البرق الفرعوني لا يتوقف: صلاح يفتح الباب ويحيى خالد يوسّع الحلم
الجمعة، 24 أبريل 2026 - 11:20 م
الأخبار
في بعض البلاد، يولد اللاعب.. ثم يُنسى.
وفي بلاد أخرى، يولد اللاعب.. فيتحول إلى فصلٍ فى كتاب التاريخ.. أما فى مصر، فالأمر أكثر غرابة من ذلك بكثير.. هنا لا يُولد اللاعب ليُمارس لعبة، بل ليُربك معنى اللعبة نفسه.. خذ مثلًا محمد صلاح.. الذى خرج من مكانٍ صغير لا يُرى على الخريطة، لكنه كان يرى الخريطة كلها أمامه.. ركض فى ملاعب أوروبا كأن السرعة ليست فى قدميه فقط، بل فى قراره ألا يكون عاديًا أبدًا.. فى ليفربول، لم يسجل أهدافًا فحسب؛ بل أعاد تعريف فكرة «المهاجم القادم من الضلوع البعيدة للعالم».
ثم فجأة، دون أن تستأذن الحكاية أحدًا، ظهر اسم آخر..
لكن هذه المرة فى لعبة مختلفة، وزمن مختلف، وإيقاع مختلف تمامًا .. يحيى خالد؛ ليس لاعب كرة يد فقط، بل «البرق الفرعونى» حين قرر أن يختار اليد بدل القدم، والاختراق بدل الانتظار، والضربة بدل الشرح.
في فيزبريم، تعلّم أن أوروبا لا تُعطى المجد مجانًا، بل تنتزعه.. وفى باريس سان جيرمان، لم ينتظر أن يُقدَّم له الدور؛ بل كتبه بنفسه: هداف، صانع، رقم صعب لا يُقرأ بسهولة.
◄ اقرأ أيضًا | هل يرحل محمد صلاح إلى يوفنتوس الإيطالي؟.. المدير الرياضي يكشف الحقيقة
في بعض البلدان لا تولد النجوم فرادى.. بل تُولد كأنها سلالة من الضوء، كل جيلٍ يُسلّم الجيل الذى يليه شعلة لا تنطفئ، فقط تغيّر شكلها.. مصر أرض الحضارات من هذه البلاد.. بلدٌ يبدو وكأنه لا يُنجب لاعبين بقدر ما يُنجب «حكايات» تمشى على قدمين، ثم تتحول إلى أساطير.
كان هناك شاب اسمه محمد صلاح.. خرج من قرية صغيرة، لا تحمل فى خرائط العالم أى امتياز، لكنها كانت تحمل ما هو أهم: بداية لا تعرف المستحيل.. ركض صلاح فى الملاعب الأوروبية كما يركض النيل حين يقرر ألا يعود إلى الوراء.. فى ليفربول، لم يكن مجرد جناح سريع.. بل كان فكرة عن مصر وهى تعبر العواصم الكبرى بلا استئذان.
أهدافه لم تكن أرقامًا، بل كانت رسائل قصيرة تقول: «نحن هنا.. لكننا جئنا بشكل مختلف».. ثم، وكأن الحكاية المصرية لا تكتفى بمشهد واحد، امتدت الخيوط إلى ملعب آخر، إلى لعبة أخرى، إلى يدٍ مختلفة.. لكن الروح نفسها.. يأتى يحيى خالد.. ذلك الذى يمكن أن تسميه «النسخة اليدوية من الحلم نفسه»، أو «البرق الفرعونى حين يبدّل رياضته لا روحه».
في كرة اليد، لا زمن للانتظار.. إما أن تُنهى الهجمة، أو تُنهيك هى.. وهنا يظهر يحيى خالد كأنه يعرف سرّ اللعبة الأخير: أن السرعة ليست فى الجسد، بل فى القرار.. فى فيزبريم، تعلّم أن أوروبا لا تُصفق إلا لمن يفرض نفسه بلا شرح.. وفى باريس سان جيرمان، لم يترك مساحة للتعريفات الطويلة… 118 هدفًا فى موسم واحد ليست مجرد حصيلة، بل هى إعلان أن اللاعب حين يدخل «منطقة النخبة» لا يعود كما كان.. وفى مباراة واحدة، 12 هدفًا، كأن الزمن نفسه قرر أن يبتعد قليلًا احترامًا لما يحدث.
◄ «يا يا» ماكينة الأرقام
البرق الفرعونى يحيى خالد يحسب له الفوز بالدورى والكأس المجرى.. والدورى الفرنسى .. وقد تكون رحلة يحيى خالد «يا يا» فى دورى أبطال أوروبا قد انتهت مؤقتًا حتى معاودة اللعب فى الموسم المقبل، بعد أن ودّع فريقه باريس سان جيرمان منافسات النسخة الحالية، لكن ستظل أرقامه تتحدث عن نفسها فى غيابه:
408-عدد أهدافه فى بطولات دورى أبطال أوروبا كأكثر لاعب عربى ومصرى تسجيلًا للأهداف بفارق 150 هدفا عن اللاعب الذى يليه (التونسى عصام تاج 258 هدفا)، وبفارق 228 هدفًا عن اللاعب المصرى الذى يليه (محمد ممدوح هاشم 180 هدفا).
103- هى عدد المباريات التى خاضها فى دورى أبطال أوروبا كأكثر اللاعبين العرب والمصريين خوضًا للمباريات، ويليه التونسى وائل جلوز الذى لعب 81 مباراة.
3.96- هى معدل أهدافه فى المباراة الواحدة وهو ثالث أعلى معدل حتى يومنا هذا بين اللاعبين العرب مناصفة مع المصرى حسين زكى (95 هدفا فى 24 مباراة)
وخلف كل من المصرى أحمد هشام صاحب معدل 4.74 هدف فى المباراة (90 هدفا فى 19 مباراة)، والتونسى أمين بنور صاحب معدل 4.33 هدف فى المباراة الواحدة (130 هدفا فى 30 مباراة).
7- هى عدد المواسم التى خاضها حتى الآن فى دورى أبطال أوروبا كأكثر اللاعبين المصريين، يليه محمد ممدوح هاشم الذى لعب 6 مواسم.
وهو ثانى أكثر اللاعبين العرب خلف التونسيين عصام تاج ووسام حمام اللذين لعبا 9 مواسم.
◄ مسك الختام
لكن الجميل فى هذه الحكاية، أن صلاح ويحيى لا يلعبان اللعبة نفسها، ومع ذلك يشبهان بعضهما فى شىء لا يُدرّس:
كلاهما لا ينتظر التصفيق، بل يخلق سببه.. صلاح فى كرة القدم كان يقول للعالم إن لاعبًا من مصر يمكنه أن ينافس على القمة دون أن يستأذن أحدًا.. ويحيى خالد فى كرة اليد يقول إن هذه القمة ليست سقفًا، بل محطة يمكن تجاوزها.. هناك خيط خفى بين الاثنين.. ليس خيط مهارة فقط، بل خيط «هوية»؛ تلك الهوية التى لا تلعب لتُكمل العدد، بل لتُغيّر شكل المعادلة.
صلاح فتح الباب فى ملعب العالم الكبير.. ويحيى خالد يوسّع الباب نفسه فى ملعب آخر أصغر مساحةً، لكنه لا يقل قسوة.. والمثير فى الأمر، أن كليهما لا يشبه الآخر فى الشكل، لكنهما يلتقيان فى المعنى: لا أحد منهما جاء ليكون لاعبًا عاديًا فى جيل عادى.
في لحظات كثيرة، يبدو وكأن مصر لا تصنع نجومًا منفصلين، بل تصنع «لغة» واحدة، تتحدث بها أقدامٌ ويدٌ، فى ملاعب مختلفة، لكن بنبرة واحدة: نبرة تقول إن الموهبة هنا ليست صدفة.. بل امتداد.
صلاح كان الرسالة الأولى التى وصلت إلى أوروبا وقالت: «تعلموا اسم هذا البلد جيدًا».. ويحيى خالد يبدو كأنه الرد المستمر: «ولم ننتهِ بعد».
وفي النهاية.. قد يختلف الملعب، وتختلف الكرة، وتختلف القواعد.. لكن هناك شيئًا واحدًا لا يتغير: حين يمر اللاعب المصرى الحقيقى، لا يمر بهدوء.. بل يترك خلفه سؤالًا فى عيون الجميع: كيف لبلدٍ واحد أن يُرسل هذا الكم من الضوء، ثم يطلب من العالم أن يتصرف وكأنه لم يُبهر بعد.