مزرعة السلاحف: تجليات الطمأنينة
الأحد، 26 أبريل 2026 - 09:36 ص
أخبار الأدب
أمل سالم
يقع ديوان «مزرعة السلاحف»، للشاعر المصرى عيد عبد الحليم، وهو الديوان الفائز بجائزة أفضل ديوان شعر فصحى، فى دورة معرض القاهرة الدولى للكتاب 2025، فى قرابة الخمسين صفحة، ويحتوى على ثلاثة عشر نصا.
وكعادة الشاعر فى دواوينه فإن عنوان الديوان، بالإضافة إلى عنوان كل نص، يعد مدخلا لغويا ودلاليا إلى آفاق الديوان، وكذا آفاق كل نص من نصوصه الثلاثة عشر. فعنوان «مزرعة السلاحف» مكون من مفردتين، الأولى: مزرعة وهى اسم مكان، والأخرى: السلاحف، وهى كائنات حية من طائفة الزواحف، ومنها ما هو بري، وآخر مائي، وأهم ما يميز هذه الزواحف صدفتها القوية، وحركتها البطيئة، وطمأنينة مسكنها.
ولأن الكتابة عن شيء ما نوعان، فإما أن تكون كتابة خارجية؛ بمعنى أن تستند الكتابة على هذا الشيء دون الدخول فى أعماق تكوينه؛ ذلك لكى تصل إلى هدف الكتاب ذاته، وهذا ما نجده فى نصوص كثيرة تتحدث عن الطيور والحيوانات ومكونات النظام البيئى دون أن يكون الهدف هذا المكون ذاته، وعليه فوجود المتحدث عنه عابر ومطمور فى آخر. والنوع الآخر هو الكتابة يجيء من جوهر المكون ذاته للوصول إلى جوهر الفكرة المفترض الكتابة عنها ومن أجلها.
السلاحف وتمثل الطمأنينة الشعرية
وهنا نجد أن السلاحف ليست حاضرة كاسم فقط، بل هى حالة سيتم البناء عليها للوصول إلى الحالة الكلية للديوان الشعري؛ فصلادة هيكلها، وبطء حركتها، وطمأنينة مسكنها أشياء ممثلة فى نصوص الديوان، فنجد أن هذه السلاحف حاضرة حضورا ماديا فى نصوص الديوان، يقول فى نص «مزرعة السلاحف»: (فتطل السلاحف بعيونها/متخلّية عن قواقعها الحجرية). ويقول فى نص «السلحفاة تخرج من البحر نائمة»: (السلحفاة معلق بأقدامها/أعشاب القاع). وكذلك أيضا هى حاضرة حضورا معنويا؛ ففى مقدمة الديوان، يقول: (السلحفاة ليست هى البطء/البطء/هو أن تشبه خطوتك/نحو السماء/بأثر السلحفاة على الأرض). وكذلك فى نص «مزرعة السلاحف» يقول: (السلاحف تعرف أن الطمأنينة/التى تكمن فى جوف المحطات/مرهونة بعدالة التوزيع).
هذا النوع من الكتابة التى تستحضر جوهر مكوناتها؛ لتصل إلى جوهر إرادة النص، هو أكثر الأنواع التى تتيح للقارئ، بل وتدفعه إلى، استجابة التخيّل والإبحار فى عالم النص وفق منظوره الفكرى ومشاربه الثقافية.
فهنا نجد أن عنوان الكتاب يتعدى حدوده المكانية والزمنية، بل والبيولوجية التى تخص السلاحف ذاتها؛ فمزارع السلاحف فى الحياة ترتبط ببيئات أخرى غير بيئتنا العربية، وهى أيضا تقوم على تربية أنواع معينة تستخدمها بعض الشعوب كغذاء أو لتحضير منتجات بعينها، لكن تناولها، كما جاء فى الديوان، جعل منها حالة، فحين نربط بين الإهداء، إذ يقول: (إلى أمي/المعنى الوحيد للطمأنينة)، وبين حالة السلحفاة، فإن هناك قاسما مشتركا ظاهراً وهو الطمأنينة، فظهر لنا الديوان وكأنه احتفاء بالطمأنينة، وأيضا فى مكان نقى، خال من البشر، يقول فى نص «مزرعة السلاحف»: (السلاحف/تعرف أن الطمأنينة/التى تكمن فى جوف المحيطات/مرهونة بعدالة التوزيع/وحكمة الحياة/التى لم يلوثها بشر).
البطء كوسيلة للنجاة
لكن هناك قاسم آخر مشترك/خفي، بين الأم، التى هى رمز للإنسانية فى نصوص هذا الديوان، فى مرحلة من مراحلها العمرية، وبين السلاحف، وهذا القاسم المشترك هو: البطء، وليس البط فى الحركة فقط بتقدم العمر، ولكن البطء فى التفكير، وفى الاستجابة، وفى اتخاذ القرار...إلخ، فالتروى والتأنى هما سبيلا النجاة لدى الإنسانية المجرِّبة. يقول فى نص «مزرعة السلاحف»: (السلاحف/تعتقد أن البطء/سبل للنجاة/من أى شرك منصوب/من قبل المصطافين/الذين أدمنوا سباقات/المسافات الطويلة).
وقد تناول الروائى الفرنسى «ميلان كونديرا» ذات الحجاج فى روايته «البطء»، وهو أن الإنسان العصرى المولع شغفا بالسرعة، يهجر مزايا البطء، الذى هو أداة لحفظ الذاكرة، ويقول كونديرا:
“The degree of slowness is directly proportional to the intensity of memory; the degree of speed is directly proportional to the intensity of forgetting
وهو يعنى التناسب الطردى- تزايد متزامن- بين درجة البطء، وكذلك بين السرعة والنسيان.
وهنا الشاعر يطور هذا الحجاج، فلا يربط بينه وبين الذاكرة فقط، بل يتعدى به إلى المشاعر والأحاسيس الإنسانية ممثلة فى الطمأنينة، يقول فى نص «مزرعة السلاحف»: (البط –نفسه-/الذى تراه ربات البيوت/جريمة/لذا أدمن وضع السكاكين/فى درج المطبخ/من أجل ذبح الطمأنينة).
وما أشرت إليه من كتابات العمق تتجلى أيضا فى نص «كافكا يخرج من عزلته»، فكتابات كافكا -المرتبطة بالوجودية- تؤكد على الوجود الفردى والحرية والاختيار. ومثلها مثل الوجودية تكافح عبثية الحياة، وتندرج فى البحث عن المعنى، وتركز على مسؤولية الفرد عن خلق غرضه الخاص. ولذا نجد أن مناقشة العبث يبدأ من مطلع النص، حيث يقول الشاعر: (الأسماء كما هي/ما تغير فقط/هو الزمن/الذى سكن خريطة أخرى).
وهذا بالضبط ما يتسق مع فكرة وفلسفة التحول عند كافكا، وهى «تحدى المعنى الاعتيادي»، فتحوَل جريجور إلى حشرة أو مسخ إزاء الفكرة الوجودية التى تشير إلى افتقار الحياة للمعنى.
لذا كان اللجوء للعزلة لإعادة ترتيب مكونات الوجود، وهذه العزلة نتاجها الوحدة، هذا ما نجده بالضبط فى نصوص الديوان، يقول فى نفس النص: (الأسماء كما هي/لكن العزلة يا أبي/أكلت الروح/واحترقت أشجار التوت/فى قلبي/وأنا وحيد/فى هذا العالم). وفى نص «غرفة لا ترى البحر»، يقول: (وصرت –فى النهاية-/نفثة دخان من سيجارة/بفم صياد عجوز/وضع أيامه الأخيرة رهانا/لسفينة لا تأتي/وعاش مبتسما/قرب شاطئ/لا يزوره أحد).
البطء ورفض الأبوية
كما أن الحوار بين الذات الشاعرة والأب، وهو الحوار الذى يُفضى إلى فكرتين فى آن، الأولى: الوقوف مع الأب فى محاولة رفضه، والأخرى: استحالة رفض الأب، فيقول: (صرت ظلا يا أبي/يرجمه العابرون بالنسيان/وأنا الوحيد/الذى أضع صورتك/على مرمى الذكرى).
ونجد أن هذه الحالة تظل تتصاعد داخل نصوص الديوان إلى أن تنتهى بصورة مباشرة عند النص الثامن وهو بعنوان صريح: «موت المؤلف»، وفيه يقول: (فيصرخ بطل العرض:/أوقفوا هذه المهزلة/بينما المخرج نائم/منذ المشهد الأول/فرحا بموت المؤلف).
وهذه الفكرة متأصلة فى الديوان، إذ تضع الذات الشاعرة التاريخ/التراث نفسه تحت المساءلة ومن ثم فكرة رفضه ودحضه وقتله، ففى نص «غرفة لا ترى البحر»، يقول: (تمنيت أن تعيش/فى الممالك التى رسمتَها/فى كراسة الرسم/فى المرحلة الابتدائية/لكن كلما كبرت عاما ازدادت الحروب/.../الباقية من ظلال الأسلاف).
وعلى خلاف ذلك تماما ما نجده فى نص «لا تنظر فى المرآة هذا الصباح»، فنحن بصدد واقع ملوث بالدماء، والطمأنينة قابعة فى الماضى أو التراث، يقول: (دم على المائدة/دم على الكرسي/دم فى الحقل المجاور للبيت/دم يملأ قمصان العائلة/وأنا هارب إلى المدينة البعيدة/أقتفى أثر الأسلاف).
وأمام هذه الازدواجية، وهذا الصراع الماثل على مستوى النص، فالظل الذى هو الأب يُورِّث ظلا، وصوب هذه التماثلية/الاستمرارية وهى أن الظل عندما يكبر يشيخ ويعتريه الضعف وحتمية الرحيل، كان على كافكا أن يخرج من عزلته/الحشرة أو المسخ إلى الانتحار، يقول فى نفس النص: (وأنا –الآن-/أكتب:/كافكا/يموت منتحرا/تحت نافذة/موصدة/من زمن بعيد!).
وهذه الازدواجية المربكة للمشاعر لدى المتلقي، والمحفزة على الاستغراق فى التأمل، ومحاولة إيجاد التبرير وإعمال التأويل، متأصلة حتى فى نهايات النصوص وبدايات ما يليها، فعلى حين يكاد نص «غرفة لا ترى البحر» أن ينتهى بالجملة الآمرة: (أنظر حولك/وحاول أن تقترب من الطمأنينة).
يبدأ النص الذى يليه بعنوان: «لا تنظر فى المرآة هذا الصباح».
ودائما ما نواجه هذه المقاربة الثنائية فى قصائد الديوان، ففى نص «البكاء فى حضرة العائلة»، يقول: (الشعراء على قارعة الطريق/اصطفوا/جيل السبعينيات/جيل الثمانينيات/جيل التسعينيات/وتحت الشجر/المرصوص بعناية على الجانب الآخر/يجلس مشعلو الحرائق/يحتسون الماء المثلج).
إن حالة المقاربة الثنائية التى توجدها النصوص بين حالة السلحفاة وحالة الإنسان عموما، حال السلحفاة وتكييفها مع الطبيعة وشعورها بالأمان دائما، وحالة الإنسان فى الحروب والدمار والفقد، هذه المقاربة هى التى تكسب النصوص الصبغة الوجودية، وتضع نصوص الديوان ضمن القلق الوجودي؛ فالحاضر مقابل الماضي، والحياة مقابل الموت، والطمأنينة مقابل الخوف، فالوجودية فى الأدب لها علاقة وطيدة بالشعرية، والعزلة، والاغتراب، والمأساوية.