مستر ولا شى: مزج المعقول باللامعقول
الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:23 ص
أخبار الأدب
الغربى عمران
أوحى لى العنوان «مستر ولا شى، مأدبة جائزة نوبل الأخيرة» بأنها رواية متهكمة، فأنا من متابعى الروائى الكبير واسينى الأعرج، ودوما أجد فى إصداراته سلوتى. خاصة حين يجنح للتخييل التاريخي. أخذت بقراءة الصفحة الأولى وما تلاها ليذكرنى بأننى أمام أسلوبه الهادئ السلس الذى عرفت، حيث ينسج الأحداث بتوالٍ وكأنه يحدث قارئه شفاهية، حتى يجد إيقاع الحياة بتداعياتها تتمثل فيما يقرأه. فلم أجد ما أوحى لى العنوان لأكتشف بأنه عنوان ساخر يمهد لما تحمله هذه الرواية الصادرة مؤخرًا عن دار «دون».
سطر واسينى كإهداء: «إلى أبهى الأصدقاء، أبطال هذه الرواية: نوفل آل فريد، الزبير بالبحرى، مولاى أحمد جعبوق بن فرماش، داود بالجنى، زها، شميسة، السيدة سراب، (مدام ميراج)، الفنان الضائع أنجيلوتى، والشرطية الطيبة سامية... ويمكن أن نضيف إليهم باراكودا، وغراندايزر، ورسام الأغلفة سيليكتو. وإلى مقهى «المكتوب La Destinee» الذى ظل بعض الأصدقاء يلتقون فيه إلى أن مُسح نهائيا بسبب توسع واجهة البحر، فأصبح جزءاً من ممشى الميناء الجديد».
تلك الأسماء هى أبرز أسماء شخصيات الرواية، تجاوزت الأربعين اسماً. فى الوقت الذى يصف واسينى أسماء الإهداء بالأصدقاء، موحياً ذلك بأنها شخصيات واقعية، ليدخل قارئه فى عدة تساؤلات: هل الإهداء لشخصيات متخيلة، أم أنها توحى بواقعية وقد وصفهم بالأصدقاء، وفوق ذلك سمّى المقهى الذى كانوا يلتقون فيه، ووصف مصيره بعد أن أُزيل وأُدخلت مساحته ضمن مساحة كورنيش على البحر، إذا كان ذلك كذلك فكيف يكون الفاسدون أصدقاء الكاتب..؟!
بعد الانتهاء من قراءة «مستر ولا شى» يستنتج القارئ إلى أن واسينى خطط لأحداثها قبل أن يبدأ بكتابتها، ووزعها متدرجة على تلك الفصول لسير أحداث الرواية. فالفصل الأول خصصه لمحاولة «داوود بلجني» إيهام الشخصية المحورية «نوفل آل فريد» وهو أحد أصدقائه، حيث ظل يدفع به حتى آمن بعبقريته الفذة، منبها إياه إلى تقارب اسمه باسم الفريد نوبل. مذكراً له بأن كتبه بلغت 101 كتاب، وهو الرقم الذى لم يصل إليه إلا قلة من العباقرة فى العالم. وفوق ذلك حصد جوائز محلية عديدة، بإلحاحه ناغى صديقه أحلامه بضرورة المشاركة لنيل جائزة نوبل، وفوق ذلك ظل بقية أصدقائه يرددون تفوقه على الجميع، بعد تصديق ما يلهجون به خطا أولى خطواته بجمع كمية من نسخ أعماله والتوجه لإرسالها إلى أكاديمية نوبل فى السويد، وبذلك دُفع لأن يتقدم بالترشيح لجائزة نوبل بإيمان راسخ عن أحقيته، وبدعم من أصدقائه بلجنى، والزبير بالبحرى، مولاى أحمد جعبوق فرماش... نجد أن واسينى خصص الفصل الثانى، بلقاء إحدى موظفات البريد العام التى أخبرته بأن إرسال طرد كتبه بذلك الشكل لا يدعم ترشيحه، موضحة له إلى أنها تعمل فى مؤسسة «بيتنا» التى تُعنى بمساعدة من ينوون التواصل بهيئات ومنظمات عالمية، ومنها الترشح لجائزة نوبل، ونبهته إلى أن العملية ليست بالبساطة التى يظنها، إذ أن الأمر يحتاج إلى جمع ملف يحتوى على سيرته الذاتية، وشهادات لشخصيات ذات مكانة عن تميزه فى مجاله، وملخصات لأعماله الكتابية كل ذلك يُترجم ويرسل بعد ذلك... لحظتها اكتشف بأن حظه الجيد قد وضع تلك الموظفة «سراب» أو (مدام ميراج) فى طريقه لتقوده إلى المسار الصحيح. انقاد لنصيحتها وبدأ بالتواصل بـ«بيتنا» المؤسسة التى تعمل بها، والمعنية بالتنسيق وإرسال الأعمال وكذلك الملف المطلوب. فى الفصل الثالث، سرد واسينى ما صنعته «سراب» من أجل ترشيحه فى «بيتنا» وموظفاتها حيث تم إعداد كل ما وعدوه مقابل مبلغ من المال، وتم إرسال الطرد وملفات الترشيح أو هكذا أخبروه، كان سعيدا، خاصة بعد أن أجلسوه أمام شاشة ليجاوب على مجموعة من الأسئلة يطرحها عليه أحد موظفى أكاديمية نوبل المترجمة ماريا ما كنزى والمذيع أوسكار ميرابى ليخبروه بأن أعماله المرُسلة إلى الجائزة قد وصلت، بل أنه قد تأهل ضمن خمسة تجاوزوا العديد من المرشحين. زادت ثقته بأعماله، وبدعم أصدقائه له، وكان الخبر الكبير الذى استقبله بعد أيام يعلمونه بأنه الفائز الوحيد وأن عليه كتمان السر، حتى يوم الإعلان الرسمى فى 19 أكتوبر فى ساعة حددوها له. وعليه نظمت له المؤسسة دورة تأهيلية لتعلم البرتوكول والإتيكيت: كيف يلبس وكيف يتكلم وكيف يأكل وكيف... استعداداً ليوم سفره إلى السويد. الفصل الرابع وهو أشد فصول الرواية على الفريد آل نوفل. فبعد مرور أيام الانتظار كانت أثقل من الجبال على قلبه، جاء يوم الإعلان الرسمى، حيث أعدت «زها» وأصدقاؤه من أوهموه بعظمة إبداعه مأدبة احتفاء ليسمعوا لحظة الإعلان. وكانت زها قد جهزت شاشة قناة الجزيرة التى ستبث بثاً مباشراً لإعلان الفائز. سمع مع لحظة الإعلان الطامة الكبرى من أحد موظفى الأكاديمية فى إستكهولم يعلن: «وقع الاختيار هذه السنة من طرف اللجنة التابعة لأكاديمية نوبل، على الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ...» واستمر المذيع يردد الحيثيات، إلا أن آل فريد لم يستوعب ما يسمع، وقد بدأ أصدقاؤه يعزونه مرددين أن فى الأمر خطأ ما، ويعدون بدعمه إن قدم استئنافاً ومراجعة. خرج آل فريد لا يصدق ما يدور محاولا مهاتفة شميسة، أو سراب، إلا أن هاتفيهما كانا خارج نطاق الخدمة، وحين دخل «بار» تعود التردد عليه فرأى من ظهرا على شاشة الحوار يومها المترجمة «ماريا ما كنزي» والمذيع أوسكار ميرابو»، سأل النادل وهو يسمع حديثهما باللغة الجزائرية الدارجة، فأخبره بأنهما سكر عبد النبى ومن معه صديقته ماريا! لحظتها دارت الدنيا به وفقد السيطرة على نفسه وهو يكتشف زيف مؤسسة «بيتنا» التى استنزفت كل مدخراته... وخداع أصدقائه... لتنتهى الرواية وقد اٌقتيد للسجن بسبب تهجمه واعتدائه على المستر سكر عبد النبى وصديقته.
مع نهاية الرواية يدرك القارئ أسلوب واسينى المٌتقن، وتقسيم مراحل الرواية، من الحلم للإعداد، إلى قرب تحقيق الحلم والإيمان بقدراته، إلى الخديعة. وهنا يظهر روعة التخطيط والبناء المدهش. ونحن نعرف أن كثيراً من الكتاّب لا يخططون قبل أن يبدأوا بخط أعمالهم وإن بدأوا تنفرط الأحداث وتقودهم إلى مساراتٍ لم تكن ضمناً. وهنا أتذكر ما قالته إيزابيل الليندى حول روايتها باولا، فى مقابلة لها انها لا تخطط قبل بدء أى عمل لها، شارحة أسلوبها فى كتابة رواية باولا من أنها كتبتها أثناء جلوسها بجوار ابنتها وهى على فراش المرض، تحكى لها، ومن لحظات حكيها بدأت بكتابة روايتها دون فكرة مُسبقة، أو تخطيط حتى أكملت الرواية.
إذن هى أربع مراحل: زرع الأمل، الإيمان به والسعى لتحقيق الحلم، بواكير الأمل، اكتشاف الخدعة. محور الرواية إيمان أل فريد بأحقيته فى جائزة نوبل، وكيف قادته سذاجته إلى أن يكون لقمة صائغة لشبكة من النصابين، فيكتشف حجمه ومستوى ما يكتب فى النهاية، بل ومكانة تلك الجوائز العادية التى كان يفوز بها محلياً، رواية السخرية المرة، التى تجعل القارئ يتعاطف مع السذاجة من حوله.
ثمة خاصية لافتة تتمثل فى تشظى حكائى، أو منمنمات حكائية مصاحبة للحكاية المحورية، ومنها حكاية صديق آل فريد الزبير؛ مدرس أكاديمى فى الجامعة يُحال للمعاش المبكر كعقاب على تحرشه، ويعمل بعدها فى حظائر مزرعة ابنته «زها» بتلقيح الأبقار الهولندية بثيران محلية، ويظل يتنقل من حظيرة إلى أخرى... وحكاية سيرك عمار الذى تأسس عام 1860 تصاحب تلك الحكاية ذكريات طفولة آل فريد... وحكاية السيدة سارة بنت ميمونة، وحكاية زها حديد التى اشتهرت بتصاميمها الهندسية فى عدة مدن متفرقة من العالم. وحكاية مارلين مونرو وزيارتها للجزائر، إلى ملاحقتها من قبل جون كينيدى، وهى الحكاية التى جعلها آل فريد محوراً لروايته رقم 101 التى عنوانها «مارلين مونرو فى ضيعتنا»... وحكاية صديقه مولاى أحمد جعبوق فرماش وكراهيته لإنسان الغرب... ثم حكاية آل فريد وزوجته ميكا التى كانت إحدى طالباته، وموضوع صورة مارلين التى كانت سبب زواجه منها، ثم هجرها والرحيل ببناتها المعاقات إلى مرتفعات «بنى يني» ليتمنى يوماً لو بقيت ميكا وبناتها حتى تشاركه فى نوبل. تشظى تلك الحكايات وغيرها كإحدى سمات هذه الرواية، تزيد القارئ اقتراباً من شخصيات الرواية، حد أن تجعله فى قلب مجتمع الرواية، يسمع صخبهم وانفعالاتهم، وكأنه شريك أو أحد شخصيات العمل، بل وتعرفه إلى جوانب مهمة من حاضرهم وماضيهم. بروز المرأة ككائن مساوٍ للرجل من خلال شخصية: زها، ميكا، سراب، شميسة... فسراب من تدير الخديعة وتستنزفه، وشميسة من تغويه، وميكا حين تترك وراءها رجلاً واهماً ومخدوعاً.. تتحمل تبعات فرارها مجموعة بنات معاقات، وزها كائن له قراره واستقلاله. من خلال ذلك تُظهر الرواية المجتمع الجزائرى مجتمعا فاعلا بذكوره وإناثه، فلم تُظهر الرواية تلك المرأة المستلبة التى عادة ما تُعرف فى المجتمعات الإسلامية. الوصف فى الرواية محدود، وقد نسجه واسينى وجعله ممزوجاً بأحداث الرواية، وهكذا ما إن يصف حتى يدخل من حدث إلى آخر، وهنا لا يجد القارئ متسعاً لأخذ أنفاسه، بل يظل فى تسارع لمواصلة قراءة الرواية دون فواصل كبيرة، فالحدث متصاعد وبشكل مشوق. معظم الشخصيات مُركبة بنسب مختلفة، ففى الوقت الذى نجد الجميع ينظر إلى آل فريد ككائن واهم، نجده يعتد بنفسه، حتى فى تملصه من المسئولية: «أحيانا يتصرف بعفوية فيضع نفسه فى وضع سئ. فى مرة من المرات كانت زميلته الشابة لينا تسير وياقتها داخلة تحت التريكو. أقترب منها وصلحها تحت ضحكات الأصدقاء فما كان منها إلا أن صفعته بعنف. جاءته مساء تعتذر منه وأن فهمها كان خاطئاً. هز رأسه يومها وتمتم كلمات سرعان ما اندثرت: «لا يوجد ما يوجب الاعتذار عنه». أصدقاؤه يتظاهرون بالإيمان به، بينما هو مُستغل وأضحوكة. الفضاء المكانى غير واضح، وإن كان ما توحى به المسميات أن المكان التى دارت فيه الأحداث العاصمة الجزائر، مقهى المكتوب والميناء، قرية لالة مولاتى، سيدى بو حصيرة، بنى ينى، حمام ربى، قصر الأقواس، بار الرويال سيدى يايا... وتلك المفردات المحلية حين يدور حوار بين شخصيات الرواية دالة على جزائريتها. الرواية صيغت بنفس ساخر، طعم واسينى وأظهر شخصياته المختلفة فى فصول هذه الرواية، فتصرفاتهم ورؤيتهم ومفاهيمهم لبعض وللحياة تثير روح السخرية، كما أن جوهر الرواية برمته ساخر، إذ يبعث الضحك عالياِ فى بعض مواقف شخصيات واسينى، وهو يصور مجتمعاً له مفاهيمه الغريبة ومفارقات تصرفاته وحوارات تثير التعجب، وقد برزت روح الخديعة. الكلام ممتع حول جوانب هذه الرواية، غير أن المتعة أكثر لحظات قراءتها.