صورة تعبرية
صورة تعبرية


الأمهات في مصر.. الانتظار الطويل لقانون الأحوال الشخصية الجديد

هبة عبدالرحمن

الخميس، 23 أبريل 2026 - 04:47 ص

تعيش آلاف الأمهات في مصر حالة من الانتظار الطويل لقانون الأحوال الشخصية الجديد، انتظار لا يمر بهدوء، بل يثقل كاهلهن يومًا بعد يوم بمزيد من المعاناة والتحديات. فبين أروقة المحاكم وتعقيدات الإجراءات، تقف الأم وحدها في معركة مستمرة من أجل أبسط حقوقها وحقوق أطفالها، في ظل قوانين يرى كثيرون أنها لم تعد تواكب واقع الحياة وتغيراتها.

فمعاناتهن مثلا مع النفقة ومسكن الحضانة يمثلان أبرز الأزمات إليهن، حيث تضطر الأم إلى خوض رحلة طويلة لإثبات حق أطفالها في حياة كريمة، وقد تمتد الإجراءات لشهور أو سنوات، بينما تظل الأعباء اليومية قائمة لا تنتظر حكمًا أو قرارًا، أما الرؤية، فتتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر توتر نفسي للأبناء قبل الأمهات، بسبب غياب آليات واضحة تضمن مصلحة الطفل أولًا، وتحفظ كرامة الطرفين بعيدًا عن النزاعات المستمرة، الذي يدفع ثمنها الأبناء في النهاية عندما يقعون تحت وطأة الضغوط النفسية.

وسط كل ذلك، يبقى الأمل معقودًا على صدور قانون عادل ومتوازن، يضع الأسرة ومصلحة الطفل في مقدمة أولوياته، ليكون خطوة حقيقية نحو إنهاء سنوات من الانتظار والمعاناة.

من أروقة المحاكم استمعنا إلى قضيتين كنموذجين ليس أكثر، تعبر داخلها عن معاناة الكثير من الأمهات التي تكتظ المحاكم بقضاياهن، الاولى بطلتها أم شابة عمرها لا يتعدى 32عاما، تعمل اخصائية تخاطب توقفت حياتها وانهارت بسبب حرمانها من ابنتها لأكثر من 3 سنوات ونصف، بعد أن خطفها منها الاب ومنعها من رؤيتها، تنكيلا بها وعندًا معها لأنها رفضت تحمل الحياة مع زوج عصبي منعها من التعامل مع أسرتها وكان يعنفها بأبشع الطرق والوسائل، كانت نتيجة رغبتها في الانفصال حرمانها من ابنتها ومن كل حقوقها كزوجة وأم وامرأة لها الحق في الحياة، تحكي «مروة الميهي» لـ»اخبار الحوادث» بدموع لم تتوقف لحظة واحدة وبصوت تدمع له القلوب: «زواجي استمر 6 سنوات ذقت فيها كل أنواع العذاب، طليقي رجل اعمال من عائلة كبيرة ورث عن والده الأراضي الزراعية والعقارات غير الشركات التي يديرها، منذ الوهلة الأولى لزواجنا تعمد إهانتي فلم وافتعال المشكلات مع اسرتي وتحكمه بمنعي من زيارتهم نهائيًا، حملت في اول ابنائي لكن لم يكتمل وأجهضت بعد تعرضي لمشكلات صحية كبيرة، خرجت من المستشفى إلى بيت الزوجية،ورفضت أمي الحضور لزيارتي رغم حاجتي لها، وبعد سؤالي لمعرفة السبب علمت انه منعهم من دخول بيته مرة أخرى والاكتفاء بالاتصالات التليفونية فقط، ومثل كل اسرة اكتفوا بالصمت حرصًا على عدم خراب بيتي وطلبوا مني التحمل، والنتيجة اني قضيت 6 سنوات كأني مسجونة في بيت زوجي محرومة من الذهاب إلى بيت اسرتي وبالتبعية هم أيضا لا يأتون لزيارتي

تعرضت لإسقاط 4 أبناء تباعًا وفي إحدى المرات كدت اموت بسبب إصابتي بنزيف حاد ورفض عدد من المستشفيات استقبالي واخبروا زوجي بأنني أشرف على الموت، حتى استقبلتني مستشفى خاص وتم نقل دم لي واخبرني الطبيب تعرضي لنوع من الجلطات هو ما يتسبب في موت الجنين في بطني، وقتها اتهمتني اسرته بأني السبب في موت أبنائي غير عابئين بمرضي العضال الذي لا ذنب لي فيه، ورزقني الله بابنتي «هنا»، ورغم التعب الشديد الذي عانيته لكني حملت بعدها وأنجبت ابني «موسى» لكن إرادة الله جاء مريضًا بثقب في القلب ومتلازمة داون وكان ضعيف صحيًا، لم يتحمل ابني تعبه خاصة بعد إصابته بكورونا ومات وعمره 3 أشهر، ومن جديد اتهمتني أسرته بأني قتلت ابني.

قرار حبر على ورق

وبدموع أبت أن تتوقف وألم بدأت تشعر به في صدرها حتى أننا طلبنا منها أن تتوقف عن الكلام لكنها أصرت على الحديث وواصلت مروة قائلة:لم يرحم زوجي ضعفي، كان دائم التعدي علي بالضرب والحبس في البيت، وإذا خرج يأتي بوالدته أو شقيقته كرقيب عليّ لاننا في بيت عائلة، حتى لا أتسلل وأهرب من هذا الجحيم وطبعًا بعد أن يأخذ مني هاتفي لمنعي من الاتصال بأسرتي، وبابتسامة باهتة كأنها تسخر من نفسها تقول: في احدى المرات هددني ببندقية خرطوش وامرني فجرًا بالاتصال بأسرتي وأن يأتوا بقائمة المنقولات التي معهم، وعندما احضروها هددني بأنه سوف يحبسهم إذا اقتربوا من المنزل، وإذا به بعدها يطردني خارج المنزل.

وبعد عدة جلسات عائلية وافق على عودتي للبيت وتسليمي قائمة المنقولات مرة اخرى، لكن كل محاولاتي للحفاظ على البيت والاستقرار باءت بالفشل، وفي آخر مشكلة بيننا كانت بسبب (كوفيه) أيقظني فجرًا وانهال عليّ بالضرب والشتائم لاني غسلتها وهو أراد ارتداءها، فاتصلت بأسرتي قبل أن يأخذ مني الهاتف الذين حضروا على الفور، وهددني ببندقية الخرطوش بأنه سوف يُطلق عليهم طلقات بندقيته، وطردني من البيت بدون ابنتي، وكان عمرها وقتها 3 سنوات ومنذ ذلك اليوم لم أرها ولو مرة واحدة.

حاولت مرارًا وتكرارًا الوصول إلى حلول ودية من أجل ابنتي رغم أنه رمى عليا يمين الطلاق، فأسرعت إلى استصدار قرار بتسليم صغير لكن والدته كانت تتعمد تعطيل القرار بحجج فارغة، وكنت كلما أذهب لتنفيذ قرار التسليم تكون على علم بالموعد وتكون في انتظارنا وبكل هدوء اعصاب تخبرنا بأنها لا تعلم شيئًا عن ابنها او ابنتي، وفي مرة علمت بأنهم يخفونها لدى شقيقته فأسرعت اليها وتوسلت اليها خاصة انها كانت صديقتي يومًا ما، لكنها لم تراعِ صداقتنا أو أنني أم اكتوي بحرماني من ابنتي،أسرعت من كنت احسبها صديقتي بالاتصال بشقيقها الذي حضر على الفور وتعدى على والدي ووالدتي.

وفي مرة اخرى أسرعت الى منزلهم بعد مراقبة دقيقة وعلمت أن والدته غير موجودة في الشقه وبعد أن طرقت الباب فتحت لي «الخادمة» واقسمت أن ابنتي غير موجودة في الشقة لكني اقتحمتها بحثًا عنها مثل المجنونه، فاتهمتني شقيقته بسرقة 5000 جنيه، وفي هذا اليوم قضينا ليلة انا وشقيقته في الحبس بعد أن اتهمتها ايضًا بخطف ابنتي، وانتهى الامر بيننا بالصلح، ورغم اشفاق ضباط المباحث لكن لم يكن بيدهم اي شيء يفعلونه ولم يتمكنوا من إجباره على احضار البنت بل عندما طلب الضابط أن يحل المشكلة وديًا بأن يحضر البنت ويسلمها لي ليتم التصالح قال للضابط بكل جبروت: «خليهم يتحبسوا هم الاثنين»، وامام وكيل النيابة وافقت شقيقته فورا على التصالح وتنازلت وانا في قمة يأسي وحزني فلم يكن بيدي حيلة اخرى، وكان الحل الذي قدمه في البداية الطلاق مقابل أن يأخذ هو البنت 5 ايام وانا يومين فقط لاني أعمل انما هو متفرغ لها، ثم عاد مرة أخرى يشترط للتصالح أن اجلس معه بمفردي دون أسرتي وأوقع على شيكات، حتى يوافق لعودتي لعصمته كي أعيش خادمة لابنتي فقط بلا مطالب منى، تلك الشروط رفضتها اسرتي تمامًا واخبروني بأني لن اعود له مرة اخرى، وهو حاليا يرفض التفاوض نهائيًا.

جملة دعاوى

وتستكمل «مروة الميهي» كلامها بأسى بالغ قائلة:تقدمت ضده بدعوى طلاق للضرر وقلت امام المحكمة إنه طلقني شفهيًا لكن لاني لا امتلك الشهود ولم اتمكن من إثبات الضرر الواقع عليا، تم رفض الدعوى بعد مرور عامين ونصف امام المحاكم، فاضطررت في النهايه أن أتقدم بدعوى خلع للحصول على الطلاق.

وتقدمت بجملة دعاوى قضائية لا تخطر على بال أحد وكلها على أمل أن يظهر بابنتي في أي منها او يدرك اني لن أيأس، ومن خلع وتسليم صغير وقائمة منقولات حصلت على حكم لصالحي لكنه طعن بالتزوير عليها أكثر من مرة لكن إرادة الله فوق كل شىء، حتى وصل بنا الامر باليمين الحاسم واقسمت امام القاضي بأني لم اخذ منها حتى ملابسي وبالطبع هو لم يحضر الجلسة وصدر الحكم بالتأييد وتسليم المنقولات، لكن كل هذا لم يهمني وأخبرته بأني سوف اتنازل عن كل شيء مقابل اعطائي بنتي، لكنه رفض وسلمني منقولاتي مكسره ومسروق نصفها.

لم اكتفِ بذلك بل رفعت قضية نفقة كحيلة للحصول على ابنتي، من جبروته، أخبر القاضي بأن البنت معه، ودافعت عن حقي بأني حاضنة لكنه بعد تأجيل القضية لم يحضر بها، واستمر هكذا أكثر من عامين حتى تمكنت من إثبات امتناعه عن تنفيذ حكم بتسليم صغير وتحولت إلى جنحة وحصلت على حكم بحبسه 3 أشهر وحكم آخر بحبسه 6 أشهر، لكن لم اتمكن من تنفيذ اي منها بسبب هروبه المستمر.

وأنهت «مروة» كلامها بحزن بالغ وحسرة قائلة: فقدت كل أمل لي في الحياة، سنوات وانا اجري في المحاكم وحصلت على الكثير من الاحكام لكن لم اتمكن من تنفيذها وكلها حبر على ورق، قلبي مكسور وحياتي توقفت تمامًا ولم اعد اتمكن من الخروج للعمل بسبب الحالة النفسية التي اعيش فيها ولم اجد من يمد لي يد المساعدة.

طلباتي كأم من قانون الاحوال الشخصية الجديد؛أن تكون في آلية تنفيذ أحكام سريعة وعادلة، وحتى يحدث هذا لابد من وجود شرطة متخصصة للأسرة يكون فيها عناصر من الشرطة النسائية حتى تتمكن من فهم حالات الأمهات النفسية، أيضًا لابد من ايجاد حلول جذرية لمسألة خطف الآباء للابناء، وحتى يحدث هذا أقول لابنتي الصغيرة هنا ومن خلال جريدتكم الغراء:»امك لم ولن تنساكي لحظة واحدة ولم اتركك بإرادتي وانتظر رجوعك لحضني بفارغ الصبر وأموت شوقًا وألمًا بسبب فراقك يا صغيرتي، أعلم أنك تسألين عني في كل وقت لكن أوعدك قريبًا سوف نلتقى».

أمنيات

بطلة القضية الثانية «مي» ابنة الثلاثين عاما تعمل مدرسة من محافظة الغربية، رغم شخصيتها العاقلة الهادئة ومحاولاتها أن تتعامل بضمير وعقل حتى بعد الطلاق، من اجل مصلحة ابنها الصغير، إلا أن طليقها لا يمنحها الفرصة ويسد كل الطرق امامها للمعاملة الطيبة، تروي مأساتها بأسى بالغ وتقول:

«كل مشكلتي أن طليقي ضغط عليّ حتى تنازلت عن كل حقوقي من أجل عيون ابني، والنتيجة اني حتى اللحظة لم اتمكن من الحصول علي أي شيء، الزواج استمر 4 سنوات كلها مشكلات وخلافات بسبب تدخلات عائلته، وفي آخر مشكلة بيننا أخذ مني ابني ورفض أن يعيده لي وقال لوالدي: «هي رافضة تعيش وتكمل ملهاش حق تاخد ابنها»، حصلت على قرار تسليم صغير في 20 يومًا، واعتقدت اني بذلك سوف أحصل على حقي في حضانة ابني بسرعة لكنني ظللت 8 أشهر في معاناة لا يتصورها عقل من أجل تنفيذ القرار، حتى اني حصلت على حكم تنفيذ بالقوة الجبرية لكن رغم ذلك تمكن طليقي وشقيقه بالهروب بابني به من فوق سطح العمارة الى العمارة المجاورة لهم، وفي هذا اليوم لم اتمكن من السيطرة على اعصابي وانهرت نفسيًا، وتدخل الجيران، وتم عقد جلسة عرفية في حضور عمدة البلد وحدث الاتفاق الودي أن اخذ ابني مقابل الطلاق على الابراء، وكتابة عقد اتفاق يتم فيه التنازل عن كل حقوقي حتى قائمة المنقولات أعطاني منها أثاث مكسور.

وامام ضعفي ولحظة اشتياق لابني الصغير ولهفتي عليه وافقت، وكان من ضمن الشروط أن يدفع نفقة شهرية ألف جنيه شاملة كل شيء من مأكل وملبس وسكن حضانة وعلاج وكل ما يلزمه، على أن يأخذه يومين في الاسبوع، ووافقت دون أن أخذ حذري؛إلى أن جاء يوم وبعد مرور عدة أشهر كان يحضر فيها طليقي من بلده التي تبعد مسافة عن بلدتي، ليصطحب ابني لدى اسرته يومين ثم يعيده لي بعدها، لكن فجأة أخبرني بأنه تعب من الطريق ولا يتمكن من الحضور لعودته لي، ويغيب أياما سوف يأتي به، وبدأ يمنع النفقة بحجة انه لن يقدر على رؤيته، وفي اوقات كان يحضر لأخذه ويستمر لأكثر من المدة المتفق عليها لاستضافته ويرفض عودته بأي حجة، ثم فجأة اختفى ولم يأتِ لاخذ ابنه أو يرسل له النفقة واستمر على هذا 10 أشهر، وقلت لنفسي لا اريد منه شيئا مقابل الابتعاد عني وتركي في حالي أربي ابني في هدوء.

ثم فجأة ظهر وبدأ من جديد في اصطناع المشكلات معي، تارة عايز اشوف ابني وتارة الطريق صعب لن أقدر عليه، طلبت منه نفقته لكنه تعنت، ورغم ذلك أخبره ابي أن يحضر لرؤية ابنه وقتما يريد، وبالفعل كان يحضر لزيارته في بيتنا مع العلم دون أن يدفع مبلغ نفقة الهزيل، حتى عند حضوره لم يفكر مرة واحدة أن يشتري لعبة لابنه، إلى أن امتنع عن دفع النفقة المتفق عليها بشهادة عمدة قريته واضطررت في النهاية الذهاب الى المحكمة للحصول علي نفقة، وقضت لي المحكمة بنفقة 2000جنيه نفقة صغير وأجر سكن وفرش وغطاء وكل النفقات، وفي آخر يوم في الاستئناف ظهر بعقد الاتفاق الذي كان أمانة لدى العمدة، وقدمه للمحكمة والتي عدلت الحكم حسب الاتفاق المكتوب بيننا.

أنهت الام «مي» كلامها بعدة أمنيات تنتظر ان تجدها في قانون الاحوال الشخصية الجديد قائلة:لقد جربت الاستضافة ووافقت عليها قبل أن يقرها أحد، ولكن ما النتيجة أن ابو ابني يهددني بأنه لو تمكن من أخذه لن يجعلني أراه مرة اخرى، اتمنى وجود نصوص تمنع تنازل الزوجة عن كل حقوقها مقابل حصولها على حضانة ابنائها، وإجبارها أن تفقد كل حق لها رغمًا عنها لكونها فقط أم تضحي بكل شيء من اجل ابنها، أتمنى وجود آلية للتنفيذ سريعة، ويجب وضع قوانين صارمة لمواجهة العنف الزوجي من ضرب وغيره.

اقرأ  أيضا: قانون الأحوال الشخصية الجديد .. طــوق نجاة الأسـرة المصرية

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة