«رحالة».. حياة جديدة للكتاب المستعمل

محمد عبدالله: المكتبة مساحة تضمن تمرير المعرفة من يد ليد

الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:49 ص

أخبار الأدب

أحمد رضا فوزى سوق شارع النبى دانيال بالإسكندرية أصبح الحل لما تعانيه المدينة من ندرة أسواق الكتب، فبعد أن كانت منطقة كمحطة الرمل تمتلئ بمنافذ بيع دور النشر الصحفية، ومعارض الكتب فى الكليات والمدارس بالمدينة كثيرة ومتواترة، انحسرت الخيارات حاليا فى شارع النبى دانيال بعد نقل تلك الدور مقراتها، أو إغلاقها، وندرة منافذ البيع بوجه عام فى المدينة. كما أن سوق المستعمل عمومًا يحل كذلك ما أصبح ظاهرة تضرب الأسواق وهى الأسعار المرتفعة للكتاب الجديد، فأسواق كالأزبكية والسيدة زينب بالقاهرة ثم النبى دانيال بالإسكندرية تقدم حلاً اقتصاديًا نموذجيًا لا يؤثر على الميزانية. وعليه تشهد أسواق الكتب المستعملة نموًا متزايدًا لما تقدمه من حل اقتصادي، ولما توفره من خيارات لأصحاب الشغف بالكتاب العتيق النادر. على أن تلك الأسواق تضررت هى الأخرى بظاهرة الكتاب المزور، فكما تملأ مكتبات المستعمل أرففها بالكتب القديمة المشتراة بالكيلو، فهى تملأها كذلك بطبعات مقلدة رخيصة مما يتردد القراء على طلبه من قائمة الأكثر مبيعًا أو من الكلاسيكيات التى لا يكفى مخزون المستعمل لتلبيتها. وبذلك، بدأ سوق الكتاب المستعمل فى الإسكندرية على وجه الخصوص ينحصر بين خيارين، إما الكتاب الجديد من أحد منافذ البيع الكبرى بسعر السوق -وهو عادة سعر لا يقدر عليه القارئ العادي- أو سوق المستعمل بالنبى دانيال، وفيه يشترى الكتاب بنصف السعر أو أقل مقابل طبعة مزورة أو قديمة مهترئة أو كل ذلك معًا! وهنا تقدم مكتبة «رحالة» نموذجًا جديدًا كليًا لسوق الكتب بوجه عام، وسوق المستعمل بوجه خاص، فالمكتبة الكائنة بشارع الإقبال بالإسكندرية، تعتمد على بيع الكتاب المستعمل بالأساس، لذا فهى تجربة تختلف عن المكتبات المعتادة، فهى لا تسعى لبيع كتابٍ رخيص فقط، وكذلك لا تسعى لبيع كتاب مغلف فاخر، وإنما تملأ فراغ القيمة مقابل السعر الذى صارت تفتقده المكتبات الأخرى. بمعنىً آخر، تقدم «رحالة» أرخص كتاب بأفضل حالة وأقل هامش ربحٍ ممكن، ليس هذا فحسب، بل تعتمد على قرائها فى ملء رفوفها الزرقاء التى تقابلك بمجرد أن تدلف من بابها المكتنز المزخرف بالأجراس، ففى مساحة من طابقين صغيرين تجد فى «رحالة» ما جمّعته شِباك قرائها من مختلف أنحاء مصر والعالم، وتجد نسخًا شديدة الندرة من موسوعات عالمية كـ Encyclopedia Britannica أو نسخًا نادرة من الكلاسيكيات المحلية والعالمية علاوة على نسخ مقبولة السعر والحالة من الكتب الأكثر تداولاً. مشروعٌ كهذا لا يخلو من طموح جامح، يرتكن أولاً لتفضيل القارئ شراء الكتاب المستعمل من «رحالة» على أن يشتريه من الأسواق مزورًا أو مهترئًا بسعر أقل، وفيه كذلك مغامرة شراء كتب مستعملة ثم فرز المناسب منها من حيث الحالة والقيمة لتقديمه للمشتري. لكن كيف بدأت «رحالة»؟ وكيف تسعى للاستمرار؟ مكافحة ارتفاع الأسعار فى أحد المنشورات الدعائية للمكتبة على فيسبوك، رسم محمد عبد الله صاحب «رحالة» ميزانًا، فوضع حبتيّ باذنجان فى كفة وكتبًا فى الأخرى، مشيرًا إلى المقولة الساخرة «العلم لا يكيِّل بالبتنجان»، الإعلان أثار حفيظة باعة النبى دانيال الذين تعرفوا على المكتبة ومنشورها فى أحد المعارض ولاموه على سخريته من فكرة الشراء بالكيلو. لكن القصة رغم سخريتها تعبر عن هدف المكتبة وما تسعى لتقديمه للقارئ.  أشار محمد فى حديثه معنا إلى أن للكتاب المستعمل سوقًا كبيرة خارج مصر، فهى ليست شغفًا أو «تجارة والسلام»، بل مكافحة لأسعار ترتفع مع ارتفاع التضخم العالمي، وعدّد مواقع الكترونية مثل Bookfinder وBookswap حيث يمكنك البحث عن كتاب تريده من شخص يعرضه للبيع بسعر المستعمل، وهى مساحة تضمن تمرير المعرفة من يد ليد وتضمن مكافحة لا بد منها للأسعار، أو على الأقل تطرح بديلاً شرعيًا بجودة مناسبة. وعن أسعار الكتب الجديدة أسهب محمد فى شرح جذر المشكلة، والتى يرجعها إلى الناشر الذى لا يلتفت إلى الأسعار التى صارت خارج متناول العديد من القراء، واستشهد بتجارب لدور نشر كبرى مثل «بنجوين» و«وودرزوورث» اللتان تركزان على استقطاب جمهور أكبر بطبع نسخ زهيدة السعر، فـ«ووردزوورث» أصدرت سلسلة الكلاسيكيات بسعر جنيه إسترلينى واحد مضحية بالغلاف البراق، و«بنجوين» أتاحت الكلاسيكيات بأسعار زهيدة من خلال أوراق معاد تدويرها ووفرت فى طباعة الأغلفة لترمز للمجموعات بالألوان. كما أشاد بمجهودات وزارة الثقافة ودور النشر الحكومية التى لا تزال تقدم هذا النوع من الخدمات، على أنه حث دور النشر على أخذ موقف مشابه. قارئ يبيع الكتب يأخذنا محمد عبد الله صاحب مشروع «رحالة» فى البداية إلى تاريخه كقارئ سكندريّ، مشيرًا إلى عدد من المكتبات و«فرشات الكتب» التى كان يرتادها فى مراهقته. ذكر أنه مثله كمثل أى سكندريّ يبحث عن كتاب قيِّم ورخيص كان يرتاد سوق النبى دانيال، يحضر معارض الكتب فى الكليات وغيرها، وهنا يشير لظاهرة باتت تتآكل حتى تكاد تنعدم، وهى ظاهرة فرشة الرصيف، فيقول: «كان هناك واحدة بمحطة ترام شعراوى وغيرها، تبيع الجرائد والكتب المستعملة». على أنه وحسب شهادته، ما عادت محلات النبى دانيال أو فرش محطة الترام تشبع ذائقته، لشيوع حالات يرثى لها من الكتب، وشيوع المزور ولتركيز باعة الصحف على الجديد، فيقول: «يفكر بائع الصحف فى كتاب اليوم كما يفكر فى صحيفة اليوم.. لا يهتم للمستعمل ويبحث عن الجديد»، والجديد فى عصرنا هو «المضروب»! يقول: «قابلنى فى الكتاب المستعمل الكثير، طبعات قديمة، أخرى نادرة لم تصدر مرة أخرى، وقرأت هوامش كتبها آخرون، فكنت أجد نفسى أناقش المالك الأسبق للكتاب فى ملاحظاته على المؤلف!» درس محمد الله الحقوق لكن شغفه بالكتب ظل يتبعه فى وظائفه العديدة ويجره لكتابة الإستقالة خلف الاستقالة، فعمل فترة بمكتبة الإسكندرية، وفترة بمكتبات «ألف» وغيرها، مفضلاً أن يظل قريبًا من عالم الكتب على أن يعمل بالمحاماة. تبدأ حكايته مع مشروع الحلم فى ٢٠١٤، حين صارح أصدقائه برغبته فى بداية مشروع بيع كتب، يختلف عن سوق النبى دانيال وغيرها فى كونه مختارٌ بعناية، فوجد منهم دعمًا، وبدأوا «بإيفينت» على فيسبوك سمّوه: «بيع لنا كتبك المستعملة»، نمى المشروع ونمت المكتبة التى كانت وقتها تختص فى البيع أونلاين. استأجر غرفة بعمارة قديمة ليخزن غنيمته من الكتب، ويصف عقبة البداية فيقول: «كانت الشقة فى عمارة قديمة بالدور الرابع، وكانت الشقة دوبلكس، فحين تدخل إليها عليك بالصعود فى سلم داخلى إلى الدور الثانى حيث الكتب، فتخيل أنى كنت أطلب ممن يريد بيع كتبه أن يصعد هذه الأدوار كلها وهو يحمل الكتب!» كانت المكتبة فكرة جديدة، على حد تعبيره: تملأ فراغ الجودة فى سوق المستعمل. ثم بدأت المكتبة تروِّج لنفسها فى معارض المدارس والكليات، فيصف كيف أنه فى بعض المعارض كانت تقف المكتبة غريبة عمّا حولها، فحولها يقدم الباعة: مستحضرات التجميل، الحلوى، الطعام بأنواعه، «واحنا بنبيع كتب». فى عام 2015، قرر محمد الاستقالة من عمله، قبل أشهر من زواجه. وصارح والده بالأمر، فتفهم رغبته رغم دهشته، ونصحه بالتأنى وألا يقفز من وضع مستقر إلى آخر قبل أن يضمنه، «بس معرفش بقى.. هى جت كده». شاركته زوجته الرغبة نفسها؛ فبعد الزواج قدّمت هى الأخرى استقالتها لتشاركه الحلم الذى جمعهما. واستمرت الصفحة فى النمو، حتى تيسّر له استئجار محلّ بالقرب من محطة ترام جليم، لتبدأ «رحّالة» رحلتها فى 2017، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى مقرها الحالى أمام البنك الأهلى بشارع الإقبال.  مصادر تعتمد «رحالة» على مصدرين أساسيين لتوفير الكتب: إما أن يتواصل البائع أو المتبرع مع المكتبة لعرض مكتبته، أو أن تبادر المكتبة بحملات شراء بالجملة من بائعى الكتب المستعملة فى الأزبكية والسيدة زينب بالقاهرة، والنبى دانيال بالإسكندرية. وفيما يخص الحالة الأولى، يوضح محمد أن فكرة حثّ الجمهور على بيع كتبهم المستعملة لم تعد ناجعة مع مرور الوقت؛ فمع أنها أسهمت فى تزويد المكتبة بالكتب فى سنواتها الأولى- ولاتزال تُستخدم إلى حد ما- فإنه أصبح من الضرورى البحث عن آلية مختلفة لا تُعرّض المكتبة لخسائر مادية. كانت فكرة الاستبدال هى الحل؛ إذ يأتى أحد القرّاء عارضاً عدداً من كتبه، فتقيّمها المكتبة وفق معايير الجودة والأصالة والحالة العامة، فضلاً عن القيمة المعنوية والسوقية، ثم تحدد سعراً مناسباً تقدّمه للقارئ فى صورة رصيد. ويستخدم القارئ هذا الرصيد لشراء كتب من المكتبة بما يتوافق مع أسعارها، كما تتيح له استبداله بأى من مستلزماتها المكتبية إن لم يرغب فى اقتناء كتب، فيستفيد بما يشاء من أقلام أو هدايا تذكارية. وتعيد المكتبة كذلك إحياء خيار «الاستعارة»، الذى شارف على الانقراض فى الإسكندرية ومصر عموماً؛ وهى آلية وجدت من خلالها، كما يوضح محمد، سبيلاً للوصول إلى قرّاء لا يقدرون على ثمن الكتاب كاملاً أو لا يرغبون فى الاحتفاظ به. وبذلك تتنوع استفادة القارئ بين الاستبدال والاستعارة. كنوز الكتب المستعملة ويعدد محمد عبد الله مصادر أخرى للمكتبة، من مدارس تجدد مكتباتها، أو مكتبات قديمة تصفى محتوياتها بعد الإغلاق أو الإفلاس، أو حالات وفاة يرتأى فيها الورثة بيع مكتبة المتوفى إلى «رحالة» بدلاً من إلقائها إلى «البيكيا» حيث ستواجه طريقًا جهنمية تنتهى بمفرمة شركات الكرتون. سألته عمّا وجد فى تلك الكتب التى يسافر ويطوف القاهرة والإسكندرية ليجمعها؟ والأهم.. كيف لقارئ محب للقديم مثله أن يبيع مقتنيات كتلك؟ وعن سؤالى الثانى فقد ابتسم وأجاب: «أندم فعلاً على خسارة هذه الكتب.. ولكنى أشعر أنى أقدم للقارئ كنزًا» وأنه «يساهم فى تدوير المعرفة». ثم ذكر عددًا من التحف التى وجدها فى الكتب التى تصله: قصاصات من الأوراق، مراسلات شخصية، أوراق زواج.. أوراق طلاق، وجد كتابًا يحمل ملاحظات قارئ ما، ثم قابل ملاحظات جديدة للقارئ نفسه فى كتاب أتى به من مصدر مختلف! يضيف: «وجدت شيكًا بثلاثة آلاف يورو، انتهى موعد صرفه بالكاد قبل أن أعثر عليه، وتواصلت مع صاحبه فاستعاده وأوضح أنه يعمل بالخارج وكان يدفع مصاريف أولاده بالعملة الصعبة». ويضيف: «وجدت تذكرة لمسرحية عن أحد أعمال أجاثا كريستى من الستينيات، وصورة لشخص يحمل «الجرين كارد» الأمريكية بعد حصوله عليها، وجوابات واسطة، إحداها لسيدة تتقدم للعمل فى «مصر للطيران» وأخرى لخريج جديد يطلب من والده أن يكلم مساعد الوزير لتوظيفه». علاوة على باقة مدهشة مما رأيت بنفسى على حائط خصصته المكتبة لهذه التحف، والتى لا تقابلها فعلاً سوى بمغامرة، كتلك المرة التى ذهبت فيها زوجته لتقييم مكتبة أحد أطباء الأسنان الذى كان ينتقل وينوى بيع مكتبته، فأشار لها ناحية ركام خلّفه عمال البناء فى المكان، فتشت عن الكتب بين الركام لتجد طبعة لبنانية أولى نادرة من كليلة ودمنة كاد مصيرها أن يجرها إلى المفرمة. رحالة نحو المستقبل تحمل «رحالة» رسالة للمجتمع، تبدأها مع الأطفال. يقول محمد إن المكتبة تقدم مبادرات للطفل من سن الرابعة وحتى الثامنة، كجلسات قراءة القصة، موضحًا أن الطفل يتأثر بارتفاع الأسعار وندرة فرص القراءة أكثر من الكبار، فأسعار كتب الأطفال أعلى من الكتب العادية لما فيها من ألوان ورسوم وغير ذلك مما يجعل فرصة أن يقرأ الطفل أكثر من قصة معتمدة على دخل الأسرة، علاوة على أن الطفل لا يجد وقتًا حقيقيًا للقراءة خارج المدرسة، وقتًا يشعر فيه أنه مخصص وحسب لذلك الغرض، فيأتى ليقضى ساعتين بالمكتبة مستمتعًا بقصة مفيدة ويرحل معتبرًا اليوم «خروجة» ينهيها وقد استفاد بعبرة القصة التى قرأها. كما تقدّم المكتبة ورشًا موجهة للأطفال؛ منها ورش تعليمية عن الفضاء، وأخرى عن القمر، يُطبِّق فيها الأطفال ما تعلّموه حول أطواره على هلال رمضان، إلى جانب أنشطة أخرى ترى فيها المكتبة سبيلًا إلى تنشئة جيل لا يشعر بالاغتراب بين دفّتَى كتاب. ولما رأيت الأحلام يرتفع هديرها سألت محمد عن حلمه بمستقبل المكتبة، وإذا كانت هناك مكتبة ينظر إليها كمثلٍ أعلى؟  ذكر مكتبة «ستراند» فى برودواى نيويورك، وهى مكتبة تاريخية كبرى، تدعى أنها تمتلك «ثمانية عشر ميلاً من الكتب»، لها مبنىً أثري، بها قاعة مخصصة للكتب النادرة تستخدم أحيانًا كقاعة أفراح أو مناسبات لمن تروق لهم تلك الأجواء، وبها فرق مختصة لتقييم الكتب ومراجعتها وتسعى لتقديم كتبها لصالح الأعمال الخيرية، وذكر كيف أن رحالة تشارك فى مثل هذه المبادرات بالإسكندرية، فساعدت مكتبة حضانة كانت تقام بمنطقة العامرية، وأشار إلى تل من الكتب الدينية فقال: «هذه مثلا من دار تحفيظ قرآن أغلقت مؤخرًا وتبرعت بمكتبتها، وهذه- مشيرًا إلى علبة ضخمة من الكرتون- مصاحف، ننوى نحن أيضًا إخراجها فى الخير». يحلم محمد أن تنمو «رحالة» وتتفرع فى المحافظات، وأن يكون له ممثلين فى تلك المحافظات يذهبون لتقييم الكتب بأنفسهم وضمها للمكتبة، وبأن يستطيع فى مستقبل قريب فتح دار نشر مختصة فى كتب الأطفال، كما يأمل أن تنتشر رسالة «رحالة» فى تدوير المعرفة فتصبح ظاهرة الكتاب المستعمل ذو القيمة المعتبرة شيئًا معتادًا يملأ أرفف مكتبات مصر كلها.