نعيش فى زمن الكارثة الممتد
نعيش فى زمن الكارثة الممتد


الأبوة إعادة اكتشاف للذات

محمد عمر جنادى:نعيش فى زمن الكارثة الممتد

أخبار الأدب

الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:41 ص

حوار: أسامة فاروق 

تمتلئ المواقع والمنصات بكمّ هائل من الكتابات، أغلبها يمرّ مروراً عابراً، وقليل منها فقط يترك أثراً. غير أن النصوص الجيدة تحمل فى طياتها مفارقة لافتة؛ فهى تمتع قارئها، وتوقظ فى الوقت نفسه شعوراً بالخسارة، لأنها لا تحظى -غالباً- بالقراءة التى تليق بها، وأيضاً لأنها تظل رهينة وسيط مُهدد بالزوال. ضمن هذا السياق تبرز مقالات محمد عمر جنادي، بوصفها كتابة تستدعى البطء والانتباه، وتبدو أكثر انسجاماً مع وسيط يحفظها ويمنحها قدراً من الثبات. من هنا تكتسب فكرة جمعها فى كتاب أهميتها، إذ يتيح إعادة قراءتها بوصفها مشروعاً متماسكاً، لا مجرد نصوص متفرقة. فى «بعد أن فقدنا الفردوس»، كتابه الأول، يعيد جنادى الاشتغال على موضوعات مألوفة: البيت، العائلة، الجسد، السعادة، والعمل، لكنه يخلخل بداهتها، ويعيد طرحها على ضوء أسئلة تفرضها اللحظة الراهنة.

ليس الكتاب بحثاً عن فردوس مفقود، كما قد يوحى العنوان، بقدر ما هو «محاولة لفهم شروط وجودنا»، عبر تأمل مفاهيم يومية وإعادة النظر فيها. إنه تفكير هادئ فيما نظنه بديهياً، عبر استدعاء أطروحات فلسفية وإحالات سينمائية تُثرى هذا التأمل وتوسّع أفقه. ومع ذلك، فما يضفى على النصوص حميميتها، ويقرب أكثر مفاهيمها تعقيداً، هو ذلك الصوت الشخصى الذى يتسلل إليها؛ كصديق حميم يشاركنا التفكير والارتباك، وحتى إحساس الذنب والتقصير.

يقول جنادى: إن البداية تعود إلى خريف عام 2020، حين تواصل معه الكاتب والمحرر محمد فرج، وأخبره عن مشروع جديد على وشك الانطلاق: موقع يسعى إلى المزج بين الكتابة الصحفية والبحثية والقصة الفوتوغرافية. عرض عليه فرج الكتابة معهم، مشيراً إلى أن الثيمات التى سيتناولها الموقع ستكون قريبة من اهتماماته، استناداً إلى متابعته لكتاباته. كانت «فكرة البيت» هى نقطة البداية. طُلب منه الكتابة عنها مع حرية كاملة فى تحديد الزوايا والمحاور. نُشر المقال الأول فى نهاية ديسمبر، واستمر التعاون بعد ذلك عبر اقتراحات مُتبادلة.
لكن ما بدأ كمقالات متفرقة تحوّل تدريجياً إلى مشروع ممتد على مدار سنوات. قيل له أكثر من مرة إن هذه المقالات تصلح لأن تُجمع فى كتاب. ورغم أن الفكرة كانت حاضرة فى ذهنه، فإنه اكتفى طويلاً بما يتلقاه من صدى إيجابى عقب نشر كل مقال. فى يناير 2025، تواصلت معه باحثة من جامعة همبولت فى برلين ومتحف Humboldt Forum لترجمة جزء من مقاله عن «الأسرة» إلى الألمانية والإنجليزية ضمن إصدار مشترك. وفى الوقت نفسه، عرض عليه الكاتب والصحفى محمد سرساوي، مسئول قسم الأدب والفكر العربى بدار المحروسة، نشر كتابٍ يضم هذه المقالات. عندها بدأ مراجعتها وإعادة النظر فى صياغاتها وسياقاتها، ليقرر أخيراً الاستجابة ومنح هذه النصوص حياة ثانية تستحقها.
هنا نتحدث معه عن المشروع بالتفصيل..

 كيف تبلورت فكرة «الفردوس» التى اخترت على أساسها مادة الكتاب؟
تبلورت فكرة «الفردوس» حين تجلى الرابط بين الموضوعات التى كتبتها: الكتابة عن عناصر الحياة اليومية بحثاً فى معناها وتجليها فى الواقع الاجتماعي. لكن ظل السؤال: كيف أكتب عن هذه العناصر المؤسسة؟ وما المقاربة الممكنة؟ تراءى لى مجاز الفردوس مع الكتابة عن «البيت». يصف جاستون باشلار البيت بأنه «كوننا الأول»، كفردوس للحماية، ويشبه الخروج منه بتجربة السقوط: القلق بعد الهناءة، والعداوة بعد الألفة. فى بقية الموضوعات، ظل مجاز الفردوس حاضراً. والمعنى الذى أقصده يتجاوز الدينى أو الغيبي، ليصير تمثيلاً لحالة من الكمال والانسجام بين الذات والعالم. فالفردوس هو مجاز تصوراتنا عن حياتنا اليومية، حيث يظهر كأثر أو ظل أو سراب.
هكذا بدا كتصور مُسبق نسقطه على الواقع، فنفترض حالة مثالية مُتوهمة. أردته أداة تكشف تناقضات الواقع لا حنيناً إليه. كأنه إطار مفهومى يتجاوز الاستعارة.  بكلمات أخرى، حاولت الاشتباك مع الواقع المادى عبر التفكير النقدي، لا من خلال تصورات مثالية مُسبقة.
 تبدأ الكتاب بالتساؤل عن جدوى الكتابة وتنهيه بالحديث عن اليقظة. يبدو الكتاب بهذا المعنى شكلاً من أشكال التنبيه ومحاولة للفهم. شخصياً أعتبره كرؤية عبد الحكيم قاسم للفن كما أشرت إليها: «خلق نضارة فى إدراكنا للأشياء والموضوعات.. يعيد إلينا الوعى بالأشياء التى أصبحت موضوعات مألوفة لوعينا اليومى المعتاد». هل هذا ما تأمله فعلاً من الكتاب؟ وإلى أى حد تثق فى قدرة الكتابة على إحداث هذا الأثر الكبير؟ 
بدأت بالتساؤل عن جدوى الكتابة فى ظل حالة مطلقة من الوجود، أى حين نتوهم أن وجودنا الأسمى أو الأصيل قد تحقق. ما جدوى الكتابة فى ظل حالة من التحقق المُطلق للأحلام؟ أو فى المقابل: كيف نكتب بعدما تحققت أبشع الكوابيس؟ لهذا ركزت على أن يُعنى هذا الكتاب بمحاولة الفهم بدلاً من البحث عن موضوع أصلى مفقود. الفكر ينتجه النقد لا النقص أو القلق. فوحدها كتابة لا يكون منبعها النقص، أو تصير غايتها العزاء أو الهروب، يمكنها أن تُحدث أثراً. 
لكل منا فردوسه المفقود، لكن حين نكتب ذواتنا علينا أن نتجاوز «عُصاب القلق». تشاركت قلقى وهواجسى على مدار النصوص، لكنى آمل أن أكون قد حققت أكثر من ذلك. تحررنا الكتابة بما تنتجه من معرفة، والتى لن ندركها من خلال الأوهام والتصورات المثالية. هناك «إمكانات حقيقية موضوعية كامنة فى الواقع الفعلي»، كما يوضح الفيلسوف الألمانى إرنست بلوخ. قدرة الكتابة تتمثل فى قدرة الذات حين تدرك «حقيقة» واقعها. أثق فى قدرتنا من خلال الكتابة على معرفة الحقيقة، والوعى بـ «الإمكان»، بمفهومه الفلسفى والتاريخي. تكفينى ثقة مثل هذه.
البيت، والعمل، والأسرة، والسعادة هى المحاور الرئيسية للكتاب. هل كان هناك حدث محدد وراء كل مقال أم مجرد أفكار عابرة أو أسئلة ضاغطة؟
كما أخبرتك، فالكتابة تحددت بما تبادلناه، محمد فرج وأنا، من اقتراحات. حاولت فى كل هذه المحاور أن أكتب عما يؤرقنى أو يشغلني، على المستويين: الحياتى والنظرى/المفاهيمى. حين تقرر كتابة «الحياة اليومية»، باحثاً فى عناصرها الأساسية، فإنك ربما تصير عرضة لضغط «الأفكار العابرة» أو الحديث عن المواقف الطارئة. لكنى واجهت مثل هذا التشتت بالتأنى والتمهل، وربما إلى حدٍ مبالغ فيه. غير أن هناك العديد من الصور والوقائع والقراءات استدعتها الذاكرة بشكل تلقائى أو بديهى. ولم أملك أمامها إلا الوثوق بحدسي.
بحثت عن كيفية أدمج بها بين الملاحظات والمفارقات التى أرصدها فى الحياة اليومية، وتجربتى الذاتية. كنت أحدد لكل موضوع العديد من النقاط والأفكار والأسئلة، ربما إلى الدرجة التى تفوق قدرتى على التنفيذ. أردت أن أقول كل ما يمكن قوله، وكأن هناك لحظة آتية لن أقدر فيها على القول، أو لن يجدى فيها القول.
تستشهد كثيراً بفوكو وبارت ونيتشه وبمفكرين وفلاسفة آخرين، وهى استشهادات ملهمة وفى محلها، لكن الحقيقة إن أكثر ما لمسنى كان تجاربك الشخصية ورؤيتك الذاتية للأمور، والتى تُظهرك للقارئ كصديق حميم يمكن أن يتشارك معه الهم والقلق والمعاناة نفسها، ويتعزى بكلماته عن عجزه وقلة حيلته أمام ما يجري. ما رؤيتك لمسألة الكتابة الذاتية وإلى أى حد كنت واعياً بهذه المسألة وقت الكتابة؟
كان هذا رهانى الأساسي. إن كان ثمة ما يميز هذا الكتاب فهو التعبير عن ذات الكاتب التى تعيش فى ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية محددة. لذا انطلقت الكتابة من الذات التى تحاول إدراك موقعها فى هذه الحياة. وكلما عبرت الذات عن تجاربها وهى واعية بالسياقات الثقافية والاجتماعية التى أنتجتها، وجدت من يؤثر فيه هذا التعبير، ويلمسه على حد تعبيرك. 
تساءلت عمّا يمكن أن أضيفه إلى موضوعات سبقنى إليها فلاسفة ومفكرون كبار. بدت الإضافة الحقيقية فى أن أعبّر عن ذاتى بلا خوف أو مواربة، وأن أكتب عمّا أنا فيه من وحلٍ لن يكتبه غيري. لكن الكتابة الذاتية ليست سرداً شخصياً فحسب، بل وعى بأن التجربة الفردية تُبنى داخل ترتيبات سياسية وثقافية، وتعيد إنتاجها بدورها. لذلك استشهدت بكلمات جوديث بتلر فى المقدمة، لفهم كيف نتشارك الألم ضمن سياق مشترك، وكيف يتمثل الشخصى سياسياً. وهو ما يفسر تفاعلنا مع كتابات بعيدة مثل: آنى إرنو أو أجوتا كريستوف، أو أقرب مثل فاطمة قنديل فى «أقفاص فارغة». فالكتابة، بكشفها شروطها الاجتماعية والتاريخية، تعبر عن الواقع فى بعده الإنسانى العام.
وهناك ذاتية من نوع آخر، أى محاولة التفاعل النقدى مع الأفكار والمقولات المختلفة. الاستشهادات التى أوردتها باتت تُشكل جزءاً من منظورى الذاتى، لكنى أردت أيضاً أن تفكر الذات فى ما حولها من أفكار وخطابات، تتفق معها أو تعارضها.  وفق هذا المنطلق، لا يمكن فصل مع هو فكرى عن ما هو شخصي. تشكلت مقاربة كافة موضوعات الكتاب من خلال الجمع بين ما هو نظري/ بحثي/ مفاهيمى وما هو ذاتي/حميمى. 
فى السياق نفسه: هل تحدد هذه الاستشهادات طبيعة الجمهور المُستهدف من وجهة نظرك. وكيف تفكر فى مسألة الجمهور/القارئ عموما؟
لا أعلم طبيعة الجمهور بدقة؛ أراه متنوعاً وغير قابل للتوقع. فاجأنى قراء من خلفيات واهتمامات مختلفة، اشتركوا فى تأثرهم بالكتاب. وبقدر من التفاؤل، أظن أننى كوّنت قاعدة بسيطة من القراء عبر سنوات من الكتابة للمواقع والمنصات المختلفة.
قد تحصر المقولات الفكرية الكتاب فى دائرة محددة، أو توسعها؛ فبعض القراء يفضل التعرف إلى مفكرين جدد أثناء القراءة، وآخرون يميلون إلى الكتابة الحميمية المباشرة.
لا أفكر فى «الجمهور» بمعناه الواسع، بل فى قارئ مُفترض، كأنه ذاتى الأخرى. لذلك أحرص على التعبير عن ذاتى بصدق ووضوح، أملاً أن يجد النص من يتفاعل معه. يكفينى قارئ واحد يقرأ بإخلاص. هكذا كانت المسألة دوماً. تاريخياً، يتغير تاريخ الفكر دوماً عبر القراءة المخلصة الواعية لما سبق.
لفتنى أن أغلب إحالات الكتاب كانت إلى أفلام أكثر من الأعمال الأدبية. هل يعود ذلك إلى طبيعة الموضوعات، أم إلى حضور السينما فى تجربتك الشخصية؟
تشغل «السينيفيليا»- أى الثقافة السينمائية المهتمة بالأفلام وتحليلها والنقد السينمائى ونظرية الفيلم- جزءاً مهماً من حياتي. لكنى لا أعتبر نفسى ناقداً سينمائيا أو مبرمجا، رغم اشتغالى بهما أحياناً.
طمحت إلى أن يكون الكتاب محاولة للتفكير فى السياسة من خلال الحياة اليومية، والتفكير بـ«الثقافة» فى واقعنا الاجتماعي. تُمثل السينما جانباً أساسياً من الثقافة المعاصرة. كما أن التمثيلات السينمائية للموضوعات والثيمات فى الأفلام يسهل الرجوع إليها مقارنةً بالتمثيلاث فى الأعمال الأدبية، التى تستغرق وقتاً أطول فى مطالعتها.
تكتب عن الكتابة «بوصفها عملاً» لكن بمدخل مغاير عن المُتعارف عليه والذى ينحصر غالباً حول المادة. إذ تشير إلى أنها لا يمكن أن تُختزل إلى وظيفة.. أعتقد أن هذه الفكرة تحتاج إلى توسع أكبر؟
فى رأيى، الوظيفة استحواذ على العمل، تسكين للمهنة أو الحرفة أو المهارة. ضربت مثلاً فى الكتاب بفنى التكييف/الكهرباء الذى يمكنه أن يمُارس حرفته داخل وظيفة بشركة أو خارجها بشكل حُر. فى كلتا الحالتين يظل حاملاً صفته الفنية. أما موظفو شئون العاملين أو العلاقات العامة أو مسئول المشتريات فلا يمكنهم ممارسة مهام العمل خارج نطاق وظيفتهم بالشركة أو المؤسسة، هم فى حاجة دائمة إلى الشكل الوظيفى. الكاتب، مثل الطبيب أو النجار أو المعمارى، يبقى كاتباً سواء عمل فى مؤسسة صحفية أو جامعة أو لم يعمل، لأن الوظيفة مجرد شكل من أشكال العمل. انطلاقاً من هذا، يمكن للكتابة أن تمنحك دخلاً معقولاً. أى أنها يمكن أن تكون عملا أو احترافا بالطبع. لكنها لا يمكن، فى رأيى، أن تُختزل إلى وظيفة. 
تخضع الوظيفة إلى العديد من الإملاءات، إدارية أو مؤسسية أو غيرها. كما أنها تُقاس وفق معايير الكفاءة والإنتاجية. لا أتحدث هنا عن روتين يومى للكتابة يجعلها أقرب إلى الوظيفة بدوام كامل، وإنما أقصد أن الكتابة مهنة تتجاوز الجامعة أو الصحيفة أو المركز البحثي. الكتابة الحقيقية تتجاوز رغبة من يستكتب، ورغبتك أنت فى أكل العيش.
يجب أن أضيف نقطة مهمة أثارها سؤالك: أن تكون كاتباً يعنى أيضاً أن تمتلك القدرة على ألا تكتب. جوهر الكتابة قائم على ما نقرر ألا نكتبه. التعطيل هو وجه آخر للإمكانية، هو شرط تحقق الإمكان نفسه. أى أن القدرة على الكتابة تنطوى على القدرة على عدم فعلها. وفق المفهوم الفلسفي، فإن الإمكانية على الفعل وترك الفعل، ليس بسبب العجز وإنما للقدرة على عدم الفعل نفسه، هى ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات. لا تحول الوظيفة بين الكاتب وبين ما يقدر على كتابته، وإنما بين الكاتب وما يقدر على عدم كتابته.
وعلى المستوى الشخصي.. متى دخلت لهذا العالم وكيف تطورت أفكارك حوله؟
لا أستطيع تحديد نقطة دخول بعينها لهذا العالم. أحياناً أشعر أنى ما زلت واقفا على عتباته، أحاول اختلاس نظرات إلى داخله. أقرأ وأكتب منذ سنوات. ومع بداية 2009، بدأت أشارك فى الندوات الثقافية وأنشر قصصاً ومقالات على استحياء. كنت أتعامل مع عملى ككيميائى واختصاصى رقابة ميكروبيولوجية فى مصانع الأدوية كأمر مؤقت، حتى فُصلت تعسفياً بسبب مشاركتى فى إضراب، فكانت لحظة دفعتنى لإعادة التفكير فى مساري. كان حلمى أن أصير كاتباً. 
لاحقاً، فزت بمنحة أدبية وأنا فى وظيفة جديدة، ومع بعض المؤشرات التى شجعتني، قررت الاستقالة والتفرغ للكتابة نهاية 2016. عقد من المعاناة المستمرة بالتأكيد، لكنها ثمن أدفعه راضياً مقابل تحرري. مع الوقت، تنوعت كتاباتى بين الأدب والسينما والموسيقى، واتسعت إلى النقد الثقافي.
أرى الآن أن دخولى الفعلى إلى عالم الكتابة بدأ مع نشر مقالاتى النقدية نهاية 2013. وكانت أولها فى صفحات هذه الجريدة، وكان لك دور مبكر فى هذه التجربة، فشكراً لك. 
تطرح تطور الرأسمالية كشكل من أشكال «تطور البؤس». ورغم أن الفكرة تظهر فى سياق العمل، إلا أنها تبدو كأنها تفسر أيضاً ما يحدث للسكن والسعادة والجسد؛ أى لشروط العيش نفسها. هل هذا صحيح؟
بالطبع صحيح. تتحكم الرأسمالية الآن فى كافة أنشطة الحياة اليومية، كما أصبحت تسيطر على كافة ملكات الإنسان، الذهنية والروحية. وعلى مستوى السياسة العالمية، نشهد الآن الآثار المدمرة للإمبريالية الأمريكية، التمثيل الأقصى للرأسمالية المتأخرة. إبادة وعدوان وتدمير للبيئة واستباحة للقانون الدولى ومنطق سيادة الدولة. إنها تقّوض بالفعل شروط العيش نفسها على كوكب الأرض. وندفع، نحن من نعيش فى الجنوب العالمي، ثمن تغول النيولبرالية وإملاءات مؤسساتها، مثل: صندوق النقد والبنك الدوليين.
نعيش فى ظل مرحلة غير مسبوقة من مراحل الرأسمالية، إلى حد وصفها من قبل بعض علماء الاقتصاد والمفكرين السياسيين مثل: سيدريك ديوران ويانيس فاروفاكيس وجودى دين، بأنها نوع من الإقطاع التكنولوجي. أى أنها ارتداد إلى مرحلة ما قبل رأسمالية، زمن السادة والعبيد والأقنان. لكننا بالفعل فى لحظة أكثر سوداوية بكثير من الإقطاع القديم. حفنة من أباطرة وادى السيليكون تستحوذ على ثروات مهولة، وتدعم سياسات فاشية، ولن تتورع عن إفناء الأرض نفسها فى سبيل تحقيق مصالحها وتصوراتها السيكوباتية.  اقتصاد عالمى يتربح من الحرب والإبادة والاحتلال والفصل العنصري. 
أما فيما يتعلق بالواقع اليومى المعيش، فإن غالبية أشكال اجتماعنا البشرى ليست إلا إحدى تجليات الحاضر المحكوم بالرأسمالية ونظامها الاقتصادى. فما نتخيل أنه النظام الطبيعى للأشياء أو ترتيبها العفوي، هو بالفعل نتيجة نمط الإنتاج الرأسمالي. كيف ننام ونأكل ونحب ونفكر فى المستقبل. فمثلا، يوضح المؤرخ روجر إكيرش أن فكرة النوم لثمانى ساعات متواصلة هى نتاج الثورة الصناعية، وأن الرأسمالية التى سلبتنا الراحة وأنتجت وباء الأرق عادت لتبيع إلينا العقاقير والأدوية المنومة. وقد وصل اقتصاد النوم حالياً إلى ما يزيد على 600 مليار دولار. تحول النوم إلى سلعة، مثله مثل الجسد والسعادة وغيرهما. إضافة إلى تأثير الثورة الرقمية على الإدراك والانتباه.
إلا أن أخطر أشكال الاستغلال الرأسمالى يتمثل فى الاستغلال الذاتي. أى أن الذات باتت تستغل نفسها دون قهر أو إلزام خارجى أو سلطات قامعة. تحت أوهام الإنجاز والمنافسة وتحقيق الذات والتنمية البشرية، يستنفر الفرد طاقته النفسية وملكاته الواعية. والنتيجة تزايد معدلات الاكتئاب والقلق والإجهاد والألم المزمن. 
الأبوة ملمح مهم من ملامح الكتاب ومحرك لكثير من أفكاره. ليس على صعيد الأسرة فحسب لكن أيضا العمل وغيره. ما الذى أضافته لك الأبوة وماذا سلبت منك؟ وكيف غيرت من رؤيتك للعالم؟
الأبوة إعادة اكتشاف للذات. عرفت معنى الحب الحقيقى حين صرت أباً. وعرفت الخوف كذلك. أفكر الآن أنها صارت جزءاً من هويتي. الهوية بمعانيها الواسعة والمباشرة أيضاً. بالنسبة للجيران مثلاً فأنا مجرد «أستاذ محمد أبو آسيا». وهى اختبار حقيقى للعلاقة بين الأفكار الشخصية وممارستها خلال التربية: هل تؤمن بحرية الرأى بالفعل؟ هل ترفض الأبوية أم ستمارسها على من حولك كى تفرض إرادتك؟ 
أما عن ماذا سُلبت، فلا أعلم تحديداً. قلت فى الكتاب إن العالم يستحق النضال من أجله لأن أبناءنا يعيشون فيه. شهدنا ألماً مهولاً فى غزة. صور الآباء تحتضن جثامين الأبناء لن تفارق مخيلة أى أب أو أم. علينا أن نشكر أبناءنا على امتياز الأبوة. ندين لهم بسعادتنا، ونتحمل وحدنا قلق المستقبل وخوفه. 
تتحدث عن مفهوم السعادة وتطوره، وتسأل: «هل يمكن أن تكون سعيداً والعالم تعيس من حولك؟» وفى الملحق تتحدث عن «الفرجة على الكارثة» وعنها -الكارثة- كقدر لا يمكن الفكاك منه فى المستقبل. الواقع اليوم يدفع إلى التفكير فى هذا السؤال بإلحاح أكبر، خاصة مع اتساع نطاق الكارثة وتمددها. كيف تنظر إلى هذا السؤال الآن؟
الكارثة حدثت بالفعل. إنها تحدث الآن وستستمر فى الحدوث. نعيش الآن فى زمن الكارثة الممتد. المسألة فقط أن الكارثة لا ترتبط بتصورات أدب وسينما الديستوبيا عن ارتطام نيزك بكوكبنا أو غزو فضائى له، أو حتى وباء عالمى ودمار نووي. للتوضيح، تختلف الكارثة مفهومياً عن التصورات الخرافية لنهاية العالم أو التاريخ. للمفكر جونتر أندرس تعبير: «متلازمة ناجازاكي». والمقصود أن الكارثة تكرر نفسها. إنها لا تحدث دفعة واحدة وإنما تستمر ضرباتها كسلسلة غير محددة.
اكتشفت خلال الكتابة أن الكارثة صارت مبحثاً معرفياً أو سؤالاً فلسفياً مثل: أسئلة الشر، والسلطة، والذات، والحرية. لا تحمل الكارثة وعداً بالخلاص. لهذا أشرت إلى أفكار الفيلسوف الفرنسى جان بيير –دوبوي، الذى يدعو إلى «الكارثية المستنيرة»، حيث يصبح التفكير فى الكارثة فعلاً أخلاقياً وليس تشاؤماً أو ذعراً أو مادة للفرجة. أى أن الكارثة تُلزمنا بإعادة التفكير فى حياتنا، فى السياسة والمجتمع والتقنية. إنها نوع من التحدى الوجودي. وكما قلت، إنها قدر بالفعل. لكنه قدر «يمكننا أن نختار تجنبه» كما يوضح دوبوي. والنجاة منها لا تعنى أن نتخلى عن قيم الحداثة والديموقراطية والعلم.
بدأت فى الكتابة عن السعادة وأنا متشكك حيال تحققها. السعادة الآن عبارة عن وثن استهلاكى، إن جاز التعبير. لكننى انتهيت إلى أن إمكانات السعادة كامنة فى التمرد والمواجهة. كما أفكر الآن أن الكارثة ليست نهايتنا المحتومة. هناك إمكانية لتجنبها. إمكانية ثاوية فى نضال البشرية من أجل الكرامة والعدالة.
بالمناسبة، لماذا فضلت وضع بعض الإضافات فى ملحق بنهاية الكتاب بدل دمجها فى متن المقالات؟
أردت أن تحظى إضافات الملحق باهتمام منفرد وأن تُقرأ متتابعة رغم تنوعها لا منفصلة حسب الموضوع الذى تنتمى له. أتصور أن قراءتها فى تكثيفها وتسلسلها ستكون لها تأثير أكبر على المتلقي.
أخيرا، بوصفك ناقداً أدبياً كيف تنظر لواقع الكتابة والنقد فى مصر الآن فى ظل تغول وسائل التواصل وتأثيرها فى المجالين؟
واقع الكتابة لا ينفصل عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى مصر، وهى سياقات مأزومة. ومع ذلك، يظل واقع الكتابة أكثر تنوعاً؛ إذ يمكن الحديث عن تعدد أوساط ومقاربات، لا عن أجيال أو «شلل». هناك كتابات رائجة لها دور نشر وجمهور وعالم خاص على السوشيال ميديا وجروبات القراءة، لا تدخل غالباً فى قوائم الجوائز المعروفة، لكنها جزء من الواقع. وهناك أعمال تشكل جسراً بين هذا العالم وبين عالم آخر، يمكن تسميته بالكتابة الجادة. ما يعنينا هو هذا العالم الأخير، الذى يصعب تسميته، لكنه يقوم على وعى أعمق بمقاربات الكتابة ومعنى الثقافة وعلاقة أكثر جدلية باللغة.
تساءلت كثيراً: ما النقد؟ وما المقومات التى تمنح شرعية الكتابة عن الأدب؟ مساءلة النقد ضرورة حتى لا يتحول إلى سلطة تراقب اللغة والكتابة، وحتى لا يتحول النقاد إلى «حُراس خطاب». حررت السوشيال ميديا الكتابة من المركزية والوصاية، وهو تطور مهم، لكن لا يمكن إغفال آثارها السلبية؛ إذ أصبحت القيمة فى الحضور الدائم للكاتب، وما يُنتج حول العمل لا فيه، وتحولت الكتابة إلى «محتوى»، بما يضعف إمكاناتها، خاصة النقدية.
هل ننتظر كتاباً نقدياً قريباً. ما الجديد لديك على أى حال؟
لدىّ عدة مشروعات نقدية فى الأدب والسينما، لكننى أركز حالياً على إنهاء روايتى الأولى. وقد صاحبت كتابتها عدة انقطاعات وأزمات ثقة. وبالمناسبة، سُئلت فى حوار سابق عام 2015 عن جمع مقالاتى النقدية فى كتاب، وقلت إننى ترددت خوفاً من توهم نرجسى، أن كل ما أكتبه مقدس ويستحق الخلود بين ضفتى كتاب، مفضلاً أن تكون الرواية أول كتاب يصدر لى. الآن آمل ألا يتأخر صدورها عقداً آخر.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة