أيتها القبرة: الجسد ومأزق الاغتراب السردى
الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:35 ص
أخبار الأدب
على حسن الفواز
تضعنا رواية التونسى الحبيب السالمى «أيتها القبرة» الصادرة عن دار الآداب/ 2025 إزاء سؤال نقدى عمّا يصنعه الزمن فى الجسد، وعمّا يجعله يتحول إلى اغتراب وجودى، وإلى سردية ينفتح تخيّلها من خلال تنامى حكاية ذلك الجسد، وهو يعيش هواجسه بالفقد والخواء، إذ يجعله الفقد إزاء مفارقات تتقاطع فيها لعبة علاقته الملتبسة بالزمن، حيث تقوده الأحداث إلى اكتشاف هشاشته، بوصفها تمثيلا لتحوله، أو انخراطا فى زمن يومى تتشظى تفاصيله الصغيرة عبر أزمة ذلك الجسد..
تحمل عتبة الرواية علامة دالة على ثيمة الزمن، حيث يُعيده سؤال العجوز جوسلين عن أم «البطل»، إلى ما هو مفقود/ الأم الغائبة والهوية الغائبة، وإلى ما يجعله إزاء سؤال وجودى، تستغرقه هواجس الجسد المعزول، حيث تُمظهره لعبة السرد عبر الكشف عن وحدته واغترابه، وعن المخفى من وجوده المضطرب، وحساسيته إزاء ما يعيشه من فقدانات تتبدى بعد موت الزوجة والتقاعد، لتكشف عن سردية نفسية/ عبر ضمير أنا المتكلم، تتوارى خلفها أزماته الوجودية العميقة، حيث تمثيل أزمة اللجوء والهوية وأزمة الحب والصراع الدائم مع الذات ومع الآخر بتعقيداته ومرجعياته الانثربولوجية والنفسية.
يأخذنا صاحب «الاشتياق إلى الجارة» إلى عالم، قد يبدو فى ظاهره بسيطا، لكنه يضمر تعقيدات أزمته الوجودية، يتحول فيها كائنه السردى/ البطل إلى «كائن اختبار» يتقصى الكشف عن كينونته، وعن علاقة ذلك الكائن بمتاهة المهجر، والزمن بالهوية، وعن علاقة الزمن بالجسد، حتى تبدو حكايته مع العجوز وكأنها تمثيل سردى مركب، يُعيده إلى الذات، حيث المكان والأم، مثلما يضعه إزاء تعرية أزمته الداخلية، أزمة الفقد والهشاشة والعزلة، فيتحول هذا التمثيل إلى مجال، تتنامى فيه أحداث الرواية، فى تحولاتها، وفى صراعاتها، وفى تشويقها، لتبدو وكأنها «رواية نفسية» تضع بطلها مسكونا بمفارقة ما يتصاعد من صراعه الداخلى/ النفسى، كاشفا عن ماضيه بوصفه المهاجر التونسى الستينى «محمد» أو «موهاميد» كما تسميه زوجته «دومنيك»، عن «المضمر» مفارقاتها التى بدأ يواجهها بعد التقاعد، وبعد وفاة تلك الزوجة « حيث يتحول الفقد إلى مفارقة وجودية، أو إلى صدمة تجعله يواجه عزلة غامضة، يندفع فيها الجسد إلى الإيحاء بشيخوخته وإلى فقده العاطفى، فيجد نفسه مدفوعا نحو البحث عن إشباعات رمزية، وعن استيهامات تأخذه الى علاقة إيهامية مع العجوز جوسلين والدة زوجته المتوفاة.
التصعيد السردى فى الرواية جعل من ثيمة «الإشباع الرمزي» محورا لتتبع حكاية الشخصية البطل السردى، من خلال غموض علاقاته، ومراقبة عزلته بعد التقاعد، بوصفها خروجا من الزمن العمومى، ودخولا فى زمن شخصى، تتوزعه يوميات شائهة، وحساسية فارقة إزاء تحوله النفسى، وإزاء ما يعانيه من مشاعر الفقد والعزل، فتأخذه لعبة السرد إلى البحث عن ذاته، بوصفه بحثا عن وجود تعويضى، وعن معادل نفسى لما يعيشه من اضطراب، ومن اغتراب داخلى تساكنه رهابات العزلة، والفقد الجنسى والعاطفى، والتى قد تكون كناية عن أزمة لاوعيه إزاء الفقد الهوياتى، وإزاء ما يواجهه من هشاشة داخلية، تجعل من استدعاء وظائفية ضمير المتكلم/ أنا أكثر تمثيلا لفكرة الحضور والاعتراف، وفى تمثيل تشوهات زمنه الشخصى، مقابل زمن الشخصية العجوز، الذى يبدو وكأنه يسحبه إلى استيهامات إشباعية، عبر تقويض زمن الفقد، وزمن الزوجة الغائبة.
توظيف هذه الثيمة، فى بنائها السردى وفى تمثيلها النفسى تبدو وكأنها محاولة فى الكشف عن ما هو غائر فى عالم المهاجرين، عبر الاستغراق فى سردياتهم، وفى إشكالاتهم الثقافية والإنسانية والهوياتية، فضحا لأزمتهم الوجودية، بوصفها أزمة مركبة، تخص الجسد والهوية، مثلما تخص ما هو حسى وإنسانى، حيث تتحول فيها الشيخوخة إلى مفارقة، وإلى واقع استلابى، لا يملك الروائى سوى أن يجعل منها موضوعة، لتحريك شخصياته، عبر تمثيلها السردى، وعبر الحوار، وعبر التعرية النفسية، يستدعى معها إشكالات الاغتراب والانتماء واللغة والرغبة والعلاقة مع الآخر، وعلى نحوٍ تكون فيها العلاقة مع العجوز مفتاحا للتعرف، وللكشف عما يواجهه البطل من صراع وجودى، تبدت وظيفته السردية واضحة عبر ما يسرده ضمير المتكلم، بوصفه ضميراً مفارقاً فى الكشف عن علاقة الجسد بالعزلة والهشاشة، وبالمشاعر والتجارب المضطربة، أو بوصفه اعترافيًا فى تمثيل صوته الداخلى المشوب بقلق الفقد « كنت أتصور أنى قوى وصلب من الداخل، وأنى لن أحتاج إلى أى كان، حتى بعدما فقدت دومينيك، ها أنا أكتشف أنى مخطئ».
الآخر بوصفه وجودا
غموض العلاقة بين البطل والعجوز تبدو الأقرب إلى علاقة تواطؤ، تحمل معها هواجس اكتشاف الآخر، عبر تمثيل مفارقة الضعف الإنسانى، إذ تتحول «الشيخوخة» إلى زمن مفتوح، تتعرى فيه تحولات الجسد، عبر استثارات العزلة والفقد، وعبر ما استغرقه «الديالوج» من تهويم صوتى، بدا وكأنه اعتراف، يفضح المخفى، ويقوّض المكبوت، ويكشف عن مشاعر الرغبة والاغتراب «الغريب أنى شعرت أنا الآخر آنذاك، بما يشبه الرغبة فى التحدث إليها. للمرة الأولى يحدث لى هذا، هل تعود هذه الرغبة إلى هذا الشعور بالعزلة الذى بدأ يتسلل إليَّ منذ أسابيع عدة قليلة»
الزمن السردى هو زمن الشخصية، زمن تحولاتها وهشاشتها، وعلى نحوٍ جعلها تعيش بنوع من الاضطراب مع أزمتها فى الفقد والعزلة، وعلى نحوٍ دفعها إلى الانخراط فى اللعبة السردية، بوصفها مقابلا نفسيا لتمثيل أزمة «الانا» التى تعيش تلك العزلة وكأنها زمنٌ فارق، أو شاحب، يدفعها إلى التعويض عبر الاعتراف، وإلى البحث عن الغائب، حيث تتلبّس «أم الزوجة» قناع الزوجة، حيث التوهم بالاحتواء، وحيث الحوار، وحيث الخشية من مواجهة الزوال، وهى مواجهة يمنحها الضمير السردى/ أنا المتكلم ما يشبه الإيهام بالتعويض الرمزى والنفسى.
استغراق الروائى فى الكشف عن ثنائية الأنا والآخر، لا تكتفى بما هو نفسى فقط، بل تتجاوز ذلك إلى إحساس عميق، يجعل من أزمة تلك الأنا، هى أزمة ذلك الآخر، حيث تتحول رعاية العجوز جوسلين إلى اشباع شخصى من جانب، وإلى مواجهة لا شعورية لما يمكن تسميته فلسفيا بـ«نسيان الكينونة» بتوصيف هيدغر، حيث يتحول استدعاء سيميائى لأغنية «القبرة» إلى تمثيل نفسى لمواجهة العجز/ الشيخوخة، مثلما يتحول الصوت إلى نظير للحوار، وكلاهما يؤدى وظائف تمثيلية إزاء هشاشة الجسد، وإزاء وحشة الفقد.
لا تذهب الرواية إلى تمثيل بنى سردية معقدة، وإلى الكشف عن صراعات معقدة، بقدر ما تبدو أكثر تمثيلا لمحنة الإنسان المهاجر، الذى يواجه اغتراباته الداخلية النفسية والجنسية والهوياتية، وأحسب أن توظيفه لضمير المتكلم، بوصفه ضميرا صائتا، أكد دالة فاعلية الصوت/ الاعتراف فى الرواية، مثلما أكد فاعلية تلازمه كإيقاع تراجيدى نفسى، لتمثيل أزمة البطل السردى، عبر الكشف عن علاقته بالآخر المختلف/ الأم العجوز، والأب الذى يحمل مشاعر الرفض والكراهية، ليجد هذا البطل نفسه إزاء علاقات غرائبية، تمثلها الزوجة التى آوته، وأنقذته من التشرد من جانب، أو ما تمثلها عائلتها من نقائض جعلته يعيش استيقاظ عقدة هويته المُهاجرة من جانب آخر، لكنه- وسط هذا التناقض- يجد نفسه أكثر انحيازا لتمثيل وظيفة البطل الأخلاقى والتطهيرى، وربما وظيفة البطل الاعترافى الذى يجعل من موت الزوجة وكأنه خطيئة، وأن رعاية « أم الزوجة» والعناية بتفاصيل صغيرة تتوزع بين الإحساس بالامتلاك واكتشاف الذات، وبين أن تتحول إلى استدعاء سردى للماضى، حيث الأم فى تونس، وحيث الاغتراب الذى يعيشه فى باريس، والبحث المضطرب عن حبٍ جديد، يمكن أن يمنحه ما يشبه الخلاص.
الروائى وحساسية الكتابة
من الصعب إخضاع هذه الرواية إلى سرديات المهجر، وكذلك من الصعب الاعتراف بأنها رواية تكتفى بالحديث عن محنة الشخصية، وعن دوستوبيا الأمكنة، أو عن زمن اغترابها، لكن من «السهولة» التعاطى مع الرواية من منطلق علاقتها بموضوعات لم تزل إشكالية، فيها من التعقيد الإنثربولوجى، مثلما فيها من التغريب، لا سيما فى قضايا الهوية واللغة والأسماء والانتماء والحب والعلاقة مع الآخر.
شخصيات مثل «دومنيك» و«جوسلين» تتناظر مع شخصيات «محمد» السارد، و«الابن سامى» إذ تنخرط لعبة السرد سلسلة من الكشوفات، بدءًا من كشف الذات للبطل، وكشف الأم جوسلين لذاته، رغم أنها رفضت زواج ابنتها من مهاجر عربى، تساكنها إزاء مشاعر بغض استعمارية وهوياتية، حيث قتل أخ لها فى حرب الجزائر، وهو ما لا تجد فيه الزوجة أى مشاعر ضدية، فهى تعشق المهاجر العربى، وتعيش مغامرتها معها وكأنها تمثيل لحكاية رومانسية، ولإشباعات رمزية وسحرية، جعلته تحت هواجس الوفاء لها « أحيانا أشعر، وأنا أعتنى بجوسلين، أنى أفعل هذا من أجل دومينيك. أرد لها القليل مما قدمته لى من مساعدات، جعلتنى أتجنب الكثير من المشاكل التى تعترض كل عربى يود الاستقرار فى باريس».
ما يبدو غير واضح فى الرواية هو شخصية الابن «سامى» فرغم ضبابية وجودها فى المتن السردى، إلا أنها تكشف عما هو مضمر فى عالم المهاجرين، حيث التشظى العائلى، وتقويض مركزية الأب، حيث تعكس اختياره المغادرة مع زوجته وابنتيه إلى عالمه الخاص، نزوعا وجوديا لتمثيل الجيل الجديد من المهاجرين، فرغم اسمه العربى، إلا أنه لا يعيش كامل صدمات عقد الهوية والمكان واللغة والجنس، فالمغادرة ترمز الى الانفصال عن واقعية ذلك الأب، إلى واقعية الآخر.