جانب من الندوة
جانب من الندوة


الكتابة فى السجن.. وسيلة مقاومة ووطن بديل

ندوة بالجامعة الأمريكية حول أدب السجون الفلسطينى:

أخبار الأدب

الأحد، 26 أبريل 2026 - 09:27 ص

د. محمود بركة 

أُقيمت فى الجامعة الأمريكية السبت قبل الماضى فاعلية ثقافية تناول موضوعها «أدب السجون الفلسطينى». حيث جمعت الندوة الكاتبين المحررين من أسر الاحتلال: ناصر أبو سرور، وباسم خندقجى. وأدار اللقاء والنقاش د. دينا حشمت، أستاذة الأدب العربى بالجامعة، وجاءت الفاعلية، ضمن برنامج الموسم الثقافى العربى بقسم الشيخ حسن عباس شربتلى للحضارات العربية والإسلامية بالجامعة.

وحملت الندوة الثقافية عددًا من الدلالات ذات الأهمية الثقافية والمعرفية، أولاً: على مستوى الندوة نفسها؛ من خلال ما تطرقت له دينا حشمت، لعدد من المحاور، تمثل أهمها: فى رحلة الكتابة من داخل المعتقلات الإسرائيلية، والسؤال حول السنوات الطويلة داخل سجون الاحتلال، وإن كانت تُعد من دوافع العمل الإبداعي، وثانياً: على مستوى الحدث، الذى جمع الكاتبين: باسم خندقجي، وناصر أبو سرور، للمرة الأولى بعد تحريرهما فى 15 أكتوبر 2025. وثالثاً: على مستوى ما أُعلن فى الندوة، عن إصدار دار الاَداب، كتاب «بائع التذاكر» وهو السيرة الذاتية للكاتب وليد دقة، الذى أستشهد فى 7 أبريل 2024، بعد 38 عاماً قضاها داخل سجون الاحتلال، ولا يزال جثمانه قيد الأسر فى ثلاجات الاحتلال.  
افتتحت د. دينا حشمت اللقاء، بتعريف موضوع الندوة، والذى جاء فى ظل الظروف الواقعة، وخصوصاً الإبادة التى عاشها الشعب الفلسطينى فى غزة، والقصف على لبنان، وتقديم السيرة الذاتية للكاتبين، ونصوصهما الروائية خلال سنوات الاعتقال، والتعريف بإنتاجهما الروائى والإبداعي، وما يرتبط بموضوعات وقضايا الكتابة خلال سنوات الاعتقال، وبالإضافة للمسة الوفاء، بحضور صوت الأسير الشهيد وليد دقة، من خلال قراءة باسم خندقجى نصوصا من سيرته الذاتية الصادرة حديثا، وإلقاء قصيدة شعرية كتبها ناصر أبو سرور أثناء وجوده فى زمن السجن.
فى بداية كلامه تحدث الكاتب والروائى المحرر باسم خندقجى عن حياته قبل الاعتقال، حيث كان طالباً فى جامعة النجاح الوطنية فى فلسطين، وصحفى فى بداية تكوينه، لكن «ظروف وسياسات الاستعمار الصهوينية المتعلقة بالقتل والتعسف، حولتنا إلى مقاومين ومناضلين لاستعادة إنسانيتنا"
وتحدث عن اعتقاله فى بداية سنوات شبابه الأولى، لمدة 21 عاماً داخل المعتقل الإسرائيلي، وفى إجابته عن سؤال، كان قد طرحه عليه أحد القراء «إن لم يكن هناك احتلال واستعمار هل يمكن ان تكون كاتباً؟» قال خندقجى: «ربما كنت لأكون لاعب كرة قدم، أو محام إلى اّخر ذلك» ولكن هذا الفضاء المغلق (السجن) جعله فى لحظة من اللحظات، يلجأ إلى الكلمات ليهزم الاستعمار والسجان. «فعل الكتابة هنا ليس هدفه إدهاش القارئ والقارئة، أو من أجل أن يعرف العالم إن كنت قادراً على الكتابة أم لا، إنما هو فعل مقاومة وصمود، والأهم من كل ذلك هو فعل لاستعادة الإنسانية» 
وتطرق إلى مفهوم السجان كما يراه، بأنه ليس المقصود به فقط من وضع مفاتيح القيود فى يديه، إنما كل المؤسسة الصهيونية، من رئيس حكومتها إلى المحكمة العليا والجيش. ويصف هذا السجان بأنه يسعى لتفكيك ملامح إنسانيته ونزعها، ولهذا يخاف السجان من الكتابة وكل فعل إنساني. ووفق هذا تشكلت لدى خندقجى قناعته بأن الكلمات وحدها القادرة على منحه الحياة، فـ"العيش والكتابة فى المعتقل تحمل بُعداً خطيراً، وبعد انكشاف هذا الخطر نبدأ إدراك بأن الحياة أصبحت أجمل، فتتجلى كل الأحاسيس والمشاعر، وتصبح العلاقة مع الكلمة ليست حبريّة أو أدبية، بل تصبح علاقة صوفية بالاتحاد مع الكلمات، حتى تكتمل الكلمة إلى نص يصبح وطناً مؤقتاً، هذا الوطن المؤقت لا يستطيع السجان احتلاله واستعماره» 
وبدأ ناصر أبو سرور، حديثه بالرد على ما طرحته د. دينا حشمت، حول سنوات سجنه لمدة 33 عاماً، وتشكل مسيرته الإبداعية ودوافع الكتابة، حيث أوضح أبو سرور بأن كل مواطن عربى فى هذه المنطقة سواء كان فى الشرق أو الجنوب عنده ما يقول، فهذا الشرق يعانى من فظائع عديدة، عمرها مئات السنوات، كانت ولا زالت لا تنتهي، فكل مواطن فى أى مكان وزاوية وشارع مملوء بالقصص.. «المنطقة مرهقة ومتطلبة وقُدر لها إن تكون مُتعبة، أصحابها وسكانها مُتعبون وممتلئون بالأسئلة الكثيرة» ويصف أبو سرور نفسه «رجل معجون بماء التعب».
وفيما يتعلق بفلسطين، قال: هذا الاحتلال الطويل المستمر، والنكبة المستمرة لم تتوقف، منذ عام 48، ولم تنته بعد. فإلى اليوم يُهجر الفلسطينى ولكن بوسائل أخرى، وصور متكررة من النكبة تتبع نفس النهج بأدوات مختلفة، تؤكد وجود استمرارها» النكبة، وأعطى مثالاً على ذلك بالأسير المحرر صلاح الحموري، الذى تم نفيه من فلسطين إلى فرنسا.
 وعن المعتقل قال: إن لديه من جغرافية خاصة جداً، وهذه الجغرافية لديها ما تقول، ولها أبجدياتها الخاصة والمتعثرة والوعرة، وحين يكتب الأسير الفلسطيني، فإنه يكتب بهذه الأبجديات الصعبة والمزدحمة. كما تناول فى حديثه أسباب ودوافع الكتابة داخل المعتقل، والتى تمتلث بحالة من الإرهاق والتعب والظلم والاضطرار والقمع.. «نحن فى هذا العالم رواة قصص، ننتظر الفرصة وعلينا إيجادها لنقول ما لدينا» 
ووجهت د. دينا حشمت السؤال مرة أخرى لباسم خندقجي، حول تكوين مشروعه الإبداعى من داخل الأسر، وطريقته فى رسم الشخصيات فى أعماله الروائية، ومنها مشروعه ثلاثية المرايا، والتى بدأت بالجزء الأول «قناع لون السماء» وجزء ثالث، سوف يصدر قريباً بعنوان «فراشات مريم الجليلية». 
وقال خندقجى: إن كتابته تعتمد بشكل أساسى على تحويل الأسر إلى موقع ثقافي، يستطيع من خلاله الإطلالة على العالم، بإعادة بلورة خطاب إنسانى وأخلاقي. ذو بعد كونى يتعلق بالفلسطينيين. وأكد أنه رفض دخول السجن إلى عالمه الداخلي، حتى يستطيع أن يكتب من السجن وليس عنه. كما تناول حديثه تجاربه الأولى مع الكتابة، من خلال النصوص الشعرية، إلى إن توصل بأنه ليس بشاعر، وواصل سعيه لاكتشاف ذاته مع الكتابة بتجارب أخرى، إلى أن وجد نفسه مع كتابة الرواية، والمقالات الفكرية المتعلقة بتوضيح المفهوم الكولونيالي، من خلال أدب الاشتباك، وكتابة ما يُعيد تشكيل ملامحنا الإنسانية، وما ولدنا عليه من رحم النكبة.
وأوضح خندقجى أن النص السردى المفتوح للرواية يُشكل بالنسبة له طوق النجاة، وأنه على هذا ذهب إلى كتابة الرواية التاريخية، وأنتج روايته «مسك الكفاية» سيرة سيدة الظلال الحرة، وهى محاولة لمواجهة الواقع الصعب بالبحث فى التاريخ عن بعض الإجابات، ثم رواية «خسوف بدر الدين» وصولاً لتدشين الكتابة المشتبكة، من خلال ثلاثية المرايا، وتأسيس البحث والكتابة ضمن مفهوم «أدب الاشتباك» الذى يستند إلى أدب المقاومة الفلسطينى.
لكن خندقجي، وحسب كلامه، يسعى أيضاً لتطوير مفهوم الثقافة والأدب الفلسطينى والعربى، من خلال الاشتباك مع مضامين المعرفية الصهيونية، واختراق هذه المعرفة، وتسيلط الضوء على أهم مضامينها الفاشية والعنصرية، وأكد خندقجى أن من بين ما ساعده فى ذلك: تخصصه وحصوله على درجة الماجستير فى الدراسات الإسرائيلية، بإشراف الأسير المناضل د. مروان البرغوثي، الذى يصارع سياسات الاستعمار داخل السجون. 
كما علقت د. دينا حشمت، حول كتابة ناصر أبو سرور، وتوظيفه للخيال والتأمل مع الكتابة والإرادة الفردية، بالإضافة للنص العابر للأنواع فى «حكاية جدار» والذى جمع ما بين الشعر والرواية، وإيجاد علاقة حميمية مع الجدار، وتجاوز شروط حدود المكان، أى السجن. يصف ابو سرور ذلك بقوله: «كنت قد تيقنت منذُ أشهر اعتقالى الأولى بأن هذا الجدار سيكون رفيقى فى مشوارى القادم والطويل، وهو ما دعانى إلى القيام من جلوسى والالتصاق به كاتباً عليه أول ما صدر عنى من كتابة، حين رُحت أخط عليه عبارة: وداعاً يا دنيا». وتلك كانت أول عبارة يكتبها أبو سرور، من خلال جدار زنزانته رقم 24 فى معتقل التحقيق».
وتحدث الكاتبان ناصر أبو سرور، وباسم خندقحي، عن علاقة كل منهما بالشهيد الأسير الكاتب وليد دقة حيث وصفا شخصيته بـ"العبقرية، والمتفردة بالفكر والإرادة» وتحدثا عما كان يشغله فى مجال الكتابة الفكرية والتحليلية والفنون، وما كان يشغله فى دروس الفلسفة، والبحث فى المجالات المعرفية والثقافية والإنسانية المتعلقة بمكونات الحياة الفلسطينية، فى الوطن والشتات والسجن والمخيم، وصفهما لملامح شخصيته «بالعاشق الجميل والمرح والمبتسم والمعلم» كما قرأ باسم خندقجي، مقطعاً من سيرته الذاتية «بائع التذاكر» لمشهد يدور بينه وبين أمه الراحلة فى زمن أسر وليد، ولايزال جثمانه قيد ثلاجة الاحتلال. كما قرأ ناصر أبو سرور، قصيدته الشعرية بعنوان «فى الثلاجة» والتى كتبها داخل المعتقل، عن وليد دقة والأسرى الذين اسُتشهدوا داخل المعتقلات قبل إنهاء أحكامهم. 
وأختتمت الندوة التى تشكلت فى إنتاج حوارية مفتوحة، بكلمة للسيدة رنا ادريس، صاحبه دار الآداب ورئيسة إدارتها، فى ما يتعلق بالإنتاج الإبداعى والأدبى ، لكل من: وليد دقة، وناصر أبو سرور، وباسم خندقجي، وعلقت بالقول: يُعد ذلك انتصاراً حقيقياً لدار الآداب، بعد مشوار طويل من العمل على هذا المنجز الثقافى ونشره، لأهمية ما تحمله أعمالهما من درجة عالية من الإبداع، وما تتضمنه نصوصهما الأدبية من معانٍ، ومن تفاعل نحو بناء ذاكرة إبداعية، ومع أى حدث نعود لنتذكر ونتعلم من هذه النصوص التى كتبها الأسرى من داخل جغرافيا السجن.
 

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة