ريبر يوسف
رسالة إلى الروائيّة السوريّة نجاة عبدالصمد
الأحد، 19 أبريل 2026 - 09:58 ص
ريبر يوسف
الروائية الدكتورة العزيزة نجاة عبد الصمد
تحيّة طيّبة..
لستُ على خير ما يُرام، نهضتُ فجراً وأنا أردّد فى سرّيَ كلمات تخصّ الأسى، أدركُ تماماً، ما من إمكانٍ على وجه الأرض بمقدوره تحرير الاغتمام من قفصٍ خفيٍّ خلل المرء فجراً، هكذا يخال إليَّ، على الأقل، الآن، ربّما تتغيّر نظرتى تجاه الشجن بعد لحظات، لكنّ ذلك لن يجعله أكثر رأفة. يتبدل المرء، وصوتُ البكاء يبقى ذاته على الإطلاق. هل تصدّقين ذلك؟ كلُّ شيء يناصر المرء على نفْسه، مِن لحظات الفجر الأولى، وحتّى الخلود إلى النوم. أحايين كثيرة، قبل أن أستودع عينيّ حضن جفنيه الرقيقين مثل لسان مَن رفضَ وأطاع فى ذات اللحظة، أخاطبُ النوم، أتوسّلهُ كَمَن نال منه الندم: يا أيّها النومُ، كُن عوناً لى على التذكّر والأسى، لقد تكاثرا عليَّ، نقرا فى قُوتٍ إذخرته للفقد، يا أيّها النوم، يا إله البكّائين لا تخذل رجلاً يخاطبك بلسان المرأة وبقلبها، يا طّيب، يا راعى النجوم والشموس والأقمار والبكائين، ارحمني، أنا هذا العاجز الفقير، كن عوناً لي، وارزقنى بكاءً أقوّم به ظهرى آنَ يسألنى الفقد، يا أيّها النوم يا حبيبي. أردّدُ الدعاء المكتوم بلسانٍ سريّ ينهض فى صدرى ساعات الحيرة، تهدأ الخفقات فى أنفاسي.
لم تذهبْ أُمِّى إلى المدرسة، لكنّها، فيما بعد، حَفظتْ شكلَ الكتابة العربيّة، وكانت، فى ساعات الحيرة والقلق، تُفَتِّشُ غرفة إخوتى بعقلِ ضابط مخابراتٍ، وبقلبِ أُمٍّ كُرديّةٍ أَنجَبَتْ أطفالاً وهى تُدركُ أنَّه لن يكونَ بمقدورهم الكتابة والقراءة بلغتهم الأُمِّ عَلَناً، أو، بلغةِ الأمّهات الكُرديّات. بل، وربّما، لن يكونَ بمستطاعهم الإفصاح عن هويّتِهم فى بعض المواقف. لكن، لم أفهم المنطق الذى دَفَعَ أُمِّى إلى اعتبار كلّ ما لا يُشبِه اللغة العربيّة، مَنشوراً كُرديّاً سرِّيّاً، ممنوعاً بكلِّ الأحوال، تُحرِقهُ من فورِها، كى تَضحك فيما بعد، حين نقولُ لها: ماما، انتِ دخلتِ الغرفة بغيابنا.
صارت تعتبرُ كلّ ورقة خارجَ نظام الدفاتر والكُتب، شَكلاً من أشكال الشَّغب والتَّمرّد على عاطفتها، حينَ انتصرَ الخوفُ عليها فى ربيع 2004، إثرَ انتفاضةِ الكُرد ضدَّ النظام السوريّ، مَن غيري، الآن، يتذكّر ما حدث وقتها؟ هل مِن أحدٍ يسمعني؟ كنتُ لم أزل على قيد الحياة، حينها، فى حيّ الصالحية بمدينة الحسكة، شمال شرق سوريا، صعدتُ عتبات السلّم الحديد فى بيت عمّى الملاصق لدارنا، هل ينبغى عليّ اعتماد فعل (صعدتُ)؟ سيما أنّ كلّ شيء حدثَ كما لو كان تحليقاً، هو ذاته السطح الذى هربتُ عبرهُ مرات عديدة إثر التوجّس من رجال المخابرات السورية، سرعان ما استقرّ المقام بجسدى على السطح، شاهدتهم، جيشٌ من الشباب والرجال، يطلقون الرصاص نحو كلّ شيء، حفظت عيناى صورة جماعية لهم، وستبقى إلى الأبد. هبطتُ سريعاً سلّم بيتنا الحديد، وضع الفناء بيضته فى هَلعي، انطلق قطيع الأصوات، هاج، نطح كلّ شيء، الجدران والنوافذ والأبواب، الأرض والسماء. هل حقّاً سألتُ نفسى لحظتها على هذا النحو: هل سننجو؟ هل سيقتلوننا كلّنا؟ مَنْ سيموت أوّلاً؟ أنا؟ هل حقّاً تمنيت أن أكون أوّل الضحايا داخل بيتنا؟ ضحايا ميليشيات حزب البعث المدعومة برجال المخابرات والشرطة السورية، سرقوا ونهبوا وأحرقوا معظم محال ومتاجر الكُرد التجارية فى مدينة الحسكة، تناقلنا الخبر عبر مكالمات تليفونية، ها هُم يقتحمون الأحياء الكُردية، هم الآن فى الخارج، يتقدّمون، تندفع أصواتهم الممزوجة مع أصوات الطلقات، يقتربون، تظهر صورتهم عبر الأصوات، صار الصوتُ الوافد من الشارع صورةً مستقرّة داخل بيتنا، صورةً تقصّ علينا ما يجرى فى الخارج، صورة مرتجفة كثيراً مثل جناحى فراشة تنتقل بين ملامح أبى وملامح أمّي، أمست أمى أمهات كثيرة كذلك، هل حقاً يحوّل الخوف الوجودى الأمّ إلى جيشٍ من النساء؟ مكتومة الصوت، اندفعت من جسد أمّى أياد كثيرة لم يسبق لى أن شاهدتها من قبل، لمّت مثل راعٍ على جبل قطيع أكبادها، استودعت أخوتى غرفة الجلوس.
فكّ أبى قطعة قماش حول مسدسه، هل كان خرقة متبقية من ثوب جدتى وقد احتفظ بها ذكرى؟ هل كان المسدس يخصها كذلك؟ أراقبهُ الآن، مكتوماً، عِبرَ باب غرفة الجلوس الموارب، أصبحتُ اثنين، واحدٌ يسند أحجار الصوان فى عينى أمّه وأخوته ألّا تتدحرج نحو وادٍ يفترس فيه البكاء مُنشديه، وآخر يندفع نحو أبى المنتظر فى فناء البيت، يسند ظهره إذا ما دخل الغزاة، غزاةٌ انتصروا لبعث العراق الخاسر والممتلئ بسوادِ نار سعّرها فى الخليج، وفى جنوب العراق وفى كُردستانها، غزاةٌ لم تطل أياديهم أميركا، فعاقبونا نحن، كُرد سوريا.
هل كان الجميع يبكى لحظتها؟ هل ابتلع الخوف الوجودى أصواتنا إذ تلقّفها من صدورنا الممتلئة صدىً؟ أسمعُ الأنفاس الآن، أرى الهواء الرقيق، مثل لسانٍ رفضَ دوماً، يلج رئتنا فى البيت، لماذا ينفصل المرء عن صوت الغزاة آنَ يناهزون؟ أدفعُ جسدى عبر خطوات قصيرة نحو الفناء، ساعياً اللجوء إلى أرض أبي، أكاد أعبر سياج ظلّه القصير، لكنّه، سرعان ما يحرّك يده اليسرى فى هيئة إشارة تدفعنى إلى العودة داخل الغرفة، فأعود، وأخرج وأعود وأخرج وأعود. أشاهدهُ يتفقّد الطلقات، هل سألتُ نفسى لحظتها: هل اقتربوا؟ لماذا لا أسمعهم؟ ثمّ رفعَ رأس مسدسه نحو السماء، تحديداً نحو الركن الأضعف فى بياضها.
لا أعلم حقيقةً، هل ينبغى على المرء أن يكون موجوداً خلل ركنٍ يلقّنه «وصايا الوجود»؟ أفكّر الآن بذلك الجواب السحرى كما لو صافحتُ عهداً لم ألتقيه بعد، لن ألتقيه قَط. لستُ على خير ما يُرام، أدرك ذلك جيّداً. لم أنتظر ما سأكتبه يوماً، أباشرُ إذ أفتح الورقة الطبيعية أو الالكترونية، هكذا حالى منذ عقود ثلاثة. لماذا أكتب الآن هذه الكلمات؟ هل أهلى فى مدينة الحسكة الآن بخير؟ هل كلّهم بخير؟ هل يفكّرون؟ هل تؤلم الحرب مَن بداخلها بذات القسوة التى تؤلم فيها مَن ينتظر خارجها؟ كتبتُ قبل سنوات كثيرة: الخوف (على) أعمق من الخوف (مِن). قبل أسبوعين من الآن، قالت أمّى انّهم وضعوا بعض الثياب والأشياء الضرورية وزوادة فى أكياسٍ صغيرة، تحسّباً للحرب، تحديداً، لاقتحام الجهاديين مدينة الحسكة. هل توسّدوا تلك الأكياس فى البيت؟ هل كانت طوال الوقت فى أحضانهم؟ اقتعدت معهم الأرض حول سفرة الطعام؟ هل نامت فى أسرّتهم؟ أرسلت لى ليلة أمس صوتها عبر الواتساب ربما كانت تتفقد أمومتها فى روحي، ربما تفقدت نفسها فى نفسي، يرفع مَن يعيش خلل الخطر الوجودى صور أحبّته فى وجه الزمن، يستودعهم رحمته. فكرتُ حين ضغطتُ على الزر فى الهاتف، باللاجدوى، بفكرة معاداة البطولة، أدرك تماماً أنّ الصواب الوحيد الذى ينبغى عليّ الإيمان به آناء الحرب هو أن أبقى فى وعلى وخلال اللاجدوى، أتكوّر على نفسي، أطاعِمُ ذلك الظلام السحري، حيث الغناء المكتوم يتظاهر كأنّه نظرة عميقة لِمَن لم يفتح الزمن عينين فى رأسه بعد. أخاف من الضوء، والظلام يرعبني. أفكر باللاجدوى كأنّنى لم أؤمن بدينٍ قبله، بتلك البذرة الفاسدة فى داخلي، تلك التى ينبغى عليَِّ ألّا أهملها على الإطلاق، هى أغلى ما يملكه المرء خلال الحرب، وقبلها وبعدها، تلك البذرة الفاسدة هى مَن تفصل الأخيار عن الأشرار، عليّ سقايتها على الدوام، كيلا تموت، هى منقذتي. هل أمى بخير؟ أؤمن تمام الإيمان أنّ اللاجدوى هو مَن يرسم الحد الواضح والصريح بين الصواب والجنون، حدٌّ معترف به. تخيّلي، لماذا كتبت (معترف به)؟ لا أعلم، لكن، انتظرى لحظة من فضلكِ، انتابتنى الآن فكرة مريبة، تخيّلى كل هؤلاء الضحايا عاشوا ويعيشون أسرى الأسى، يصرخون فى وجه العالم أن يعترف بموتاهم، بحزنهم، آوّاه، ما أقسى الحياة على هذا الكوكب، أوّاه، هل هذا هو كامل الحزن المخبوء للإنسان؟ هل ثمّة شكل آخر له؟ متى سيظهر؟ أوّاه، لو كان لا بدّ من ذلك، فليكن بعد ألف عام، حتى يتمكن أحفاد الضحايا من النظر مباشرة فى عيون النسيان، مِن لمسه، مصافحته، وربّما تقبيل يده ومن ثمّ السجود له، هو ربّهم وخلاصهم.
آذار، عام 2004، شمال شرق سوريا، مدينة الحسكة، حيّ الصالحية، كنتُ لم أزل على قيد الحياة، حينها، رفع أبى رأس مسدسه نحو السماء، تحديداً نحو الركن الأضعف منها. فى السادس عشر من شهر تموز عام 2025 دخل الغزاة بيت أهلكِ فى الحى الغربى داخل مدينة السويداء السورية، سرقوا، نهبوا، صوّبوا البندقية نحو ظهر والدك الثمانيني، تقدّمت أختك نحوهم، ثم والدتك إذ أسندت قامتها بعكازها، قالتا معاً للغزاة: «اقتلونا نحن أولاً». كنتُ فى مكانٍ ما، أشاهد كلّ ما حدث عبر نصٍّ لكِ على الفيسبوك، كان عن هذه الحادثة، وعن المجازر فى مدينة السويداء التى وضعوا رأسها فى الماء وتركوها حتى هذه اللحظة. منذ ألف عام وأكثر، يرقد الشرق فى مغارة الشر، حيث تصنَّف الشعوب كما يُصَنّف الطعام فى المتاجر تحت بند الحلال والحرام، هل نحن شعوبٌ حرام؟ منذُ ألف عام، يدخل الطهاة ذات المغارة، يفتحون كتب الطبخ عينها، يقتبسون ويرفعون وثائق التحريم فى وجوهٍ ملّ القتل منها إذ حفظها عن ظهر قلبٍ فى شرقٍ يلصق الطوابع على جباه الموجودات: سردينٌ حلال، تينٌ حلال، يقطينٌ حلال، عشبٌ حلال، ريحٌ حلال، شهيقٌ حلال، تيهٌ، بطشٌ، قمحٌ، عدسٌ، حليبٌ، دوابٌ، لغةٌ، حرفٌ، رقصةٌ، مولودٌ، امرأةٌ، فستانٌ، سروالٌ، بحرٌ، نهرٌ، شعوبٌ وشعوبٌ وشعوبٌ حلالٌ وشعوبٌ حرام، سيوفٌ، رماح، ونبيٌّ حلالٌ ونبيٌّ حرام، وقلمٌ حلالٌ وقلمٌ حرام.
مساء، رحل الغزاة عن شارعنا، عن كامل الحي، وتركوا لنا وللجيران طلقات ظهرت كَنمش على الجدران وفى النوافذ، وكذلك خلل نضيضة أمي، ستكتشفها لاحقاً عندما تفرد بأصابع تهبها لها الشمس صوف الفرش والمخدات على سطح بيتنا بالحسكة. مساء، جلسنا على صدر الظلام، وعلى يديه وركبتيه، تمسكنا به، توسلناه ألا يتركنا لوحدنا، رجوناه، فوهَب لنا شمعة صغيرة وضعتها أمى منتصف الغرفة إذ جلّستها فى صحن صغيرٍ دون أن تتحدّث إليها. لماذا يطفئ المرء الإنارة لحظات الخوف الوجودي؟ أنفقتُ قُرابة عقدين من ثمانية وعشرين عاماً فى سوريا وأنا أبحث عن المعنى الباطنى لعبارة (الخوف الوجودي)، كان شريكنا نحن الكُرد، كان يطلق أحياناً أسماء على المواليد الجدد، يمسك بيدنا حين نعبر الشارع، يحمّمنا، يطعمنا، يمرضنا ويشفينا، ينوّمنا ويوقظنا، يأخذنا إلى المدرسة، يعلّمنا، يحفظ عنّا اللغة العربية ويسلبنا لغتنا الأمّ، ويتحدث إلينا ساعات الحيرة والكمد.
فى الغرفة الشمالية تحديداً، سعّرَ المازوت النار فى مدفأة آذار، ظَهرَ اللّهب عبر بلّور الفوهة كحكايةٍ ستغيّر مصير مَن يسمعها إلى الأبد. كنّا وقتها فى اليوم التالي، أو بعدهُ، من انتفاضةٍ قام بها كُرد سوريا، إذ أطلق رجال المخابرات السورية الرصاص الحى على الأطفال والرجال قبالة بوابة الملعب البلدى فى مدينة القامشلي. فعمّت إثر ذلك مظاهرات معظم المدن الكُردية. قالوا معاً: لا. قالوها كأنّهم سيفقدون إمكانية النطق بعدها. سرنا فى شوارع مدينة الحسكة، كانت المظاهرة تكبر كلّما مرّت ببيت كُردي، ماذا رددنا حينها؟ هل يتذكّر أحد؟ مشينا على قلوبنا حتّى أطلق رجال المخابرات والشرطة النار علينا، شاهدتُ الجرحى، كانت دماؤهم على الأرض تنشد الإبادة والخلاص معاً. كان الدمُ يرسمُ مصير معظم المدن الكُردية فى سوريا حينها، سنرى فيما بعد الدبابات وأسلحة وحواجز وتفتيش على مفارق الطرق والجسور، ثمّ سأبقى فى حيّنا الصغير شهوراً كثيرة لا أغادره خوفاً من رجال المخابرات على نهر الجغجغ.
صنع الرجال حروباً على رجالٍ ونساء وأطفال لا يشبهونهم، ما هو الشبه؟ ما هو الاختلاف؟ مَن خطّ هذا المبدأ الظالم؟ حروبٌ وقوانين ورجال مخابرات وجواسيس وقمعٌ لسلَب ثقافة شعب منه، لمنعه حتّى من ارتداء زيّه الشعبي، خطفوا أخى من (جبل كوكب) فى يوم نوروز، لأنّه فعل ذلك، قام بارتداء سروال كرديّ ولفّ الشماخ حول رأسه، اقتعدت أمّى التراب هناك ونثرته على رأسها، اقتلعت الأعشاب والزهور، صرخت، بكت بلغتها الأمّ، توسلت الريح، استنجدت بشهور السنة كاملة، ألّفت أغنيةً، لحّنتها وغنّتها من فورها كما تفعل معظم الأمهات الكُرديات ساعات الحيرة والكَمَد.
عذّبوا أخى القاصر حينها، وصادروا ثيابه الكردية، دفع أبى مالاً كثيراً حتّى أنقذه، أتذكّر كل شيء الآن، وضع سرواله الجينز وقميصه فى كيسٍ وأخذه إلى فرع مخابرات الأمن السياسى كى يُفرَج عنه بثياب «مدنية» هكذا قالوا، لقد اعتبروا السروال الكردى «عسكرياً» رغم أنّه يشبه تماماً السروال الشامى والدرزى والعلوي، لكنّ الفارق هنا هو مَن يرتديه. صنع الرجال حروباً على رجالٍ ونساء وأطفال لا يشبهونهم، أرغموهم على الإيمان بثقافة أخرى. لكنّ المرء يقاوم، ويتمسّك حتّى بطريقة تناوله الطعام، فى الخوف الوجودى يعود المرء إلى البيت، إلى أصل الحكاية، يتحصّن بجيش أمّه، يحتمى بحصنٍ رفعت حكايات الأجداد أسواره اللا مرئية، يعود المرء إلى البيت، لكننى غادرته قبل سبعة عشر عاماً. طوال هذه السنوات، لم أنم ليلة واحدة خارج ألمانيا، لم أخرج منها إلّا مرّتين وحيدتين، إلى قريتين صغيرتين على حدودها، قضيت فيهما ساعاتٍ قليلة، وعدتُ مجدداً، شيء ما يمنعنى من عبور حدودها إلى العالم، من النوم خارج هذا البلد. طوال هذه السنوات السبعة عشر، لم أشاهد البحر، ولم أقتنى عطرى المفضّل سوى مرة واحدة فقط، يرعبنى صوت جرس الباب، وترتجف يداى كلّما فتحتُ صندوق البريد. ساعات الحيرة والقلق، أخاطب الخوف، أشافهه مِن وراء ستارةٍ، كمَن تابَ على يده، كمَن قايضهُ كامل عمره بمترٍ مربع من الطمأنينة على كوكب واسع لا أملك عليه حتّى قبراً. طوال هذه السنوات السبعة عشر، قبل أن أستودع عينيّ حضن جفنيه الرقيقين، أخاطب النوم، أتوسّله: ارحم هذا العاجز الفقير، يا أيّها النومُ يا حبيبي. وأغمضُ عينيّ على أمنية ألّا أحلم بسوريا. لكن ذلك يحدث مراراً، أستيقظ متهدجاً، ماذا حدث حتّى تحوّل مجرد العيش عبر حلم صغير فى سوريا إلى كابوسٍ لا يناصرنى الزمن للفكاك منه؟ فى كلّ حلمٍ أسأل نفسى ذات السؤال، بالحيرة عينها: كيف عدتُ إلى سوريا؟ ثمّ تستحوذ رغبة الفرار مجدداً عليّ، فأنفق كامل زمن الحلم باحثاً عن سبل تنجيني. فى اللغات التى أتقنها وصفوا الجحيم ببلاغة وقوة لا نظير لها، لكنهم لم يتحدثوا قَط عن وحوش تنهض خلال نوم المنعزلين. فى الأحوال كلّها، هم وصفوا الجحيم أكثر من فكرة العيش على كوكب الأرض. مَن زرع فى قلبى تلك النبتة اليابسة؟ أكتبُ لك الآن بقلب مَن خيّبت عبارة «الخلود إلى النوم» ظنّه، طوال تلك السنوات، أضع رأسى على أمل مصافحة الرسل القادمين من أرض النسيان، على رجاء الاستيقاظ معدوم الذاكرة، لكننى أفشل، تخيّلى ذلك، كلّ صباح، أستيقظ، تندفع يدى نحو نظارتى الطبية، منذ اللحظة الأولى أتبين أنه لم تُسلب منى ذاكرتى بعد، أتذكَّر الركن الذى وضعت فيه نظارتى الطبية كلّ صباح، هل ثمة خيبة أقسى من هكذا يأس يصبحُ عليه المرء؟ أضع عينى فى عين الزمن بإخلاص مَن أقسمَ بسبعة أنهار ألّا يعود إلى بلدٍ ولد فيه.
أتذكّر الفنانة أسمهان، هى الآن فى مكانٍ ما، أصدَق وأعمَق من فكرة الخلاص. وأرفق لك مع رسالتى المتواضعة، مقطعاً من نوتة أغنية: «الربيع»، لفريد الأطرش. الصديق الموسيقى Elende Usiv دوّنها.
مع خالص التحيات والمحبة.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










مدونات «الخوانم»
مقال مرفوض لأنه... غير بشرى!
برقيات كويتية
رحلةُ الأسطح ما تقوله الطوابق العلوية عن الكتابة
سؤال الثقافة.. من القاهرة إلى الكويت
الدورة 57 لمعرض القاهرة للكتاب.. على أعتاب المستقبل
أزمة جائزة ساويرس: سلطة الحجب.. ووصاية المعرفة!
من نحن؟
مصطفى نصر |حكاء الإسكندرية