صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


الرؤية الملـف الشائك| الآباء: أولادنا ينظرون إلينا وكأننا غرباء عنهم

محمد طلعت

الخميس، 23 أبريل 2026 - 04:48 ص

بينما تمتلئ أروقة المحاكم بقضايا الأمهات المتنوعة بحثًا عن حقوقهن وتنشغل استوديوهات وسائل الإعلام بإنصاف المرأة وضمان حقوقها في قانون الأحوال الشخصية الجديد وهي معركة مستحقة بلا شك؛ يبرز على الجانب الآخر صوت مكتوم لآلاف الرجال الذين يواجهون نوعًا مختلفًا من القهر الإنساني كما يقولون، لذا هم ينتظرون قانونًا منصفًا ومتوازنًا لا ينصر طرفا على حساب الطرف الآخر بل هو الذي يضع مصلحة الطفل فوق كبرياء الكبار، فالحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن الرجال في مصر يعانون أيضا من ثغرات قانونية جعلت من الأبوة مجرد صك مالي يُدفع كل شهر دون أن يكون لها رصيد من التربية أو الحضور الإنساني.

من هنا نناقش الجانب الآخر من الملف الشائك وهو ملف الرؤية الذي حول الأب في ظل التشريع الحالي إلى أب مع إيقاف التنفيذ فبين جدران مراكز الشباب الباردة وتحت أعين الموظفين تُذبح مشاعر الأبوة كل أسبوع في ٣ ساعات ليجد الرجل نفسه غريبًا عن أبنائه محاصرا بنصوص قانونية تعامل الأب كزائر عابر أو ضيف ثقيل الظل لا كشريك أصيل في بناء حياة ومستقبل هؤلاء الأطفال.

زائر خلف الأسوار

محمود أب لطفلين أدت المشكلات مع زوجته للانفصال بعد سنوات من الزواج ورغم الود الذي كان بينهما أثناء الزواج إلا انه بعد ذلك تحول لحالة عداء كاملة حيث منعت عنه رؤية أولاده منعًا تامًا، فاضطرّه ذلك لرفع قضية رؤية حتى حصل على حقه في لقاء أولاده لكن رغم ذلك يقول إنه يعاني معاناة كبيرة حيث يقطع مسافة ساعتين ليصل إلى مركز الشباب الذي من المفترض ان يرى فيه أطفاله ويجلس مع أولاده 3 ساعات فقط وسط ضجيج وصراخ وتحت مراقبة أمن المركز والموظفين.

ويضيف؛ إن أطفاله ينظرون إليّه كغريب فالمكان لا يسمح بأي تواصل إنساني حقيقي حيث لا يمكنه من احتضانهم بحرية ولا يمكنه مشاركتهم وجبة طعام هادئة.

هذه الرؤية التي يقرها القانون الحالي يراها الكثير من الآباء والخبراء النفسيين عقوبة للآباء وإيذاء نفسيًا للأطفال حيث تكرس في ذهن الطفل أن والده شخص يحتاج لرقابة وأن اللقاء معه هو واجب ثقيل يتم في بيئة غير مهيئة عاطفيًا.

مصطفى أب لطفلة تبلغ من العمر ٧ سنوات لم يرها منذ عامين رغم صدور حكم رؤية لصالحه ويقول وتكاد دموعه تنهمر من عينيه أن الحاضنة تمتنع عن التنفيذ والعقوبة القانونية سواء كانت الغرامة أو نقل الحضانة مؤقتا صعبة التنفيذ عمليًا وطويلة الأمد في المحاكم، ويضيف أن الطفل هو من ينسى ملامح والده ومن خلال كلام والدته يبدأ في كرهه حتى يصل الأمر للطفل لرفض لقاء أبيه وهو ما لايريد أن يحصل مع ابنته لكن القانون لا يعطيه ذلك الحق.

ويقول مدحت وهو مهندس معماري: أصعب لحظة مرت علي لم تكن يوم الطلاق بل كانت أول مرة ذهبت فيها لرؤية ابنى صاحب الست سنوات في مركز الشباب فدخلت بلهفة الأب لكنني وجدت طفلا ينظر إلي بريبة وخوف وكأنه يقابل غريبًا في قسم شرطة، ويضيف أن القانون أعطاه 3 ساعات لكن الشحن النفسي الذي تعرض له الطفل جعل تلك الساعات تمر في صمت قاتل حيث شعر أنه ليس والده بل مجرد شخص يراقبه الموظفون في سجل الحضور والانصراف وعاد يومها وهو يسأل نفسه هل هذه هي الأبوة التي كفلها له القانون؟

أما حسين وهو صاحب أعمال حرة  فيقول أنا ملتزم بكل مليم يفرضه القانون من نفقة مأكل وملبس ومصاريف مدرسية أدفعها بحب لأنهم أولادى لكن الوجع الحقيقي كما يقول هو إنه عندما طلبت أن يحضر ابنى حفل زفاف عمته قوبل طلبى بالرفض القاطع من طليقتى ولجأت للقانون فاكتشفت أنى ماكينة صرف أموال بامتياز فأنا لى حق الدفع فقط وليس لى حق المشاركة في المناسبات الاجتماعية أو حتى المبيت لليلة واحدة فالقانون الحالي يربي أولاده على أن الأب هو مجرد محفظة نقود وليس قدوة أو سنداً.

أما الحاج محمد فيحكي قصة ابنه الذي سافر للعمل بالخارج بعد يأسه من رؤية أطفاله فقال: ابني ترك مصر لأنه لم يتحمل رؤية أطفاله خلف الأسوار لدقائق لكن المأساة الحقيقية هي مأساتي أنا وجدّتهم فنحن كبار في السن ولا نستطيع الذهاب لمراكز الشباب والجلوس على مقاعد خشبية متهالكة وسط الضجيج لنرى أحفادنا وحرمنا القانون من حق الاستضافة الذي كان سيتيح لنا احتضان أحفادنا في بيتنا لنعلمهم أصول عائلتهم.

ويضيف الحاج محمد : نحن نموت ببطء لأن القانون قرر أن صلة الرحم تنتهي بانتهاء علاقة الزوج بزوجته.

أما محمود منصور وهو محامي وأب يعاني من نفس المعاناة حيث يقول: حصلت على حكم رؤية بعد شهور من القضايا وفي كل مرة أذهب للمركز لكن لا تحضر الأم وأثبت الحالة في محضر رسمي والنتيجة غرامة مالية بسيطة تدفعها وتستمر في العناد فالقانون يفتقر لآلية تنفيذ حاسمة تجبر الطرف الممتنع على احترام حق الطفل في رؤية والده. ويضيف انه بعد عامين كاملين لا يعرف طول ابنه ولا نبرة صوته فقط لأن القانون جعل من الرؤية حقا اختياريًا وليس ملزمًا بعقوبات رادعة.

تتعالى الأصوات اليوم بضرورة تعديل قانون الأحوال الشخصية ليشمل إقرار حق الاستضافة للسماح للأب باصطحاب أطفاله للمبيت في منزله لمدد محددة وأن تكون الولاية التعليمية مشتركة ليشارك الأب في رسم مستقبل أطفاله وتغليظ عقوبات منع الرؤية لضمان تنفيذ الأحكام القضائية دون مماطلة بالإضافة إلى الرؤية الإلكترونية كبديل إضافي في حالات السفر أو الظروف القهرية.

حيث يرى الكثير من الآباء أن هناك اختلالا في ميزان الحقوق والواجبات فبينما يلتزم الأب بكافة المصاريف المادية من نفقة مأكل وملبس وتعليم وعلاج والتي يتم تحصيلها بقوة القانون وبشكل فوري تظل حقوقه غير المادية الرؤية والتربية والمشاركة في القرار معلقة بمدى رضا الطرف الآخر أو تعقيدات المحاكم.

ولهذا فإن مناقشات قانون الأحوال الشخصية لا ينبغي أن يُدار كصراع بين غالب ومغلوب أو انتصار لجنس على آخر بل يجب أن تكون انتصارًا للرحمة والعدل.

نحن بحاجة ماسة إلى قانون متوازن يدرك أن للرجل قلب كما للمرأة حقوق وأن الأبوة ليست وظيفة تنتهي بانتهاء عقد الزواج. إن مصلحة الطفل الفضلى تقتضي بالضرورة وجود والدين سويين يجمعهما الاحترام في التربية حتى وإن فرقهما النصيب في المعيشة.

إن القانون الذي ننتظره هو ذلك الذي يضمن للأم أمانها وحقوقها ويمنح الأب مكانه الطبيعي في حياة أبنائه كشريك في الرعاية وليس مجرد زائر خلف الأسوار لكي لا يكبر جيل جديد من الأطفال بمشاعر مبتورة يبحثون عن آبائهم في أوراق المحاكم فلا يجدونهم إلا في ساعات الرؤية. 

إن العدل هو الطريق الوحيد لترميم ما أفسده الانفصال وبناء مستقبل مستقر لأطفال لا ذنب لهم في خيارات الكبار، نحتاج لقانون متوازن بين الطرفين.

اقرأ  أيضا: قانون العدالة والإنقاذ.. هل ينهي «الأحوال الشخصية» صراع الأزواج؟

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة