نازلى مدكور
نازلى مدكور


نازلى مدكور: «أنشودة الأرض» .. سيرة فنية بامتياز

أخبار الأدب

الأحد، 26 أبريل 2026 - 09:30 ص

منى عبد الكريم 

فى مسيرة تمتد لأكثر من أربعة عقود، منذ بداياتها فى الثمانينيات انحازت الفنانة نازلى مدكور إلى صوتها الداخلي، اختارت أن تخوض مغامرة الفن بوصفه كشفًا مستمرا، كانت نازلى تُعيد اكتشاف الأرض… مرة كحديقة داخلية، ومرة كأثر باقٍ فى الذاكرة، ومرة كطاقة خفية تسرى بين اللون والملمس. 

فى أعمالها، لا تتعامل مع الزهور بوصفها موضوعاً، ولا الأرض باعتبارها مكاناً، بل يتحولان إلى لغة، وإلى وسيلة للتأمل فى أسئلة أشمل عن الجذور، والهوية، والتحولات، وعن تلك المسافة الغامضة بين ما نراه وما نشعر به. ومن «عودة عشتار» إلى «أثير الأرض» مرورًا بـ «تأملات»، تتبدل المفردات، لكن يظل البحث قائمًا... بحثًا عن معنى يتشكل فى لحظة الاقتراب من المسطح.

ولذا فى معرضها الأخير الذى تستضيفه قاعة «الزمالك للفن» اختارت مدكور «أنشودة الأرض» عنواناً لتروى به سيرتها الفنية بجمل بصرية ترتبط بسرد ما يكمن داخلها لتمنح المتلقى تجربة فريدة للاقتراب من رحلتها... إذ يضم المعرض مختارات من أعمال الفنانة التى تمثل مختلف مراحلها الفنية، ليشكل بذلك «سيرة فنية» متكاملة تعكس تطور اللغة التشكيلية لديها والذى تحدث عنه الدكتور مصطفى الرزاز قائلاً: إن المعرض يعتبر فرصة نادرة للذواقة والدارسين للفن، لأن تجربة نازلى مدكور تتسم بالثراء والنزعة التجريبية فى موضوعات التعبير وصياغاتها، والقضايا التى دعمتها حول المرأة، وتوظيف ملكاتها التجريبية فى فن الكتاب ومصاحبة النصوص الأدبية والفكرية، وتجاربها فى التعامل مع مسطحاتٍ متعددة، منها: الكانفاس والورق والبردى وغيرها من الخامات. 

 ومع تكريمها مؤخرًا بحصولها على جائزة الدولة للتفوق فى مجال الفنون 2025، ثم تكريمها من قبل السيدة انتصار السيسى ضمن مجموعة مُميزة من رموز المرأة خلال احتفالية «المرأة المصرية أيقونة النجاح» التى نظمها المجلس القومى للمرأة بمناسبة اليوم العالمى للمرأة - يبدو هذا المشوار وكأنه يصل إلى لحظة تقدير تكشف عمق تجربتها وامتداد تأثيرها.

فى هذا الحوار، نعود معها إلى البدايات، وإلى «الأرض» كمفهوم، وإلى التحولات التى شكّلت مسيرتها. نقترب من نازلى مدكور الفنانة التى بدأت رحلتها من الاقتصاد والسياسة، وانفتحت على عالم اللون والتجريد والبحث الدائم عن المعنى.

إذا بدأنا من عنوان المعرض الحالى.. لماذا جاء اختيار «أنشودة الأرض» مقترناً بالسيرة الفنية؟
لأن الحديث عن الأرض يأخذنا إلى البداية.. فقد دخلت إلى الفن متأخرة نسبيًا؛ كان عمرى وقتها حوالى 33 عامًا، بعد خبرة طويلة فى مجال مختلف تمامًا، فقد كانت آخر وظيفة لى خبيرة اقتصادية بمركز التنمية الصناعية بجامعة الدول العربية. لم تكن لديّ خلفية فنية حقيقية سوى حب الرسم؛ فكنت أرسم فى أوقات الفراغ، لكن عندما بدأتُ أتعامل مع الأمر بجدية أكبر تغيّر المنظور تمامًا. بدأت أدرس تاريخ الفن بشكل منهجي، ثم التحقت بدورة فى تاريخ الفن فى الجامعة الأمريكية كانت تُدرّسها ليليان كارنوك، وقرأت بشكل مكثف فى تاريخ الفن وفلسفته وفى النقد الفني. 
تدريجيًا، اكتشفت أن هذا هو ما أريد أن أفعله وأن أكرّس حياتى له. وقتها كان لديّ شعور بأننى غير مؤهلة بما يكفي، لأننى من خارج المجال الفني، ولم أحصل على دراسة أكاديمية تقليدية فى الفن، فقررت أننى سوف أتعلم من المنبع، من المصدر الأم، من الطبيعة نفسها. شعرت أن الأرض، بكل ما تحمله من تفاصيل، بإمكانها أن تكون معلمى الحقيقي. وخلال السنوات الأولى، قمتُ برحلات واسعة داخل مصر، خاصة إلى الواحات: البحرية، الفرافرة، الداخلة، الخارجة، وسيوة. كما زرتُ الأقصر وأسوان والمنيا، إضافة إلى العريش وسيناء. هذه الرحلات صنعت علاقتى العميقة بالأرض. وأنا بطبيعتى أحب الصحراء، وأحب عزلة الواحات؛ فيها حالة خاصة من الهدوء والنمو الداخلى فى آنٍ واحد. 
كذلك اهتممتُ كثيرًا بملمس الأرض، بملمس الجدران الطينية، بآثار يد الإنسان على المكان. كان يلفتنى هذا التداخل بين الطبيعة والإنسان. أتذكر أن أحدهم قال لى يومًا: «أنتِ قاهرية، ملكيش علاقة بالريف». لكن الحقيقة أننى عشتُ هذه التجربة فى طفولتي، فقد كان جدى من أبو كبير فى الشرقية، وكان يمتلك أرضًا هناك، وكنا نقضى شهرًا كل عام فى الريف. عشت تفاصيل الحياة اليومية: البيوت، الحيوانات، الحقول، جمع القطن، قطف الفاكهة. لم تكن تجربة عابرة أو مشاهدة من بعيد، بل عشتها بشكل حقيقي. كانت هذه التجربة جزءًا من حياتي، فأصبحت مُحمّلة بنوع من الحنين (النوستالجيا)، وهو ما جعل ارتباطى بالأرض أعمق وأكثر حساسية.
ولكن كيف اختلف حضور «الأرض» فى أعمالك عبر المراحل المختلفة؟
لأن كل مرحلة كان لها مدخل مختلف.. فمثلاً حين اشتغلتُ على وجوه المرأة فى فترة من الفترات، كان ملمس الوجوه ملمساً خزفياً أقرب إلى الفخار أو الخزف؛ كأن الوجه نفسه قطعة من الأرض. كان هناك إحساس واضح بأن المرأة هى امتداد للأرض، أو تجلٍ لفكرة «الأم الأرض»، وهو ما منح هذا التناول بعدًا فلسفيًا يتجاوز الشكل إلى المعنى. لذا فإن موضوع المرأة لم ينفصل عن الأرض. ثم جاءت مرحلة أخرى اتجهتُ فيها إلى الأرض من منظور أقرب إلى الجيولوجيا؛ اشتغلتُ على فكرة «داخل الأرض»، وطبقاتها، وبدايات تشكّلها، حتى لحظة الانفجار العظيم. بعض الأعمال فى تلك المرحلة كانت تحاول استحضار نشأة الأرض، وما تحمله من طاقة أولى كامنة فى كل مرحلة، كان هناك دائمًا نوع من العودة إلى الأرض أو استدعائها، سواء بشكل مباشر أو كمرجعية كامنة. حتى فى عناوين المعارض، يتكرر هذا الحضور: «نداء الأرض»، «أثير الأرض» وغيرها من العناوين التى تستدعى المفهوم نفسه، وكأن الأرض هى الخيط الخفى الذى يربط التجربة كلها. 
فى مرحلة الورود مثلا، كنتُ أبحث عن إدخال التجريد بشكل أكبر فى العمل. أحد أهم القرارات التى اتخذتها وقتها كان إلغاء خط الأفق.. وإزالته فتح لى مساحة حرية كبيرة، وجعل اللوحة كلها مجالًا مفتوحًا للتجريب، دون التقيد بتقسيم تقليدي. فى تلك الفترة، كنتُ مشغولة أيضًا بفكرة تدهور الأرض أو تآكلها، فظهرت الورود كنوع من المقاومة أو التعويض، كأننى أحاول أن «أغذي» الأرض بصريًا، أو أستعيد حيويتها عبر اللون.
فى مرحلة أخرى، بدأتُ أشتغل على فكرة «العودة إلى الأرض»، لكنها لم تكن عودة موضوعية فقط، بل كانت عودة شخصية لي، إلى بداياتى وإلى جذورى الأولى. جاءت هذه المرحلة فى ظل ما يشهده العالم من تحولات قاسية؛ حروب، وتدهور واضح للطبيعة فى كثير من الأماكن، سواء بفعل التقدم غير المتوازن أو الحرائق التى تلتهم الغابات وغيرها أو الصراعات. وسط كل ذلك، شعرتُ برغبة قوية فى التمسك بالأرض، وكأننى أحاول الحفاظ على شيء يضيع أمامنا. انعكس هذا الإحساس على الأعمال، فظهرت فيها طاقة مشحونة. بعض اللوحات حملت قدرًا من العنف أو الخشونة، رغم أنها تظل ضمن إطار الطبيعة أو التجريد. لكنه عنف ليس سلبيًا بقدر ما هو «عنف تأكيدي» يعبّر عن وجود الأرض وصمودها، رغم ما يُمارَس ضدها من عنف وضغط.
ولذا يمكن القول إن الأرض أخذت أشكالاً مختلفة. لم تعد مجرد موضوع، بل أصبحت حالة بصرية أكثر تجريدًا، أحيانًا تتجلى فى تكوينات أقرب إلى الجبال أو الطبيعة المفتوحة، لكن بروح مختلفة عن البدايات. وفى المقابل، كان هناك بعد آخر موازٍ، أستطيع أن أصفه بأنه «منطقة راحة» فالأرض بالنسبة لى كانت دائمًا الأمان الذى أعود إليه.. عودة إلى الإحساس بالراحة فى الطبيعة، ليس كواقع خارجى بل كمساحة أصنعها بنفسى - طبيعة خاصة بي، ألجأ إليها، وتمنحنى نوعًا من الطمأنينة.
مع هذا التحول الواضح فى تناولكِ لمفهوم الأرض، هل انعكس هذا التحول على معالجتكِ التشكيلية، خاصة فيما يتعلق بالخامات والملمس؟ 
بالطبع.. فى البداية كان اهتمامى بالأرض مرتبطًا بملمسها المادي، وبالأثر الإنسانى عليها، لذلك كان من الطبيعى أن ينعكس هذا على استخدامى للخامات بشكل كثيف ومباشر، فكنت أشتغل على سطح اللوحة وكأنه امتداد حقيقى للأرض نفسها، باستخدام الرمال والعجائن وورق البردي، لكن مع تطور التجربة، خاصة عندما دخلت فى مرحلة الورود، بدأ اهتمامى يتحول نحو فكرة «العفوية» فى الأداء. كنت أبحث عن حالة أكثر تحررًا فى التعامل مع اللون، وعن تدفق مباشر للشحنة التعبيرية، وهنا بدأت أكتشف أن الخامات الثقيلة قد تعيق هذه الحالة، لأنها تتطلب تركيزًا تقنيًا يفصلنى عن لحظة التلقائية. ومن هنا، بدأ استخدام بعض الخامات يتراجع تدريجيًا، أصبح تركيزى على توازن العمل مع عفويته، لأن العفوية كذلك تحتاج إلى وعى وتمرس.
ومع العودة مرة أخرى إلى الطبيعة، عادت الملامس للظهور، ولكن بشكل مختلف. لم أعد أستخدم خامات خارجية كما فى السابق، بل أصبحت أستخرج الملمس من داخل اللون نفسه، من خلال الأكريليك، ومن خلال الضغط على سطح اللوحة وبناء الطبقات. بمعنى أن الخامة لم تختفِ، لكنها تحولت من عنصر مضاف إلى جزء من التكوين.
وهذا يرتبط أيضًا بتطور التجريد فى أعمالي؛ فى البداية كان التجريد أقرب لما أراه فى الطبيعة، أما الآن فهو نابع من داخلي، من إحساسي. لم أعد أرسم الأرض كما هي، بل كما أختبرها شعوريًا.
مرة أخرى إذا نظرنا لمفهوم التحولات عبر التجربة وعدنا إلى نقطة البداية، إلى لحظة التحول من الاقتصاد إلى الفن، هل فكرتِ يومًا: لو عاد بكِ الزمن، هل كنتِ ستختارين دراسة الفن من البداية بدلًا من خوض هذه الرحلة؟
الحقيقة أننى فكرتُ فى هذا السؤال. دعينى أقول اننى عندما أنهيتُ دراستى المدرسية، كنتُ أميل إلى دراسة الفنون الجميلة، لكن أسرتى شجعتنى على الالتحاق بإحدى «كليات القمة» بالنظر للجانب العملى فى الحياة، وباعتبار أن الفن شيء جميل يمكن ممارسته فى أوقات الفراغ، وقتها اقتنعتُ بهذا الطرح. لكن هذا المفهوم تغيّر لاحقًا، عندما بدأتُ أقرأ وأدرس تاريخ الفن وأتأمله بعمق. حينها فقط أدركتُ أن الفن مجال شديد الثراء يحتاج لتركيز وتفرغ. قبل ذلك، كنتُ أزور المتاحف وأتأمل الأعمال الفنية، لكننى لم أكن أراها بنفس النظرة التى أصبحت لديّ لاحقًا.
اليوم، وبعد هذه الرحلة، أستطيع أن أقول إننى لن أغيّر هذا المسار. التجربة كانت ضرورية جدًا بالنسبة لي؛ لأنها صقلت شخصيتي، وجعلت دخولى إلى الفن قائمًا على اختيار واعٍ، وعلى التزام حقيقي. ربما لو كنتُ درست الفن منذ البداية، لما كان لديّ نفس الإصرار أو نفس العمق فى التجربة. كونى دخلتُ المجال فى مرحلة عمرية لاحقة، وبقرار واضح، جعلنى أبذل مجهودًا أكبر، وأتعامل معه بجدية مضاعفة. خاصة أننى كنتُ قادمة من خارج المجال الفني، وهو ما فرض عليّ أن أعمل أكثر، وأن أثبت نفسى بشكل مختلف. لذلك، أنا سعيدة بهذا المسار كما هو، وبالطريقة التى تطور بها.
ولكن هل هناك لحظة حاسمة شعرتِ فيها أنكِ اتخذتِ القرار النهائى بأن تكونى فنانة؟
لا أستطيع أن أقول إنها كانت لحظة واحدة حاسمة، بل كانت لحظات تراكمية. لم تكن أشبه بمصباح أضاء فجأة، بل نتيجة مجموعة من التجارب والمشاعر المتراكمة. أولًا، كان هناك اكتشافى لعالم الفن نفسه، وما فتحه لى من شغف ورغبة فى التعلم. ثم جاء أول معرض لي، والذى لاقى قبولًا جيدًا، ليس فقط من الجمهور، بل من فنانين أيضًا. أتذكر أن حامد ندا حضر المعرض، وكذلك عدد من الفنانين الآخرين، وكان لديهم انطباع إيجابي، وأشاروا إلى أن لديّ مدخلًا مختلفًا فى العمل. هذا القبول منحنى قدرًا من الثقة، وشجّعنى على الاستمرار. لكن الأهم من ذلك كله كان شغفى بالتعلّم. أنا بطبيعتى أحب اكتساب معارف جديدة؛ فكنت دائمًا فى حالة بحث. 
فى الفترة الماضية حصلتِ على تكريمين مهمين؛ جائزة الدولة للتفوق، ثم تكريمكِ فى احتفالية يوم المرأة. وبعيدًا عن السؤال التقليدى حول شعورك لحظة التكريم، هل ترين بالفعل أن التكريمات تمثل لحظة مختلفة فى مسيرة الفنان، خاصة إذا كان التكريم رسمياً من خلال جوائز الدولة؟
فى الواقع أنا دائمًا أرى أن الفنان مُكرَّم بعمله نفسه؛ لحظة الرضا أثناء العمل، والإحساس الذى تمنحه اللوحة للفنان، هى الجائزة الحقيقية. ولذا لم أنظر يومًا إلى التكريم كهدف، ولم يكن ضمن ما أسعى إليه، كما أننى بطبيعتى لا أميل لفكرة المنافسة أو الدخول فى مقارنات، لأننى أرى الفن تجربة فردية بالأساس.
لكن فى الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن للتكريم الرسمى معنى مختلفاً، خاصة عندما يأتى بعد مسيرة طويلة من العمل دون التفكير فيه. هنا يتحول إلى نوع من التقدير، وإحساس بأن هذا الجهد قد تم تقديره. وفى حالة جوائز الدولة تحديدًا، يكون للأمر دلالة خاصة، لأن الاختيار يأتى من خلال شخصيات أكاديمية وثقافية، والترشيح جاء بالنسبة لى من جامعة الإسكندرية هو ما يمنحه ثقلًا ومعنى.
أما تكريم يوم المرأة، فقد كان مفاجأة بالنسبة لي، فلم أكن أتابع هذه الفعاليات عن قرب. لكننى وجدت فيه لفتة مهمة بتكريمى كفنانة تشكيلية، لأنه شمل مجال الفن التشكيلي، وهو ما أسعدني، رغم وجود العديد من الفنانات غيرى اللاتى يستحققن هذا التكريم. وكان من دواعى التقدير أيضًا أن يتم هذا التكريم فى احتفالية رسمية، وأن أتسلمه من السيدة انتصار السيسي، قرينة رئيس الجمهورية، وهو ما أضفى على اللحظة طابعًا مُميزًا.
تكريمكِ فى يوم المرأة يعيدنا إلى ارتباطكِ بالمرأة ليس فقط كموضوع بصرى داخل اللوحة، ولكن كقضية فكرية شغلتكِ عبر الندوات والكتابات أيضًا، ومنها مشروعكِ المبكر فى كتاب «المرأة المصرية والإبداع الفني» بالتعاون مع د. نوال السعداوي، ولماذا ظل موضوع المرأة حاضرًا لديكِ بهذا الامتداد، فكريًا وبصريًا؟
اهتمامى بقضية المرأة بدأ مبكرًا جدًا، وكان حاضرًا عندى قبل أن يتبلور بشكل واضح داخل العمل الفنى أو الكتابة. وعندما طلبت منى د. نوال السعداوى أن أقوم بإعداد كتاب عن الفنانات المصريات، شعرت بتردد كبير لأننى فى ذلك الوقت كنت أرى نفسى ما زلت صغيرة على مشروع بهذا الحجم. لكن حين قالت لى بوضوح إن هذا المشروع إذا لم أقم به قد لا يُنجز، جعلنى أشعر بمسئولية حقيقية، ليس فقط تجاه نفسي، ولكن تجاه الفنانات أيضًا، وتجاه فكرة توثيق حضورهن. ومن هنا بدأت أفكر فى صيغة مختلفة للكتاب، فطلبت من كل فنانة أن تكتب بنفسها صفحة عن تجربتها، لتكون شهادة مباشرة وغير متدخَّل فيها. وهذا فى رأيى كان من أهم ما يميز الكتاب، لأنه حفظ أصواتهن كما هي، فى وقت لم تكن فيه أدوات التوثيق متاحة كما هى الآن.
وخلال العمل على الكتاب، اكتشفت عددًا كبيرًا من الفنانات، وتكوّنت بينى وبينهن علاقات إنسانية قريبة، من خلال الزيارات والحوارات، وهو ما كان مهمًا جدًا فى بداياتي.
انطلاقًا من رصدكِ المبكر لحضور الفنانات فى كتاب «المرأة المصرية والإبداع الفني»، كيف ترين تحولات المشهد التشكيلى اليوم، خاصة فيما يتعلق بمشاركة المرأة واستمرارية تجربتها؟
شهد المشهد التشكيلى تحولات كبيرة منذ أن عملت على كتاب «المرأة المصرية والإبداع الفني» فى أواخر الثمانينيات وحتى اليوم. فى تلك الفترة مثلا كان حضور الفنانات محدودا نسبيا فى بعض المجالات مثل النحت، حيث لم أجد سوى فنانة واحدة تقريبًا يمكن أن تُدرج ضمن الكتاب، وهو ما عكس طبيعة المرحلة. كذلك رغم وجود عدد من الفنانات النشيطات وقتها، فإن كثيرًا منهن لم يستمرن فى مسيرتهن، ليس بسبب نقص الموهبة أو القدرة، بل نتيجة ظروف اجتماعية وثقافية ضاغطة، خصوصًا فى السبعينيات والثمانينيات، حين كان يُطلب من المرأة أن تقدّم أدوارها الأسرية على أى مسار مهنى أو إبداعي.
أما اليوم، فالصورة مختلفة تمامًا. هناك حضور قوى وفاعل للفنانات فى مختلف مجالات الفن التشكيلي، بما فيها مجالات كانت شبه مغلقة فى الماضي. أصبح لدينا عدد كبير من النحاتات، وتجارب متنوعة، واستمرارية أوضح فى المسار الفني. وهذا يعكس تحولًا حقيقيًا فى وعى المجتمع، وفى قدرة الفنانة على الاستمرار وتأكيد حضورها.
وأعتقد أن هذا التطور يُبرز أيضًا أهمية التوثيق. فهناك تجارب كان يمكن أن تضيع أو تُنسى لولا محاولات تسجيلها. بالنسبة لي، كان الكتاب خطوة فى هذا الاتجاه.
حضور المرأة فى تجربتكِ لم يتوقف عند الكتاب ولا فى أعمالك التشكيلية فحسب بل امتد أيضًا إلى محاضراتك مثل «الفن مؤنثًا التجربة البصرية» وهو عنوان وجدته جاذباً وأردت أن نتحدث عنه؟
كنت دائمًا حريصة، خاصة فى محاضراتى خارج مصر، على إبراز أن الفنانات المصريات كنّ جزءًا أصيلًا من الحركة الفنية الحديثة منذ بداياتها لاحقة. هذه القناعة جاءت من البحث والتوثيق، حيث وجدت أن المرأة المصرية كان لها بالفعل حضور مهم فى الفنون عبر التاريخ كلما أُتيحت لها الفرصة. وفى الفن التشكيلى الحديث تحديدًا، كان لافتًا أن المرأة دخلت مبكرًا نسبيًا، لأن هذا المجال نشأ حديثًا.. بالنسبة لي، المرأة لم تكن مجرد موضوع داخل اللوحة، بل كانت وما زالت موضوعًا فكريًا وإنسانيًا، مرتبطًا بفكرة الحضور والتعبير، ومحاولة إعادة قراءة هذا الحضور بشكل أكثر وعيًا.
من كتاب «المرأة المصرية والإبداع الفني» ننتقل إلى كتاب آخر بنوع جديد من التحدى وهو كتاب «ليالى ألف ليلة» لنجيب محفوظ، حيث قدمتِ المعالجة البصرية له، وهى تجربة تبدو مغايرة لمساركِ التشكيلي. كيف خضتِ هذه التجربة؟ 
 هذه التجربة جاءتنى وأنا مترددة جدًا فى البداية، حيث كانت دار النشر الأمريكية «ذا ليمتد إيدشنز كلوب» تعمل على إصدار فاخر من كتاب ليالى ألف ليلة لنجيب محفوظ، وهى مؤسسة عريقة تأسست عام 1929 فى نيويورك ومتخصصة فى إصدارات الكتب الأدبية المصحوبة بأعمال فنية بنسخ محدودة وموقعة من الكاتب والفنان، طلبت أن يتولى فنان تقديم المعالجة البصرية للعمل. شعرت وقتها أن الموضوع كبير جدًا، وقلت إن هذا عمل له أهله، خاصة فنانى الجرافيك، فضلًا عن أننا نتحدث عن نجيب محفوظ، فالمسئولية مضاعفة.
لكن فى الوقت نفسه، كان هناك تحدٍ. فاتفقنا على أن أقدّم تجربة أولية، وإذا لم تعجبهم يمكنهم البحث عن فنان آخر. بالفعل بدأت أجرب، واخترت أن يكون المدخل من خلال الشخصيات، وقدمتها بروح قريبة من المنمنمات العربية، وهو أسلوب مختلف تمامًا عن طريقتى المعتادة فى الرسم. وعندما أرسلت لهم التجارب، أعجبتهم وطلبوا منى استكمال المشروع. أنجزت مجموعة من الرسوم الأصلية، وقاموا بطباعتها بتقنية «جيكلاي». تم اختيار سبع لوحات لتكون داخل الكتاب نفسه، بينما طُرحت عشر لوحات كأعمال منفصلة فى صورة «بورتفوليو» مستقل، تُعرض وتُقتنى كأعمال فنية قائمة بذاتها. 
أما بالنسبة للتحدى الأكبر فى هذه التجربة فيتمثل فى كونى أنا بطبيعتى أعمل بحرية، من دون ارتباط بنص، بينما هنا كنت أمام نص أدبى كبير، وكان لا بد أن أجد طريقة أكون فيها حاضرة كفنانة، دون أن أفرض قراءة مباشرة على النص. لذلك قرأت العمل أكثر من مرة، وقرأت أيضًا ألف ليلة وليلة الأصلية، لأفهم كيف تناول نجيب محفوظ الشخصيات وأعاد توظيفها. وفى النهاية، قررت أن أتعامل مع الشخصيات نفسها، لا مع الحكاية بشكل مباشر، كما فعل هو، فصار هناك نوع من التوازى بين المعالجة الأدبية والمعالجة البصرية. كانت تجربة مختلفة تمامًا عن مساري، لكنها فتحت لى أفقًا جديدًا فى التفكير فى العلاقة بين النص والصورة، وكيف يمكن للفنان أن يحتفظ بصوته حتى وهو يعمل داخل إطار محدد.
الآن دعينا نتحدث عن الكتاب الرفيق.. خاصة مع معرفتى أنكِ قارئة نهمة وأن مكتبتك عامرة بمختلف الكتب، أحب أن أتعرف على أهم الكتب التى ساهمت فى صياغة رؤيتكِ ومساركِ التشكيلي؟
القراءة بالنسبة لى كانت دائمًا رفيقًا أساسيًا فى تكوين تجربتى الفنية والفكرية. قرأت كثيرًا فى فلسفة الجمال، بدءًا من كتابات شارل بودلير الذى يُعد من أوائل نقاد الفن الحديث، وصولًا إلى النقد الفنى الأمريكى الذى اهتممت فيه بكتابات كليمنت جرينبرج وتلامذته. هذه القراءات ساعدتنى على تكوين فهم أعمق للفن، وأتاحت لى القدرة على استيعاب الفنون التى قد تبدو صعبة الفهم للوهلة الأولى.
كنت مهتمة دائمًا بتتبع الظروف التى أدت إلى ظهور مدارس فنية بعينها، مثل التعبيرية التجريدية فى أمريكا، وما ارتبط بها من عوامل سياسية وجيوسياسية، وتأثير الحروب العالمية على نشوء اتجاهات فنية جديدة. أحب أن أقرأ كيف تكوّنت هذه الحركات، وما الذى دفع الفنانين إلى إنتاج فن بهذا الشكل، خاصة وأن كثيرًا منهم كانوا مرتبطين بالتيارات الفكرية والسياسية فى بلدانهم.
أما أحدث ما قرأته، فكان خارج مجال الفن التشكيلي.. رواية «مائة عام من العزلة» لجابرييل جارسيا ماركيز، التى أرهقتنى وأمتعتنى فى الوقت نفسه بسبب كثافة الشخصيات والحالة السريالية التى تميزها. قرأتها من قبل، لكن عندما عدت إليها مؤخرًا شعرت وكأننى أقرأها لأول مرة. كما أحرص على قراءة أعمال حديثة لكتاب عالميين مثل: كازو إيشيجورو اليابانى وغيره من كبار الأدباء الحاصلين على جوائز عالمية.
وعادةً ما أخصص ساعة ونصف الساعة إلى ساعتين يوميًا للقراءة، فهى بالنسبة لى ليست مجرد هواية، بل رفيق دائم يثرى تجربتى الفنية ويغذى رؤيتى الإبداعية.. 
إذا انتقلنا من الكتب إلى اللوحات، أو لنقل إلى الأعمال الفنية عمومًا، ما هى الأعمال التى تحبين اقتناءها أو من هم الفنانون الذين ترغبين فى أن تكون أعمالهم ضمن مقتنياتك؟
أنا بطبعى لا أميل كثيرًا إلى فكرة الاقتناء. أستمتع بالعمل الفنى فى لحظته، وأشعر أننى «اقتنيته» بمجرد أن رأيته وتأثرت به. بالنسبة لي، الجمال يكفى أن يدخل إلى داخلى من دون أن أحتاج إلى امتلاكه ماديًا. أحيانًا أرى أعمالًا عظيمة فى المتاحف أو المعارض، وأخرج منها بطاقة كبيرة، لكن لا يخطر ببالى أن تكون ضمن مقتنياتي.
ما يسعدنى حقًا هو أن أرى أعمالًا أشعر تجاهها بالتقدير، مثل: اللوحات البانورامية الكبيرة لكلود مونيه، خاصة تلك التى رسم فيها الكنيسة فى أوقات مختلفة من اليوم أو لوحات زنابق الماء. هذه الأعمال تمنحنى إحساسًا بالعظمة، فأجلس أمامها وأستمتع بها، من دون أن أفكر فى امتلاكها. كذلك هناك أعمال لفنانين آخرين تمنحنى طاقة مختلفة، مثل أعمال الفنان كيف، وأيضًا أعمال للفنان النرويجى بير كيركبي، الذى يعجبنى جدًا.
فى كل فترة أجد نفسى مفتونة بفنان جديد، ثم أعود لأعجب بآخرين، وأحيانًا أرى أعمالًا على الإنترنت وأشعر أنها عظيمة حتى لو لم أعد أراها مرة أخرى. الفن بالنسبة لى طاقة تُؤخذ فى اللحظة، لا حاجة لامتلاكها، بل يكفى أن تُعاش وتُقدَّر.
دعينى أسألك سؤالًا أخيرًا أختتم به هذا الحوار الثري.. بين الماضى والحاضر: ماذا تغيّر؟
 التغيير بالنسبة لى واضح لكن ربما يصعب عليّ أن أضعه فى كلمات دقيقة أو جُمل محددة. أستطيع أن أقول إن لوحاتى الأولى كانت تحمل قدرًا أكبر من البراءة والصفاء، أما الأعمال الأقرب إلى الحاضر فهى مشبعة بانفعالات بعضها يحمل شحنة غضب يعكس ما يحدث فى العالم الخارجي. هذه الانفعالات تظهر على سطح اللوحة دون أن يكون الفنان واعيًا تمامًا بأنه يضعها هناك، لكنها تأتى نتيجة المثيرات التى يعيشها فى العالم الحيط به.. فمثلا فى الفترة الأخيرة، دخل اللون الأسود إلى أعمالي، ومعه درجات قاتمة كثيرة، لتظهر أحيانًا وسطها ومضات لونية زاهية، كأنها محاولة للانفلات من ثقل العالم.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة