سيدة الغابة والأحراش:

الكتاب: سيدة الغابة والأحراش

الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:29 ص

أخبار الأدب

أسامة ريان ربما يشى غلاف مجموعة «سيدة الغابة والأحراش»، الصادرة عن دار روافد، للكاتب أحمد حلمى ببعضٍ مما يسود أجواء صياغة القصص، فالحسناء المتجملة المغوية مستغرقة فى متعة- أو بقايا متعة- منسجمة مستمتعة بجمالها البض، ويبدو هذا على إثر لقاء لطيف. فيؤهل هذا «المشهد» لعنوان يفيد التسَيُد والسيطرة على أحدهم- وأكثر- وهذا ما بدا فعلاً فى المجموعة من تخبط هذا الـ«أحدهم»، فلا أسماء هنا بل أحوال وأحاسيس يسودها عمق متوتر. واقعٌ هو فى براثن صراع إقدام/ إحجام يدفعانه إلى هروبات بالجسد أو بالوعى، وأحياناً كلاهما، وقد تشاركه هى فى ذلك من باب تمام الهيمنة والسيطرة، فالغابة هنا تفيد سطوة الفطرة/ الطبيعة، والأحراش تعزز من تمكنها من حيل التخفى والمراوغة، وهما ما تجليا هنا ببراعة فى سياق لغويات النصوص وميل تركيباتها للمشهدية، وتبدو فيه تأثيرات تراثية لفنون مثل المقامات، مع تناصات شفيفة عميقة تشى بعمق ثقافة الكاتب. ولعل هذا الجيل من الكتّاب يسعى للهروب من ربقة قوالب شبوا فى ظلالها لكن ضجوا منها (برغم وجود مفردات مهجورة مثل «غرابيب» كجمع لغراب، و«ديدن» متكررة لتصف الاعتياد)، فيحاولون نسج لغة وسياقات مُبتكرة، ربما يقصدون أعمق أو أكثر تأثيراً بالذات فى رسم وتصوير المشاعر والأحوال والانفعالات، حتى لو بدت غرائبية فى رؤى أكثر إدهاشاً، فمثلاً يخبرنا الكاتب فى قصته الأولى ص7- والتى تحمل عنوان المجموعة- على لسان راويه المشارك، وكما لو كان اعترافاً نزِقاً «أمضيتُ خمسة أيام فى اختفائى المزمن المتكرر، بالطبع احتجت لأغلب- إن لم يكن كل- مهارات الاختفاء التى تعلمتها فى سنوات من مراوغة الأنثى، الكر والفر، اللعب على الأوتار والحبال كل ما يمكن اللعب عليه. استخدمت أغلب تلك المهارات حتى لا تتمكن من العثور علىّ، لا يهم السبب الآن، المهم أنى نجحت أخيراً –وجزئياً فى الاختفاء». ولعل هذه العبارة المجتزأة تشى بتخبطه فى العلاقة بالأنثى، فهذه الفقرة تأتى فى سياق عودته إليها شبه نادم أو يختبر وجوده، ولذلك تبدو كاعتراف صامت يُسِره لنفسه- وللقارئ-   فيتقبل كل ردود فعلها الساخرة من مسلكه مع محاولات استرضائها بفلسفات- وضح أنها تتحملها منه صامتة تطلق دخان سيجارتها بثقة مع رشفات البراندى- تصل حتى إلى «ثقة» كفكاوية حول تقديسه للوحدة «وعبادة الظلام»، مع إشارات إلى تعلقه بعذوبة خمر شفتيها الذى يدفعه إلى الهروب إلى خمر آخر، فيأوى إلى سرداب سيتعبد فى «محرابه» المظلم، فى ملمح صوفى عميق، على أن يلقاها فى الجانب الآخر من ذلك السرداب الذى رسمه للقارئ كسبيل للنجاة من غوايتها الُمحببة لنفسه. ولو سلمنا بأن سياق ما يسوق تراتب النصوص ،فإن النص التالى هنا «حياة سابقة» حول الذئاب- بما تحمله من دلالات- فى حياة سابقة، يرسمها ببراعة فى تصور استنساخ بعض البشر إلى ذئاب! تتهدد القرى المجاورة (هل من علاقة بالنص السابق؟)، وهو - الراوى- أحد هذه الذئاب البارعة فى تصيد الدواجن والبشر محتمياً بقطيعه. تبدو هنا تقنية الحلم فى رسم العراك والقتال، وبينما الدماء نازفة فى حرائق تلك القرية، تلفت نظرهذا الذئب الحسناء ذات العينين الخضراوين والتى تنقذ شقيقها، حتى انه راح يبحث عنها بين القتلى وقد اختفت الذئاب فجأة، لكنه ظل فى حالة الحلم، يواصل الحلم بها تمسح على فرائه الرمادى ويتمسح هو برأسه فى صدرها! ولعله كان متعجلاً فى التقاط فكرة «المقامة المفقودة» التى يعود بها- ربما هروباً- إلى زمن شيوع صياغة المقامات، متجاوزاً اللجوء إلى السجع، بالاعتماد على مهارة صياغة حكى تراثى لمكان لقاء الخلاعة فى زمان يقارب عصر الجوارى، فى تركيزه على حياة هذا الفقيه الماجن، وهى مساحة رحبة للحديث عن عرى الفاتنة فى فراشه تداعب لحيته (يختلط بياضها بسوادها) بينما يردد هو متراقصاً الموشح المنغوم الذى ظلا يرددانه طوال الليلة، ثم يلقى إليها بردائها القطنى (لتستر نفسها!). ثم يتوالى حديث للتعارف، يستهله «أنا مفتى الصعاليك، قبلة العشاق والمعاتيق» فتضحك طبعاً مندهشة «شيخ وترتاد الحانات! وأين عمامتك يا مولانا؟» فيحكى لها قصة فساده بهجر العلم إلى العياقة والشقاوة والشطارة ومجالس المجون. ثم صادفته فى هذا الجو من أقنعته أنها ابنة أمراء اختطفها الغجر، ثم غضبت عليها ملكة الغجر فطردتها لتنضم إلى مجالس الصعاليك وتتصيده، ليصبح طوع بنانها فى حلٍ وترحال، يحرسها بينما تعمل فى تصيد الجرذان. تتبدى هنا تقنيات التهويمات فى قص حكايته مع تلك الجنية فيبدو كما لو كان قد تخلص منها. وتتسع تلك التهويمة فيصبح أصلاً لايزال هناك يعبث فى لحيته ينظر فى اللاشئ ويخاطب جنياً لا جود له. ويحاول السارد فى قصة «المكعب» بلوَرة ما يسميه ضياعاً فى «حالة تخبط أو متاهة» بالاستعانة بجمود مجسمات هندسية جوفاء، مظلمة من الداخل ويسودها جو من الخِدر «بمنطقه هو» بينما ينزلق هو بين مستوياتها. اختار هنا مجسم «المخروط» ربما لتدرج دوائره (فى اتجاه الضيق) يتحول شعوره بزمنه داخله إلى تصور سقوطه فى حلزون، يتراوح ويضطرب قياسه لزمنه داخله- متأملاً أو محاولاً ذلك- بما يعترى روحه خلال هذه المتاهة (تصور يُفضى إلى حلم ضياع بتصور لجوء إلى قوقعة، محشورٌ فيها، محتمياً من قصف ينسف المدينة)، ولعل مكعب هنا تفيد توقاً إلى تصور مثالى للحياة . وتتراوح بقية القصص الإحدى عشرة بين درجات مختلفة من العمق والبحث عن ألغاز الوجود بميل كفكاوى تتبدى خلاله براعة صياغة التساؤلات فى محاولات تقريبها بصور من تجارب لعلها أحلام!