مرفأ للشعر
مرفأ للشعر


العراقية رُسل الموسوى: الفوز الحقيقى أن تستمر القصيدة خارج الورق

بعد فوزها بجائزة «مرفأ للشعر»

أخبار الأدب

الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:39 ص

حوار: آية السمالوسى

فى الحادى والعشرين من مارس الماضى، وبالتزامن مع اليوم العالمى للشعر، أعلنت دار «مرفأ للثقافة والنشر» عن نتائج الدورة الأولى لـ «جائزة مرفأ للشعر العربي»، وهى المبادرة التى انطلقت لترسيخ حضور القصيدة العربية المعاصرة ودعم تجارب مبدعيها. ومن بين (152) مخطوطاً شعرياً تنافست من مختلف أنحاء العالم العربي، نجحت الشاعرة العراقية رسل الموسوى فى اقتناص المركز الأول عن ديوانها «يد تكتب نفسها بالممحاة».

تُقدم رسل فى مجموعتها الأولى صوتاً شعرياً مغايراً، يتكئ على وعى فلسفى حاد، حيث تعيد صياغة العلاقة بين الجسد واللغة، وتجعل من «المحو» فعل كشف لا فعل إلغاء. فى هذا الحوار نتحدث مع الفائزة بالمركز الأول فى كواليس تجربتها، ونسألها عن مفاهيم العزلة، والجسد، والارتباك الأول الذى يصنع القصيدة، ورؤيتها لمستقبل الشعر العربى وسط تحولات العصر الرقمي.

 ماذا يعنى لكِ الفوز بالمركز الأول فى الدورة الأولى لجائزة مرفأ للشعر العربي؟   
الشاعر، قبل كل شيء، هو المادة الخام لتجربته الشعرية. أجد أن فوز النص أو عمل فنيّ ما هو صدارة الألم والتجارب التى أنتجت هذا العمل أكثر من الكاتب. الفوز الحقيقى أن تستمر القصيدة خارج الورق، لكن بلا شك، جمال الخلق أو الصنعة هو دلالة على وجود الصانع أو المبدع، لكنه ليس إلا ممرًا.
فكرة «الأول» من كل شىء تشبه شعور الاكتشاف الذى يرافق الأطفال، مثل شعور بنسمة البرد وكأنها أول مرة فيردّ عوضًا عنا الجسد والمعاطف. الإصدارات تكشف التلقي، وتكشف الكاتب أيضًا. تشبه تجربة الوقوف أمام مرآة تخص الجميع أكثر من صاحبها، تمثل كشفًا وتعرية.
 هل كنتِ تتوقعين الفوز واختيار لجنة التحكيم لديوانك؟
أنا مع الشعور، والسبب الأول الذى وضعنى أمام كتابة القصيدة. بالنسبة لي، أنا أكتب بدون تخيّل حتى أن هذه القصيدة سوف تُقرأ. لحظة الكتابة الأولى شخصية وذاتية جدًا، تكون لسبب يعنى الكاتب نفسه.
أنا مع هذا الارتباك الأول، والمشاعر المتضخمة، وصراع الفكرة واللغة لتنتج نصًا. أرى أن المرحلة التى تعبر هذه الحالة هى عمومية، ولا تعنى أنها غير مهمة، لكنها تخص الجميع، بمن فيهم الشاعر.
فعامل المفاجأة يأتى مرافقًا للمشاعر التى توهجت مع الحالة الأولى عند الكتابة، وجمالها أنها ليست متوقعة. وإن عبر النص مرحلة الارتباك الشعورى الأول، فثمة جزئية مشتركة، وهى الاتّقاد.
قناعتى الثابتة أن القصيدة الحقيقية لابد أن تظهر.
هل تتعاملين مع الجوائز بوصفها اعترافًا نهائيًا أم مجرد محطة فى مسار الكتابة؟
فى الواقع، وصول العمل الأدبى إلى مرحلة التكريم أو الظهور بطريقة الجوائز هو عمل يشترك فيه عدة أطراف، لا العمل الأدبى بمفرده، وأهمها معايير اللجنة، والنوافذ والأدوات التى يملكونها، وكذلك خطوط الجائزة وتلقى القارئ فيما بعد.
هناك عبارة أعتدّ بها موجودة فى نصوص هذه المجموعة: «حينما تحتشد العيون ترتخى حبال الحرية». بالفعل، القصيدة والكاتب حينما يصلان إلى هذه المرحلة يحملان معهما عيونًا متعددة، فيها من الألفة والإعجاب والتحبيط كذلك، وفى ذات الوقت يتحرر منها.
الجوائز أشبه بالسجادة الحمراء التى تُفرش فى طريق مملوء بالآثار والظلال الأخرى، وتمنحك الشعور أن هناك قصيدة تُدعى كذا، انظروا لها.
فلا أجد أن لأى عمل فيه نوع من الحقيقة والفنية محطة نهاية. تجربة تعرضه لجائزة أو مسابقة هى جزء من المسار، الذى يعنى المشهد المتمثل فيما بعد فى اللوحة التى تحمل أطرًا وزوايا مختلفة للعمل.
 كيف ترين أهمية وجود جوائز شعرية جديدة مثل «مرفأ» فى المشهد العربي؟
الصراحة أننى ممن يبحث عن السببية والقصدية فى التقاء الأشياء. بالنسبة لي، أجد أن اسم «مرفأ» بحد ذاته فيه دلالة شعرية، وشيء من خصائص الوصول والاستراحة، أو حتى شيء يشبه الثقة.
فمثل هذا النوع من الجوائز ضرورى لأصوات جديدة، وبعض الأحيان نجد أن قصيدة واحدة فى مواقع محددة تحصد كمًا من الجوائز على جانبيها المعنوى والمادي، ومجموعة متكاملة وناضجة لا ترى حتى الضوء.
مثل هذا النوع من المسابقات هو تمرين فى المواصلة، للقارئ والكاتب، لكن يجب أن يكون لها معايير شديدة، وأهمها التركيز على النص دون اعتبار لما يتبع هذا النص من محسوبيات.
عنوان ديوانك لافت ومربك فى الوقت نفسه؛ الكتابة عبر أداة محو، فهل القصيدة لديكِ فعل كتابة أم فعل إلغاء لما سبق؟
اتقدت فى رأسى عبارة لا أتذكر صدقًا لمن، لكننى أثق بها بمعناها: «أن العنوان هو زمن النص». على اختلاف الأغراض والتكشفات التى يرسمها العنوان للمجموعة ولمؤلفها، لكنها بلا شك تقدم حضورًا مكثفًا لمراحل من الزمن تخص الكاتب والإنسان بالعموم.
فيها أزمنة متعددة، ربما فيها نوع من الرؤية المبكرة للمستقبل حتى. كقارئ أيضًا لهذه المجموعة، أجد أن العنوان تقنية من تقنيات الكتابة. باختصار، فيها توضيح صريح يشرح أن فعل الكتابة لا يرتبط بالقلم والورقة، بل ميدانه الحقيقى خارجها. ولا يعنى المحو بصفة الإنكار والإلغاء فى هذا العنوان، بل شيء يشبه آلية الحفر، وأن المحو هنا عملية البحث عن الجوهر وتعرية الفكرة إلى أبعد حد. والذى يتم محوه لا يُلغى، بل يشكل الأساس أو الظل الخفى الذى يحمى ما وصل له النص.
الجسد فى الديوان ليس موضوعًا، بل أداة تفكير (العين، اليد، الفم…)، لماذا هذا الإصرار على تفكيك الذات إلى أعضاء؟
فى نص آخر فى ذات المخطوطة توجد عبارة: «أن الأعضاء مهمتها إيهام المعنى للوهلة الأولى»، ونرى الضد أيضًا.
أما الجسد فى قصيدة مونولوج تحديدًا، فربما يمثل الشاهد بطريقة فطرية، كما تمثل فى قوله تعالى فى سورة النور: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (24).
لكن بطريقة شعرية، تحمل طابع المواجهة. وأن الشاعر، كما أسلفتُ، هو المادة الخام لمشروعه؛ الجسد والفكر كله جزء من هذا المشروع، من غير أن تكون المجموعة بالكامل قائمة على فكرة التفكيك.
وتعدد الوظائف للعضو ذاته هو ذاكرة، بصورة أو بأخرى، ووسيلة تأريخية.
نصوصك مليئة بالانزياح اللغوي، لكن فى الوقت نفسه هناك خيط فكرى واضح، كيف توازنين بين الغموض والإمساك بالمعنى؟
فى الفلسفة الإغريقية نجد طرحًا موضحًا لفكرة الإيضاح والغموض، والبساطة بلا شك صورة من صور التعقيد.
 أجده يتشكل أمامى معنى أن تمشى فى طريق معتم، لكن الخريطة محفوظة؛ باستطاعتك إيجاد الشباك والشارع والمنزل. بهذه الهيئة، الشاعر هو من يعيد تعريف الغموض والوضوح فى الفكرة ويختلف من شاعر لآخر.
الغموض صورة أخرى للمعنى، لا ضياعه، وأكثر من كونه غرضًا بل ضرورة، ثمة أشياء تفلت من بؤرة التركيز والإيضاح أو التفسير المباشر، والغموض هو باب جديد. الموازنة تأتى من سبر أغوار الكلمة وعلاقة الكاتب بها؛ يعرف متى يوضح ومتى يستخدم الغموض، وهكذا يستمر النسيج. وأترك الباقى للقارئ فى تحليلها.
كيف ترين وضع الشعر العربى اليوم، هل مازال فى مركز المشهد أم على الهامش؟
كما شِيع أن الشعر ديوان العرب سابقًا، الآن اقتحمت أنواع أدبية أخرى المشهد. فى النوع الأدبى الذى يمثل هذه المجموعة، «قصيدة النثر» أو القصيدة الحرة كما وصفها النقاد، وتحديدًا الشاعر فاضل العزاوي، أحد رواد هذه القصيدة، وصفها بأنها قصيدة الظل لا الضوء.
وبالفعل، هى قصيدة العاديات والحياة اليومية، قصيدة الأشياء غير الملاحظة حتى الأنواع الشعرية الأخرى ذهبت إلى المنطقة ذاتها اليوم. كل ما فى العالم اليوم بإمكانه أن يكون شعريًا، أجده ليس فى الهامش ولا فى المركز هو يعيد تشكيل الموقع تتبعا للكاتب والمتلقي.
هل تعتقدين أن وسائل التواصل الاجتماعى خدمت الشعر أم أضعفته؟
وسائل التواصل أحد صور الإعلام، لكن بلا رقابة فى جنبة الفن تحديدًا. فيها من الحقيقة والمجاملات الكثيرة كذلك، لكنها ليست معيارًا حقيقيًا، أشبه بالكتاب الإلكترونى متعدد الكُتّاب.
قرّبت وباعدت كذلك الجمهور، هى منصة فيها التأطير وفيها الإتاحة المفرطة، أجد عدد التفاعلات مرتبط كثيرا بهيمنة صاحب الفكرة لا الفكرة ذاتها.
باختصار، توجد كتابات طارئة وكتابات تستمر رغم كل شيء، ولا يمكنها أن تتضح عبر مواقع تنتهى وتبدأ بضغطة واحدة.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة