صلاح جاهين بريشة صلاح جاهين - د. يوسف إدريس
كنوز| يوسف إدريس يودع صلاح جاهين بمرثية تغلفها الدموع
الأربعاء، 22 أبريل 2026 - 07:20 م
مرت علينا فى 21 أبريل الجارى الذكرى 40 لغياب متعدد المواهب الشاعر الرسام الممثل كاتب السيناريو والحوار خفيف الظل صلاح جاهين الذى ملأ الدنيا بأغانيه لكبار المطربين والمطربات، ورائعته الخالدة «الليلة الكبيرة» والكثير من الأفلام التى تتصدرها «خلى بالك من زوزو» و«أميرة حبى أنا» و«عودة الابن الضال» و«شفيقة ومتولى» و«الكرنك» و«انقلاب» و«رغبة متوحشة» ومسلسل «هو وهى» والفوازير التى كتبها لنيللى، بالإضافة للأفلام التى كتب أغانيها ومنها: «المخطوفة» و«اليوم السادس» و«اتنين على الهوا»، ودواوينه الشعرية التى تركها خلفه للمكتبة العربية ورباعياته الفلسفية الشهيرة التى لحنها سيد مكاوى وغناها صلاح جاهين مع على الحجار، ولا ينسى أحد فرقة «المصريين» التى شارك فى تأسيسها مع هانى شنودة وكتب أغلب أغانيها، ومتعدد المواهب صلاح جاهين من مواليد 21 أبريل 1930 ولقى ربه فى عام 1986 عن عمر يناهز 56 عاماً، ونعيد فى ذكراها نشر المرثية التى ودعه بها الكاتب الكبير د. يوسف إدريس، ويقول فيها :
- حين يريد الكاتب أن يَرثى شاعرًا مات أو استُشهد، فإنه يحاول أن يصل بكلماته إلى ذرى الشِّعر؛ فالشاعر لا يُرثى بغير الشعر.
فإذا كان الشاعر أخًا وصديقًا وزميل كفاح بدأ منذ الخمسينيات إلى الآن، فلا بدَّ أن يُحاول الكاتب أن يسمو بِشعره إلى رثاء الأخ والحبيب والصديق.
وإذا كان الكاتب زميل الشاعر فى اكتئابه، صنو اكتئابه، بل حتى صنو الأماكن التى عُولج فيها، فحين أدخلوه مُستشفى الكرملين ليُعالج من الاكتئاب وضعوه فى نفس الحجرة والفراش الذى كنتُ أرقد عليه، وكانوا - كما قال لى - يُذكِّرونه بى على الدوام.
وإذا كان المُتوفَّى شاعرًا وأخًا وزميلًا ورفيق مرض واكتئاب، فإن الكتابة عنه تُصبح فى الحقيقة عذابًا ذا ثلاث شعب.
والأكثر تَعذيبًا أنى - رغم أننى كنتُ أحد المُعجبين المتعصِّبين لإنتاج صلاح شعرًا أو رسمًا أو تصرُّفات - فإنى بحكم شخصيته، وبحكم اكتئابينا، كُنَّا نادرًا ما نلتقى، حتى إنى لم أرَهُ خلال السنوات العشر الأخيرة سوى مرة أو مرتين، وكأنما كان كلٌّ مِنَّا يُحاول أن يخفف من معاناة صديقه بألا يضيف له معاناته.
ولهذا كان غريبًا أن يدقَّ جرس تليفونى ويأتينى عبره، صوت واهن مُتحشرِج : أنا صلاح. قلت لنفسى بذهول لا بد أن سببًا هامًّا جِدًّا دفعه للاتصال بى، وبعد المجاملات، صمتُّ، فى انتظار أن يبدأ صلاح ليقول لى ما هى المشكلة، لم يتكلم مما جعلنى أسأله : مالك يا صلاح؟
قال : أبدًا. وسكت. وانتظرتُ. ولم يتكلَّم. فقلت : أهناك شيء؟
قال : لا، أبدًا. وصمتَ من جديد، وصمتُّ ثم عدت أسأله : إذن لماذا طلبتَنى؟
قلتها وأنا أضحك حتى أُخفِّف من حرجه بسؤالى هذا.
قال: أبدًا، حبيت أطلبك فقط ؟ طيب مع السلامة يا يوسف!
فقلت بدهشة وذهول : مع السلامة يا صلاح.
ظللتُ طوال اليوم حائرًا فى تفسير هذه المحادثة التى لا محادثة فيها دون أن أعثر على جواب، ولم أكن أتصوَّر أن الجواب سيأتينى فى اليوم التالى بدخول صلاح غرفة الإنعاش وإشرافه على الموت، ثم أتانى خبر وفاته !!
أكانت محادثة وداع غير واعية ؟ أم إحساس خفى أنه ذاهب، وأنه يُريدنى أن أذكُرَه، وكأن مثله يُمكن أن يُنسى، والغريب أننى وأنا فى صيوان العزاء وفى قمة الألم، حين رأيتُ نعشَه قادمًا مُرتفع الهامة محمولًا على الأعناق مخترقًا الصفوف بعد الصلاة عليه، تحشرج صوتى وبكيتُ وأنا فى عزِّ البكاء تلبَّسَنى صلاح الساخر، ورسم ذهنى فى الحال كاريكاتيرًا لصلاح جاهين، سيظهر فى الصباح التالى لتشييع جنازته، صورة لجنازته ونعشه يَرفع فيها عنه غطاء النعش وينظر إلى حاملى نعشه وهو يقول :
- كويس قوى إنى خسِّيت لكم ستين كيلو قبل ماموت، وإلا كنتوا ماقدرتوش تشيلوني.
وجعلتنى صورة النكتة أنخرط فى بكاء أعمق.
- ألو.
- ألوه.
- صلاح؟
- أيوة.
- أنا يوسف.
- إزيك يا يوسف عامل إيه ؟
ووجدتُ نفسى أصمُت، فعاد صوته يقول عبر الأثير: سكت ليه، أمال طالبنى ليه ؟
ولم أُحِر جوابًا، فلم أكن أدرى ما هو الجواب!
- اتكلم يا يوسف.. إزى مصر.. إزيكم .. أنا استريحت.. بس انتو لسه تعبانين.. اتكلم.
ولم أتكلم.. ولن أتكلم.. فما فى قلبى لا يعبر عنه كلام.
د.يوسف إدريس
من كتاب «الأب الغائب»
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة
كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !
كنوز| الآنسة منيرة ثابت تطالب بحق الخلع والانتخاب !
كنوز| بيرم التونسى فى لوكاندة سالم !
كنوز| الحج والأضحى فى مرآة «تشيخوف العرب» فى ذكراه الـ 35
كنوز| «السعدنى» يفضح متناقضات «ماما أمريكا» !
كنوز| كامل الشناوى يرثى أسمهان
كنوز| «الموسيقار» لا ينسى «شلّوت» يوسف بك !









