حبيبة جمال تكتب: بين الشفاء والوصمة.. رحلة أصعب خارج المستشفى

الكاتبة الصحفية حبيبة جمال

السبت، 25 أبريل 2026 - 10:03 م

حبيبة جمال

أثارت قضية «ريان» المتهم في ما عرف إعلاميًا بـ«مذبحة كرموز»، جدلًا كبيرًا خلال الفترة الماضية؛ والتي انتهى فيها تقرير الطب النفسي إلى أن المتهم لم يكن مسئولًا عن أفعاله وقت ارتكاب الجريمة، ليصدر قرارًا بإيداعه إحدى مستشفيات الأمراض النفسية والعصبية للعلاج والمتابعة. هذه الواقعة جعلتني أتساءل ماذا بعد العلاج؟، وما إذا كان المجتمع قادرًا على تقبل شخص تعافى من اضطراب نفسي ارتبط اسمه بجريمة، أم أن الوصمة تظل أقوى من أي تقرير طبي أو حكم قانوني؟ ومن هنا تبدأ الرحلة؛ بين الشفاء والوصمة.. رحلة أصعب خارج المستشفى المريض النفسي الذي ارتكب جريمة، حتى وإن خضع للعلاج وتعافى، لا يعود إلى مجتمع يستقبله بصفحة بيضاء، بل غالبًا ما يواجه ذاكرة جماعية لا تنسى، وأحكامًا جاهزة لا تفرق بين الماضي والحاضر.. يتحول في نظر البعض من «مريض تعافى» إلى «خطر محتمل»، وتصبح قصته عنوانًا دائمًا للخوف، لا مثالًا على الشفاء. هذه النظرة لا تنبع فقط من القسوة، بل من الخوف؛ خوف مشروع أحيانًا، لكنه يتحول إلى وصمة دائمة حين يبنى على التعميم لا الفهم.. فالكثيرون لا يدركون أن الاضطرابات النفسية، مثل الفصام، يمكن السيطرة عليها بالعلاج والمتابعة، وأن نسبة كبيرة من المرضى تستعيد قدرتها على التعايش بشكل طبيعي، دون أن تمثل خطرًا على الآخرين. لكن المشكلة أن المجتمع غالبًا لا يرى رحلة العلاج، ولا سنوات الالتزام الدوائي، ولا الجهد المبذول في التأهيل، بل يتوقف عند لحظة الجريمة فقط، وكأنها تختزل الإنسان كله. وهنا تظهر المفارقة: القانون قد يرفع المسئولية عن المريض لغياب الإدراك، والطب قد يمنحه فرصة حقيقية للتعافي، لكن المجتمع قد يظل يعاقبه بشكل غير مباشر؛ بالعزلة، والرفض، وانعدام الثقة. هذه الفجوة بين «التعافي الطبي»، و«القبول المجتمعي»، تمثل تحديًا حقيقيًا، ليس فقط للمريض، بل لمنظومة كاملة تحاول إعادة دمج إنسان في الحياة من جديد.. فبدون دعم أسري ومجتمعي، يصبح خطر الانتكاسة أكبر، ليس بسبب المرض وحده، بل بسبب الشعور بالرفض وفقدان الأمان. التعامل مع هذه الحالات يحتاج إلى توازن دقيق؛ وعي يحمي المجتمع، دون أن يظلم المتعافي.. وحذر لا يتحول إلى إقصاء.. وفهم يفرق بين من كان مريضًا وفقد إدراكه، ومن يشكل خطرًا فعليًا في الحاضر. في النهاية، السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن أن يتعافى المريض؟ بل: هل نحن كمجتمع مستعدون أن نتقبل هذا التعافي؟