كتابى أيام جنوب النهر
الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:17 ص
أخبار الأدب
فاطمة العوا
«أيام جنوب النهر» (دار العين) رواية مستلهمة من قصة حقيقية، تنبض تفاصيلها بوقائع عاشها أشخاص حقيقيون أعرف بعضهم شخصيا، وتشكلت ملامحها من أحداث شهدها واقع مضطرب عاشته السودان وما زالت. لم تكن مجرد عمل أدبي، بل جاءت بدافع حب عميق للسودان وأهله، ذلك الحب الذى نما وتعمّق عبر زيارات متعددة إلى هذا البلد الثرى بإنسانيته وتاريخه، والاقتراب من ناسه وطباعهم النبيلة والبديعة. كانت الكتابة فى جوهرها محاولة لردّ بعض الجميل، وتوثيقًا إنسانيًا وأدبيًا لمرحلة فارقة فى تاريخ السودان الحديث. ففى قلب الأحداث، ترصد الرواية لحظة الانفجار الكبير، حين تبدلت ملامح الواقع فجأة، ووجد أبطالها أنفسهم فى مواجهة مصير غير متوقع. إنها حكاية رحلة هروب، لكنها فى الوقت ذاته رحلة تحوّل، تتقاطع فيها المخاطر مع الشجاعة، والخوف مع الأمل، والضياع مع البحث عن النجاة وتعلوا فيها المشاعر الإنسانية على أية اختلافات بين الأبطال . تجمع الرواية بين شخصيات متعددة الخلفيات: مصري، سوداني، إنجليزي، سوري، وفتاتين سودانيتين، يجدون أنفسهم معًا، على غير موعد، فى خضم أحداث متسارعة لا ترحم. خلال أيام قليلة، تتشابك مصائرهم وهم يحاولون مغادرة السودان، وسط مطاردة مستمرة من قوى متصارعة، وتحديات تفرض عليهم اختبار حدود تحملهم، وقدرتهم على الثقة، والتضحية، والتعاضد والبقاء. كما كانت رحلة الأبطال محفوفة بالتوتر والإثارة، لم تكن رحلة الكتابة أقل إثارة كذلك، فقد اعتمدت بحثًا دقيقًا ومستمرًا فى تفاصيل السودان التاريخية والجغرافية، وفهمًا أعمق للديناميكيات الاجتماعية، والتنوع الدينى والفلسفى الذى يشكل نسيجه المعقد لأستطيع عكس صورة حقيقية صادقة عن ذلك البلد. لم يكن الهدف مجرد سرد قصة، بل بناء صورة صادقة، تحترم تفاصيل ذلك الوطن، وتعكس روحه الحقيقية. وكان لمشاركة مسودات النص مع أصدقاء سودانيين أثر بالغ فى إثراء العمل؛ فقد أضافت ملاحظاتهم رؤى أصيلة، وأسهمت فى تعميق التفاصيل. ومع كل صفحة، كان يتعزز شعورى بأنى مؤتمنة على هذه الحكاية، وعلى مسؤولية نقلها بصدق، وبالقدر الذى يليق بتجربة أبطالها. «أيام جنوب النهر» ليست فقط رواية عن الهروب من الحرب، بل عن التمسك بالحياة، وعن الروابط الإنسانية التى تتشكل فى أشد اللحظات وطأة، وعن الأمل الذى يدفع بنفسه قدما على صعوبة تواجده. لا تسعى هذه الرواية فقط إلى إمتاع القارئ بالرحلة المختلفة، بل إلى أن تفتح نافذة على بلد يستحق أن يُعرف أكثر، وأن يُحب بفهم. آملة أن تكون الرواية بداية علاقة أعمق مع السودان وأهله، واستمرارًا لاهتمام لا يتوقف عند حدود القراءة، بل يمتد إلى بناء عُرى وثيقة بين القارئ والسودان وأهله الكرام.