عبر 700 صفحة ومستخدمًا 6 أصوات لسرد القصة
الأحد، 26 أبريل 2026 - 10:18 ص
أخبار الأدب
جابرى روديناس - ترجمة: أسامة الزغبي
بدأت فى قراءة رواية «الإنسان» لـ «جييرمو أرياجا» يوم 4 يوليو، (يوم استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا). فعلت ذلك عمدًا وبشيء من الخبث، لأننى كنت أعرف جزءًا من حبكة الرواية ووجدت أنه من اللذة قلب الحقائق رأسًا على عقب والخوض فى هذا التاريخ البديل الذى يفتتح المؤلف نفسه روايته بتعريفه: «إعادة بناء التاريخ بناء على معطيات افتراضية».
وبصورة أكثر وضوحًا، يمكننا أن نوضح مفهوم التاريخ البديل ببعض الأمثلة الخلابة: ماذا كان سيحدث لو لم تختفِ الديناصورات من على وجه الأرض أو لو انتصر هتلر فى الحرب العالمية الثانية (رغم أنه عند التأمل ربما يكونان شيئًا واحدًا). والحقيقة أن أرياجا يبدأ سرده بهذه الملاحظة، وربما يحتوى هذا التفصيل على تحذير للمستكشفين: ماذا كان سيحدث لو اندمجت المكسيك بالكامل فى الولايات المتحدة ككل، بدلاً من أن يفصل بينهما نوع من «الحدود الزجاجية»، فى إشارة إلى رواية كارلوس فوينتيس الكلاسيكية.
من خلال شخصية هنرى لويد الغامضة، وهى شخصية ذات ماضٍ مثير للشك، يتناول جييرمو أرياجا مواضيع مثل: العبودية والنهب والعنف كأصل الرأسمالية فى الولايات المتحدة وكيف أن الثروات العظيمة غالبًا ما تكون مشوبة بالدم والنار (وهما بالمناسبة عنصران حاضران بقوة فى أعمال الكاتب المكسيكي).
بالإضافة إلى ذلك، يتناول الحائز على جائزة الفاجوارا، مواضيع أخرى مثل: الهوية والعلاقات الغريبة والمتوترة بين المكسيكيين والأمريكيين والأباتشى (سكان الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة) على الحدود. وقد تناول هذا الجانب الأخير، وهو الصراع غير المعروف نسبيًا بين المكسيكيين والأباتشي، مؤلفون مكسيكيون آخرون، مثل: ألبارو إنريجى فى رواية «الآن أستسلم»، و«هذه كل شيء»، وإن كان من منظور مختلف تمامًا وأقل عنفًا وفظاظة من عمل أرياجا.
وللقيام بذلك، يخصص المؤلف ما يقرب من 700 صفحة ويستخدم 6 أصوات لسرد قصة تمتد من عام 1815 إلى عام 2024 (جيمس، العبد المحرر؛ وفيرجينيا، المرأة القوية؛ ورودريجو، الشاب المكسيكى الذى يعيش فى تكساس؛ وجيرميا، العبد الذى يرفض التحدث باللغة الإنجليزية؛ وجاك بارلي، عدو هنرى لويد؛ وباحث يحاول إعادة بناء ملحمة لويد من الحاضر. هناك بالطبع مجموعة من الأصوات الثانوية ولكن ليس أقل قوة).
من المهم الإشارة إلى تفصيل فى هذا الصدد: أرياجا يبنى روايته على أساس 6 أصوات، وليس فقط 6 وجهات نظر. وأريد بذلك أن أؤكد أن كل صوت من هذه الأصوات له قواعده النحوية الخاصة، ونمطه، وأسلوبه، ونبرته... بطريقة ما، يبدو هذا العمل —الذى استغرق إنجازه 25 عامًا، وفقًا للمؤلف نفسه— يحتوى على جميع التكنيكات والأساليب الشكلية التى استكشفها أرياجا فى أعماله الأخرى: البُنى غير الخطية، وهى سمة كلاسيكية فى جميع رواياته وأعماله السينمائية (باستثناء، ربما، فى الغريبات؛ التناوب بين ضمير المتكلم والغائب؛ وغياب النقاط، واستخدام الكلمات العامية والمصطلحات المحلية، كما فى رواية «إنقاذ النار»، وبالطبع، ظل الطبيعة البدائية المهيمن، الموجود بالفعل فى أعمال مثل: رواية المتوحش. كل هذا موجود فى رواية «الإنسان» بكثرة.
فى هذا الصدد، تجدر الإشارة، بقدر من الفكاهة والتواطؤ، إلى أن أرياجا فى طريقه إلى تجاوز كاتبه المفضل فوكنر فى التعقيد، الذى يجمع فى روايته «بينما أنا أحتضر» 15 وجهة نظر موزعة على 59 مونولوجًا داخليًا.
ولكن، ينبغى ألا يختلط الأمر على أحد: فبعيداً عن هوس جييرمو أرياجا باللغة، لا تهدف أعماله إلى هذا البعد اللغوي، بل تركز على التاريخ وفن سرد القصص وتطورها. وفى هذا الصدد، يعتبر أرياجا راويًا فريدًا من نوعه. وأقول فريدًا بالمعنى الحرفى للكلمة؛ فشخصيًا، لا أستطيع أن أذكر اسم أى مؤلف معاصر آخر يتمتع بقدرة مماثلة على بناء قصص تجمع بين القوة والمرونة، والصرامة والحب. باختصار، أقبح ما فى الإنسان إلى جانب أنبل ما فيه؛ ما يذكرنا، مستحضرين كلمات برتولت بريخت التى كتبها لمسرحية كورت فايل «ما يبقى البشرية على قيد الحياة»، بأن «البشرية تبقى على قيد الحياة الأفعال الوحشية».
لقد ذكرت أن الرواية تبلغ حوالى 700 صفحة، وأن أسلوب أرياجا بعيد كل البعد عما يمكن تسميته «أدب الاستهلاك». ومع ذلك، فإن الرواية تجذب القارئ منذ الصفحة الأولى ولا تسمح له بتركها فى أى لحظة. الشخصيات آسرة. الفصول قصيرة وتدعو إلى مواصلة القراءة. القصص، الساحرة والقاسية والمكتوبة ببراعة، تثير فى القراء الرغبة فى القراءة. العناصر التاريخية والخيالية، والبراعة الأدبية والسردية، والملاحظات المثيرة للاهتمام والواضحة حول حاضرنا —خاصة حول واقع الولايات المتحدة فى عهد ترامب— تجعل من «الإنسان» رواية عظيمة، وكأنها من عصر آخر ولكنها مُقدرة لأن تصبح كلاسيكية فورية ومؤلفها مرشحًا قويًا لجائزة نوبل للآداب.
بعبارة أخرى، أرياجا يرفع رهانه مرة أخرى، وبالطبع يفوز به.