدرة على فك روابط ثقيلة». بينما الترحال فك روابط. فى الرواية، الترحال تحرر، والغربة هى استقرار فى الاغتراب. ربما كان الراوى يستخدم مفردة «الغربة» لكنه يعنى فى الحقيقة مفهوم «الاغتراب». مشهد الوقوف أمام المرآة، وموقف المتأمل إذ يستقبل قبلة أو هيكلاً هو الموقف الذى يفتتح به أحمد غريب روايته الأخيرة وبه يختتم الرواية. وقد أطلق على الرواية اسم «صباح الخير يا أفندم»، التى هى أيضاً عبارة يفتتح بها المرء تفاعله مع الآخرين، حين يلتقيهم صباحاً. أى أن الرواية عن البدايات، بدايات تفاعل الإنسان مع العالم ومع الأسئلة الكبرى عن الحياة والموت، ثم عن الترحال والغربة اللصيقين بنشاط الإنسان المعاصر فى عالم الرأسمالية المتأخرة. أول ما يتبادر للذهن حيال حضور المرايا وتأمل الذات لنفسها عبر وساطة المرآة هو أن رواية غريب السابقة كانت بعنوان «كسور المرايا». إن كانت رواية «كسور المرايا» عن تشظى صورة ذات فى المهجر، بين كسرات مختلفة وصور منثورة متناثرة مبعثرة، متعددة،فـ «صباح الخير يا أفندم» -رواية غريب الصادرة مؤخراً- هى سرد لقصص عن ذات واحدة، تلملم كسورها ونثارها فى تجليات عديدة لصورتها المرآوية. فى رواية الغريب الأخيرة، لا تتشظى الذات، وإن كانت حكاياتها شذرات من سيرة أنا تتأمل ذاتها فى مرآة النفس والعالم. تبدو الذات المتأملة فى المرآة متصالحة مع فكرة الاغتراب بوصفه قدراً شخصياً لها، وقدراً للإنسان المعاصر عموماً. وتبدو مشغولة بقدر أكبر بما تسميه -أو ما يسميه الراوي- «الانفصال». فى «صباح الخير يا أفندم» الانفصال يعنى الترحال لا الغربة. وهو ما يليق بشخصية تقلبت بين أكثر من مدينة بين مصر والخليج والغرب، وعاشت وعملت فى مهجرها الخليجى مرتين، وها هى تبدأ محطتها الثالثة فى ترحالها عبر العالم عموماً وعبر الخليج العربى خصوصاً. وكأن الذات تستشعر ثراءً دلالياً وعاطفياً فى الترحال، الذى هو «قبول بالطواف الدائم وتقويته بالمعاني». وكأن الترحال ليس حيرة، بل ذخيرة وثروة تزدادان على مستوى المعنى والراحة النفسية. لامكان الحياة ومكان الموت فى مفتتح الرواية، يكاد الراوى يختتم المشهد برصد طبيعة نظر البطل الضد فى المرآة، ولا يكتفى بوصف أغوار نفسه التى يراها. ينظر البطل إلى المرآة بتردد، ويوضح الراوى أنه يخاف النظر إلى العمق، وكأن النظرة تأبى إلا أن تتشبث بالأسطح: سطح المرآة، سطح الحياة، سطح التأملات. ولا يتعمق الراوى تلك المفارقة بين خوف البطل من العمق وبين عمق أفكاره الشاردة. ولعله يركن إلى أن تأملات البطل والراوى معاً لا تستقر على تسمية للقضايا التى تبحر بينها، وإنما تومئ وتشير، لا تُنَظِر وترسخ أحكاماً. وتَظهرُ لازمةٌ منهجية وأسلوبية وفكرية فى تلك اللحظة من الحكى، وهى غياب اليقين. أزعم أن الراوى يظهر وكأنه يوحى بأن تردد البطل فى النظر وتجنبه التعمق فيه، يرجع إلى أن الشخصية المحورية «ربما» لا يجب أن ترى النهايات. الكاتب الضد أو البطل الضد يبدو لوهلة وكأنه يتأمل الموت أو يغويه أو يستسلم لغوايته. والوقوف أمام المرآة، كما أسلفت، هو -بمعنى ما- وقوف أمام مقلوب الحياة، كما أن صورة المرآة مقلوب صورة الجسد الناظر إليها. أى أن الوقوف أمام المرآة وقوف أمام الموت. وفى هذا السياق تستدعى ذاكرة البطل ذكرى صديقة له متصوفة، وكأن اسمها يستدعى ذكر الموت. لكن الراوى يوجز اللحظة إيجازاً، والبطل يتجنب الإطالة فى الموقف، كى يتبعد عن حضور أكثر ثقلاً للموت. هكذا يبدو للقارئ أن الاستعداد للموت فى ذلك المشهد فكرة مضللة. هكذا الغربة والموت فى تلك الرواية: صنوان تتوسطهما المرآة. ربما كانت إحدى ملامح حضور الموت فى الرواية أن الراوى لا يورد اسم الكاتب البطل الضد. إذ يتابعه القارئ من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، دون أن يأتى ذكر اسمه مرة واحدة فى الحكى أو فى الحوار. كأن الكاتب البطل جسد بلا روح، بلا اسم. وتزداد تلك الفكرة وضوحاً بعد موقف الشخصية المحورية أمام المرآة وتأملها الموت فى لمحة، إذ يذكر الراوى ساعتها بوضوح أن الشخصية المحورية قد انتقلت لتوها إلى ثالث مدينة خليجية تسكنها. هكذا يتلازم فى النص حضور المرآة والموت والخليج، لا بمعنى اقتران الخليج بالموت، بل لأن الموت مكان اللامكان. فهو نظرياً مساحة معينة، لكن تعيين تلك المساحة ملتبس نوعاً. فى الواقع، نتصور الموت وهو يحتل مساحة ممتدة بين فضاءين: بين العالم المادى حيث يقع الموت، وبين الما وراء حيث يستقر الميت. فالموت هو مكان ولامكان فى آن.  وربما كانت «لامكانية» المرآة كذلك مقابلاً للامكانية مدن الخليج. يصنف الفيلسوفُ الأشهر فوكو المرآةَ ضمن ما يسميه اللامكان (Heterotopia)، لأنها مكان مادى فى العالم، لكنها أيضاً مساحة مفتوحة على العالم الآخر، عالم الموت والخيال والافتراض. كذلك تبدو مدن الخليج فى رواية «صباح الخير يا أفندم». هى مكان معين ذو ملامح مميزة وخواص ثقافية راسخة، لكنها أيضاً مكان افتراضى يتطور فيه الذكاء الاصطناعى، الذى هو قمة جبل العوالم الافتراضية الإلكترونية. وهو مكان ينشط فيه رأس المال الذى يمثل روحاً تدب فى العالم ولا تتلمسها الأذهان ولا الأعين، إلا من خلال مقار الشركات ومبانى البنوك. لا تقتصر الرواية على انفتاح مساحات العوالم بين مكان ولامكان، بين عالم ومرآة بها ما وراء العالم. بل هى أيضاً بناء محكم ومحكوم بين قوسين. إذ تبدأ الرواية وتنتهى بتأمل البطل الكاتب صورته أمام مرآة. فى البداية، هو فى حمامه يستعد للنزول إلى العمل. وفى النهاية، هو فى حمام العمل يهندم نفسه قبل أن يلتقى مديره. من صنع الله إلى غريب من أعذب ما فى الرواية وأغرب ما فيها هو المشهد الأخير. بعد أن يتأمل البطل الضد هندامه فى المرآة، استعداداً لاجتماع مع رؤسائه الجدد فى العمل، «ينتصب» رباط عنقه وتفشل كل محاولاته فى إعادة الكرافات إلى مكانها الطبيعي. تبدو تلك اللحظة الغرائبية الفانتازية دخيلة على شكل السرد وأسلوب الحكى فى الرواية كلها. وقد يستغلق على القارئ تفسيرها، خاصة وأن الراوى يرصد تلك اللحظة دون شرح ولو بالإيماء. تبدو تلك النهاية تحية للروائى الفذ صنع الله إبراهيم وتناصاً مع روايته الفارقة «اللجنة». تنتهى كلا من «صباح الخير يا أفندم» و»اللجنة» فجأة بلحظة فانتازية مفاجئة، وفى كلا الحالين تتغير جسدية الشخصية الرئيسية، وهى بطل ضد، لا اسم له، فى كلٍ من الروايتين. وفى الحالين، للتغير البدنى علاقة بالذراع الحقيقية أو المجازية، بشكل أو بآخر.  عند صنع الله إبراهيم، يجد البطل المهزوم نفسه محاطاً بذلك التعقب العبثى لشخصه، متهماً بجريمة لا يعرفها، فيشرع فى أكل ذراعه وكأنه يجسد التعبير العامى «كُلْ بعضك» والذى يعنى «مِتْ بغيظك». وعند أحمد غريب، يجد البطل الضد نفسه، وهو المتصالح مع وطأة التنازلات، غير قادر على التحكم فى رباط عنقه الذى يبدو وكأنه ذراع ثالثة معلقة فى عنقه. ويبدو بالتالى وكأنه مهرج. وربما يشير النص إلى المشهد الكوميدى الشهير فى فيلم ستانلى كوبريك «دكتور سترينج لاف» حيث يلعب الممثل الكوميدى الشهير بيتر سيلرز دور جنرال أمريكى فاشى، تخونه يده وترتفع بالتحية النازية رغما عنه، كاشفة عن دخيلته. وكأن الكاتب البطل الضد يستشرف مستقبلاً مظلماً محتملاً لدوره المساهم فى اللعب مع الآلة ومع الذكاء الاصطناعى، الذى قد يفضى إلى رخاء العالم، أو إلى دمار محيق به. اللغة البطلة عنوان الفصل الثالث فى الرواية هو «الذكاء الاصطناعي»، لأن بطل الرواية عضو فى فريق عمل يغذى الآلة أو السوفت وير بالمعانى والاستخدامات اللغوية العربية. والمدير الإقليمى لهذا المشروع الذى ينضم إليه البطل هو أمريكى، بينما الرئيس المحلى للفريق مواطن من البلد الخليجى المعنى، وأعضاء الفريق عرب من كل أنحاء المنطقة. سياق العمل الذى ينخرط فيه البطل هذه المرة سياق عالمى، وليس خليجيا فقط، كما كان الحال فى عمليه السابقين بالخليج. كذلك فريق العمل فى مشروع الذكاء الاصطناعى، يضم أمريكيين وخليجيين ومصريين. والعمل يرتبط باللغة والكلمات، مما يمنح فكرة اللغة بمعناها العام -فيما يتجاوز هويتها العربية- مساحة رمزية كبرى كنسق إشارات وتواصلات توزع معانى وعلاقات قوة. فالحقيقة أن إحدى بطلات رواية أحمد غريب «صباح الخير يا أفندم»، هى اللغة نفسها، واللغة العربية تحديداً، لأن بطل الرواية واحد من صنايعية اللغة. شغلته اللغة وتفكيكها وتحليلها وإعادة تشفيرها، بهدف تغذية وتحسين وتحديث الذكاء الاصطناعي. فإذا بالعنوان نفسه يحمل شرخاً فى جدار اللغة التاريخي. العربية هى البطلة فى الرواية، وتفعيل بطولتها من حيث تحويلها إلى سلعة وملمح من ملامح ربحية الفضاء الافتراضى واستثمار الذكاء الرقمى فيه، يعتمد على عروبة العربية. لكن القارئ يرتبك إن لاحظ أن العنوان الذى يحمل عبارة من أكثر عبارات العربية تداولاً فى المشرق العربى، وفى مصر تحديداً، أى «صباح الخير»، إنما يحمل أثر تفاعل العربية مع الفارسية. فـ «صباح الخير» ليست فقط ترجمة حرفية للتحية الفرنسية «بونجور»، بل هى أيضا مقابل عربى للتحية العلمانية فى الفارسية الحديثة قبل انتصار الثورة الإسلامية والتى تُنْطق أيضا «صباح الخير» أو «صباه خير». ثم إن صيغة الاحترام «يا أفندم» من أوضح الاقتراضات عن اللغة التركية التى ما زالت حية فى المحكية المصرية. فى رواية أحمد غريب، حتى اللغة مغتربة.