أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب : حين تتكلم مصر بـ لغة الفن : نحو جمهورية للقوة الناعمة و صناعة المعنى
الإثنين، 20 أبريل 2026 - 10:08 ص
أخبار النجوم
في زمنٍ تتراجع فيه الحدود الصلبة أمام سطوة الصورة، وتتقدّم فيه السرديات بوصفها أداةً للنفوذ، لم يعد ممكنًا النظر إلى الثقافة باعتبارها نشاطًا مكمّلًا لهامش الدولة، بل غدت في صميم مشروعها، وفي قلب تعريفها لذاتها. فالدولة التي لا تُحسن رواية قصتها، ولا تُجيد تقديم صورتها، تترك فراغًا سرعان ما يملؤه الآخرون. ومن هنا، يصبح الحديث عن “دولة الفنون والثقافة والإبداع” حديثًا عن السيادة بمعناها الأوسع؛ سيادة المعنى، وسيادة التأثير، وسيادة الحضور في الوعي الإنساني.
لم تكن مصر يومًا غائبة عن هذا المجال. فمنذ بدايات القرن العشرين، تشكّلت ملامح قوتها الناعمة عبر المسرح والسينما والأدب والموسيقى، حتى باتت القاهرة، لعقود طويلة، عاصمةً ثقافية للعالم العربي. ويكفي أن نستدعي أثر أعمال نجيب محفوظ، وصوت أم كلثوم، وتجارب سينمائية لنجوم مثل فاتن حمامة وعمر الشريف، لندرك حجم هذا التأثير الممتد. غير أن هذا الدور، رغم رسوخه التاريخي، لم يعد كافيًا بذاته في عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة. فالقوة الناعمة، كما يراها جوزيف ناي، “هي القدرة على الجذب بدلًا من الإكراه”، وهي قدرة لا تُورث، بل تُبنى وتُجدَّد باستمرار. ومن ثم، فإن الرهان اليوم لا ينحصر في استدعاء الماضي، بل في إعادة إنتاجه في صورة معاصرة قادرة على المنافسة.
إن أولى خطوات بناء دولة الثقافة تبدأ من إعادة تعريف الثقافة ذاتها. فهي ليست مجرد عروض فنية أو منتجات إبداعية، بل منظومة متكاملة من القيم والرؤى والتصورات التي تُشكّل وعي الإنسان وسلوكه. بهذا المعنى، تصبح الثقافة رافعةً للتنمية، لا تابعًا لها؛ لأن التنمية التي لا تُخاطب الوعي، ولا تُعيد تشكيله، تظل ناقصة الأثر، محدودة الامتداد. وهنا يمكن استحضار ما قاله أنطونيو غرامشي: “كل إنسان مثقف، لكن ليس لكل إنسان وظيفة المثقف”، وهي عبارة تختصر جوهر التحول المطلوب: من ثقافة النخبة إلى ثقافة المجتمع.
هذا التحول يفرض إعادة تموضع المواطن في قلب العملية الثقافية. فبدلًا من أن يكون متلقيًا سلبيًا، ينبغي أن يصبح شريكًا فاعلًا في إنتاج الثقافة وتداولها. ويتحقق ذلك عبر سياسات تُعلي من مفهوم “العدالة الثقافية”، بما يعنيه من إتاحة الفرص، وتوزيع الخدمات، والاعتراف بالتنوع. وهنا يمكن الإشارة إلى مشروع حياة كريمة، الذي لم يقتصر على تحسين البنية التحتية، بل فتح المجال أمام إدماج أنشطة ثقافية وفنية داخل القرى، إلى جانب جهود الهيئة العامة لقصور الثقافة في إعادة تفعيل مواقعها بالمحافظات.
غير أن العدالة الثقافية لا تعني التماثل، بل تعني الاحتفاء بالاختلاف. فمصر، في عمقها، بلد متعدد الروافد: صعيدي، وبدوي، ونوبي، وسينائي، وساحلي… وكل هذه الهويات الفرعية تُشكّل، في مجموعها، الهوية الوطنية الجامعة. وقد انعكس ذلك في عروض فرقة فرقة النيل للفنون الشعبية، وتجارب إحياء التراث النوبي التي قدّمها فنانون مثل محمد منير، بما يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية التنوع كمصدر قوة.
وعلى مستوى الصناعات الثقافية، يبرز تحدٍ لا يقل أهمية، يتمثل في تحويل الإبداع إلى قوة اقتصادية مضافة. ويمكن هنا التوقف عند نماذج سينمائية حديثة مثل فيلم الفيل الأزرق أو كيرة والجن، التي جمعت بين النجاح الجماهيري والحضور الدولي، بما يعكس إمكانية بناء صناعة تنافسية. كما أن صعود منصات مثل Netflix وWatch It أتاح فرصًا أوسع لوصول المحتوى المصري إلى جمهور عالمي.
ولا يقتصر الأمر على السينما، بل يمتد إلى الموسيقى، حيث استطاع فنانون معاصرون الوصول إلى جمهور واسع عبر المنصات الرقمية، وهو ما يعكس تحوّلًا في أدوات التأثير. ورغم الجدل حول بعض الأنماط، فإن هذه الحالة تؤكد حيوية المشهد، وضرورة التعامل معه برؤية نقدية متوازنة.
ولا ينفصل ذلك عن دور الإعلام، الذي يُعد أحد أهم أدوات تشكيل الصورة الذهنية. وقد شهدت الدراما المصرية محاولات لطرح قضايا مجتمعية بعمق أكبر، كما في بعض الأعمال التي تناولت الهوية والتاريخ بشكل مختلف، وإن ظل الطريق مفتوحًا لمزيد من التطوير. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للوقائع، بل صانع للرواية، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة.
أما التعليم، فهو القاعدة التي يُبنى عليها كل شيء. وقد شهدنا مبادرات مثل مسابقات إبداع التي تستهدف اكتشاف المواهب في الجامعات، لكنها تظل بحاجة إلى التوسع والدمج الحقيقي داخل المنظومة التعليمية.
وفي ظل التحول الرقمي، برز عدد من صُنّاع المحتوى الثقافي المصري على منصات مثل YouTube، مقدمين محتوى مبسطًا في التاريخ والأدب، وهو ما يعكس إمكانات كبيرة يمكن البناء عليها.
وفي قلب هذه المعادلة، تظل الدبلوماسية الثقافية أداة فعّالة لتعزيز الحضور الدولي. ويمكن هنا الإشارة إلى فعاليات مثل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الجونة السينمائي، التي تمثل منصات للتلاقي الثقافي، إلى جانب المشاركة المصرية في معارض دولية مثل معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.
لكن كل هذه المسارات، على أهميتها، تظل رهينة بوجود إرادة حقيقية لوضع الثقافة في موقعها المستحق داخل بنية الدولة. فالثقافة ليست قطاعًا تابعًا، بل أفق جامع، يتقاطع مع التعليم، والإعلام، والاقتصاد، والسياسة.
ويصبح دعم المبدع مسألة محورية في هذا المساق، كما تعكسه جوائز مثل جائزة الدولة التقديرية وجائزة ساويرس الثقافية، لكنها تحتاج إلى منظومة أوسع وأكثر استدامة.
ولا يمكن إغفال البعد النقدي في هذا المشروع. فالثقافة التي لا تُراجع نفسها، ولا تطرح الأسئلة، تتحول إلى خطاب جامد.
ويلح السؤال: ما هي صورة مصر التي نريدها؟ هل نكتفي بصورة الماضي المجيد، أم نسعى إلى بناء صورة مستقبلية تعكس طموحاتنا؟.
إن مصر، بما تملكه من تاريخ عريق، ومن طاقات بشرية هائلة، قادرة على أن تُعيد صياغة حضورها في العالم، ليس فقط كدولة ذات حضارة، بل كدولة تُنتج الحضارة.
في مختتم القول فإن “دولة الفنون والثقافة والإبداع” ليست شعارًا، بل مشروعًا طويل الأمد، يقوم على بناء الإنسان، وتحرير طاقاته، وإتاحة المجال أمامه ليُعبّر، ويُبدع، ويُشارك. وإذا نجحنا في ذلك، فإن صورة مصر لن تكون مجرد انعكاس لواقعنا، بل ستكون تعبيرًا عن حلمنا، وعن قدرتنا على تحويل هذا الحلم إلى حقيقة.