مصطفى عبده يكتب: صناعة الفرص من قلب الأزمات

الكاتب الصحفي مصطفى عبده

الثلاثاء، 21 أبريل 2026 - 08:49 م

مصطفى عبده

فى وقت تتصاعد فيه حالة عدم اليقين العالمي بما يحمله المستقبل، وتتزايد فيه أزمات الطاقة تشابكاً وتعقيداً مع صراعات السياسة، لاتزال أسواق الطاقة  تعيش مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب والتوتر  بفعل تداعيات الحرب الإسرائيلية - الأمريكية على إيران، والتي وصفتها الوكالة الدولية للطاقة بأنها من أخطر الصدمات التي تهدد أمن الطاقة في التاريخ ، بعدما تجاوزت خسائر النفط الخام غير المنتج 50 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وسط يقين  بامتداد آثارها لشهور، وربما لسنوات قادمة. في مثل هذا الظرف العالمي العاصف، حيث تتسع دائرة الاحتمالات، لا ينجو إلا من يمتلك القدرة على تحويل الأزمات إلى فرصة. فالتاريخ لا يجود إلا على من يُحسن صناعة الفرص من قلب التحديات، و يصنع منها مسارات جديدة للانطلاق. من هنا تأتى أهمية الحوار الذى دار مع المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية خلال الندوة الموسعة التى استضافتها «مؤسسة أخبار اليوم» مؤخراً ، فعلى مدار أكثر من 180 دقيقة من المكاشفة والشفافية قدم الوزير رؤية علمية متكاملة لكيفية إدارة الدولة المصرية لواحدة من أعقد أزمات الطاقة عالمياً، مستندة إلى ثلاث ركائز أساسية: تأمين احتياجات الدولة من الطاقة، وتعظيم الإنتاج المحلي، وتعزيز دور مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة.   وفى الوقت الذى واجهت فيه العديد من الدول أزمات حادة لم تقتصر على ارتفاع أسعار المواد البترولية  بل امتدت إلى نقص وندرة الإمدادات، استطاعت مصر عبر خطط استباقية ، تأمين احتياجاتها من المنتجات البترولية دون تأثيرات  تذكر على المواطنين أو القطاعات الإنتاجية، رغم اضطراب سلاسل الإمداد عالميا. وقدم  الوزير إجابات واضحة على تساؤلات الشارع، مؤكدا التزام الدولة بتوفير المنتجات البترولية بأقل تكلفة ممكنة، والعمل على زيادة الإنتاج وتقليل الفاتورة الاستيرادية ، مشيرا إلى أن صيف 2026 سيكون آمنا تماما بالتنسيق الكامل مع وزارة الكهرباء ، دون الحاجة إلى تخفيف الأحمال.   وفي مواجهة الشائعات، حسم الوزير الجدل حول تراجع إنتاج بعض الحقول، وعلى رأسها حقل «ظهر»  مؤكدًا أن ما يحدث يعد أمرا طبيعيا في دورة حياة الحقول، وليس نتيجة استنزاف، مشددا على استمرار الحقل كأحد أهم مصادر الإنتاج، بنسبة تتراوح بين 20% و25% من إجمالي إنتاج الغاز في مصر.   وعلى مستوى التحديات الهيكلية ، نجح القطاع بدعم كامل من القيادة السياسية في التعامل مع واحدة من أصعب المعادلات: تراجع الإنتاج من جهة، وتراكم مستحقات الشركاء من جهة أخرى. وقد انعكس ذلك فى  خفض مستحقات الشركاء الأجانب من 6.1 مليار دولار إلى نحو 1.3 مليار دولار، مع خطة واضحة لتسويتها بالكامل قبل 30 يونيو القادم، في خطوة تعزز الثقة وتدعم جذب الاستثمارات، وتؤكد التزام الدولة بتوفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة. وفي قلب هذه المنظومة، تبقى الثروة الحقيقية هي الإنسان، حيث وجه الوزير رسالة تقدير للعاملين في قطاع البترول، مؤكدا أنهم الكنز الحقيقي، لما يبذلونه من جهود متواصلة تضمن كفاءة الآداء وتكامل المنظومة.   وفي إطار تعظيم القيمة المضافة، شدد الوزير على أهمية إعادة توجيه استخدامات الغاز الطبيعي نحو القطاعات الإنتاجية، في ظل تراجع تدريجي لنسبة الغاز الموجه لقطاع الكهرباء مع التوسع في الطاقة المتجددة. ونحو تعظيم القيمة المضافة، شدّد الوزير على أهمية إعادة توجيه استخدامات الغاز الطبيعي نحو القطاعات الإنتاجية، موضحا أن 60% من الغاز كان يُوجَّه لقطاع الكهرباء، مع اتجاه هذه النسبة للتراجع تدريجيًا في ظل التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتبرز هنا أهمية قطاع الأسمدة كأحد أهم مجالات تعظيم العائد، باعتباره ركيزة من ركائز الأمن الغذائي ، ما يجعل تأمين إمداداته من الغاز مسألة أمن قومي، حيث يسهم توجيه الغاز إليه في خلق صناعات ذات قيمة مضافة وزيادة الصادرات. لم تتوقف الرؤية عند حدود إدارة الأزمة، بل امتدت إلى استثمارها وصناعة الفرص ، عبر تسريع خطوات تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، بالاستفادة  من بنية تحتية متطورة تشمل خطوط النقل، ومعامل التكرير، ومحطات الإسالة، والموانئ. كما يجري العمل على مشروعات لوجستية كبرى، من بينها التعاون مع إمارة الفجيرة لإنشاء ميناء لتداول المنتجات البترولية على البحر المتوسط، بما يعزز من مكانة مصر كمحور إقليمي للطاقة، كما يتم توسيع استخدام البنية التحتية المصرية لربطها بعدد من الدول، خاصة في شرق المتوسط، بما في ذلك قبرص، بما يحول مصر إلى نقطة ارتكاز رئيسية بين مصادر الإنتاج وأسواق الاستهلاك العالمية. هذه التحركات لا تعزز فقط من الحضور الجيوسياسي لمصر، بل تعيد  صياغة دورها في معادلة الطاقة الإقليمية والدولية ، ففي زمن اللايقين، تثبت التجربة المصرية أن القوة لا تكمن فقط في تجنب الأزمات، بل في القدرة على إعادة تشكيلها. فالأزمات، مهما بلغت حدتها، تظل فرصة كامنة لمن يمتلك الرؤية والإرادة.