هل كانت سوزان سونتاج وحشًا؟
لورين إلكين ترجمة: أسماء يس
الأحد، 26 أبريل 2026 - 10:25 ص
أخبار الأدب
يقول الروائى إلياس كانيتي: «أحاول تخيل شخصًا يقول لشكسبير استرخِ!»، وكانت سوزان سونتاج تحب أن تستشهد به. وأنا بدوري، أحب أن أستشهد بسوزان وهى تستشهد به، لأننى أحب أن أضع نفسى فى سياق من يعملون بجدية مفرطة ويأخذون الأمور على محمل الجد.
عندما قرأت كتاب «ضد التأويل ومقالات أخرى» (1966) للمرة الأولى خلال دراستى العليا، وقعت فى غرام أسلوب سوزان الجريء والمتسم بالجدية -وهما تحديدًا ما يجعلان أعمالها حية دائمة وملحة باستمرار. لا تكفى كلمة «حب» لتفسير مدى افتتاني، ولغز التحول الجوهرى الذى دفعها إلى استحضار معالم ثقافية مألوفة -چان لوك جودار، رولان بارت، ڤالتر بنيامين، العروض الفنية، الصور الفوتوغرافية، المشروع النقدى نفسه- وتحويلها لمقالات مبهرة تتحدى الموت. اتخذتها قدوتى الشخصية فى كل شيء. وبطيش الشباب، لم يساورنى شك فى أننى إذا اجتهدت حقًا، وقرأت كل شىء، فسأصل فى النهاية إلى مستوى تألقها وسعة اطلاعها.
لم يكن لدى سوزان سونتاج وقت لذلك التواضع الزائف الذى تربى عليه النساء كلما أبدى أحدهم اهتمامًا بما يفعلن. اشتهرت كناقدة وكاتبة مقالات بفضل جديتها العلنية فى تناولها شتى أنواع الثقافة، من الشعبية إلى الراقية؛ ولرفعها مفهوم «الكامب» إلى مرتبة نظرية جمالية؛ ودعوتها إلى «إثارة الفن» لتحل محل أشكال التفسير المنهجية التى اعتبرتها بديلاً عن النقد البناء: علم الرموز، والتفسير، والماركسية، والتحليل النفسى الفرويدى. لكن شهرتها ظلت راسخة لأن تدقيقها المستمر فى الفن، بالإضافة إلى عملها فى التصوير الفوتوغرافى والمرض والتعذيب، كان بالغ الإدراك، بل وملحًّا أخلاقيًّا، لدرجة أنه منحنا المصطلحات الأساسية التى نفهم من خلالها هذه الظواهر فى سياق ثقافي.
ولدت سوزان فى نيويورك عام 1933. وشعرت فى سنوات تكوينها، بأنها مختلفة عن الآخرين، وخصوصًا عن عائلتها. لاحقًا، صرحت بأنها نشأت محاطة بأشخاص يفتقرون للثقافة؛ ووصفت ذلك بأنه «حكم بالسجن»، متخذة دور المتمردة الهاربة من السجن. وعندما التحقت بجامعة بيركلى فى السادسة عشرة، أعادت بناء شخصيتها من تلك الفتاة المحبة للقراءة من الجنوب الغربي، مستخدمة يومياتها وما قرأته، أو ما أرادت قراءته، لتطوير أفكارها حول الذات والفن والجنسانية. ومثلما كتبت فى مقال عن بنيامين: «الذات مشروع، شيء يبنى» .
بعد زواج تعس من الباحث فيليب ريف، الذى أنجبت منه ابنًا، انتقلت إلى أكسفورد ثم باريس، قبل أن تستقر فى نيويورك. وهناك، اكتشفت عالمًا ممن يقرؤون هيجل، ويرتادون المسرح، ويكتبون فى مجلة «بارتيزان ريڤيو»، وهى أمور كانت بعيدة المنال فى مراهقتها، فاندفعت نحوها بقوة. وظفت شغفها بالتجربة والمعرفة والحوار والتواصل والإلهام فى مختلف المجالات، فكتبت روايات ومقالات وقصصًا ومسرحيات وأفلامًا. لم تنقطع صلتها بالسياسة والنشاط؛ كانت كاتبة ملتزمة، سافرت إلى هانوى خلال حرب ڤيتنام، وترأست منظمة «بين» الأمريكية، وكتبت بلا كلل عن التعذيب والحرب والمسؤولية.
فى سراييڤو عام 1993، خلال حرب البوسنة، قدمت عرضًا لمسرحية «فى انتظار جودو» (1953): بدت لها وكأنها كتبت «لسراييڤو، وعنها» . وكما صرحت للصحفى التليفزيونى الأمريكى تشارلى روز عام 1995: «فى انتظار التدخل الأمريكى… كان الأمر أشبه بانتظار جودو». لاقى العرض ردود فعل لاذعة فى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ووصف بأنه «مبالغ فيه، ومفرط فى التصنع». لكن سوزان ردت إنه لم يكن «مكررًا» أو «متصنعًا» تقديم مسرحية عن اليأس فى مكان يعيش فيه الناس حالة من اليأس، فى حين قد تتيح لهم المسرحية فرصة للشعور «بالقوة والعزاء بتأكيد إحساسهم بالواقع وتحويله بواسطة الفن» .
مع مجموعة مقالاتها الأولى عام 1966، سطع نجم سوزان بشكل يصعب علينا تصوره اليوم؛ وعندما نشرت مجلة تايم مقالتها السابقة » ملاحظات حول «الكامب» (1964)، ذاعت شهرتها على نطاق واسع.
حافظت سوزان على شهرتها (دون قصد، كما زعمت دائمًا) عبر إثارة الجدل، كما فى كتابتها عن حرب ڤيتنام، حين وصفت العرق الأبيض بأنه «سرطان» البشرية (ثم تراجعت عن هذا لاحقًا، منتقدة استخدام السرطان كاستعارة). وعندما كتبت فى مجلة نيويوركر فى 24 سبتمبر 2001، أن أحداث 11 سبتمبر لم تكن هجومًا «جبانًا» على «الحضارة» أو «الحرية» أو «الإنسانية» أو «العالم الحر»، بل كانت هجومًا على القوة العظمى المعلنة ذاتيًّا فى العالم، نُفذ نتيجة لتحالفات وإجراءات أمريكية محددة»، وجهت لها اتهامات بالوحشية والقسوة، بل وتلقت تهديدات بالقتل. فى مقابلة لاحقة علَّقت: «كنت كصاعقة. لم أكن الصوت الوحيد فى أمريكا الذى يقول مثل هذه الأشياء». لكنها كانت تدرك، فى قرارة نفسها، أنها ستهاجم بشراسة فى وسائل الإعلام طالما استمرت فى تسليط الضوء على الحقائق غير الشائعة. وكما كتبت رافيا زكريا عام 2017، كانت سوزان «بارعة... فى ترسيخ موقف معارض وغير متواطئ حتى مع أكثر الأوساط تعنتًا» . لكن كان من غير المعقول أن تصمت سوزان، مهما بدا ذلك غير مقبول، و«التعبير عن الرأي» لزمه صياغة موقف دقيق، وغالبًا ما يكون مخالفًا للرأى السائد. كانت عدوة للتقاليد التى يبدو أن الناس يريدونها من الكتّاب، آنذاك كما الآن.
هكذا أرى وحشيتها: لا تكمن فى كونها محبوبة أم لا، بل فى إصرارها ورفضها التام للمداهنة. كلمة «وحش» مشتقة من الكلمة اللاتينية «monere» التى تعنى التحذير. نحن بحاجة إلى وحوش مثلها لأنهم لا يخشون قول نوع معين من الحقيقة: كشف الزيف، والآراء السائدة، والخطابات القومية المكررة، وجهود مزارع الروبوتات اليمينية المتطرفة. نحن بحاجة إلى نقاد يصرون على تسلسل هرمى للفكر والإنتاج، بدلاً من الانجرار وراء ضجيج التسويق، نقاد لا يندفعون مباشرة إلى المحتوى، إلى ما «يدور» الكتاب حوله أو ما «يقوله»، بل يتوقفون ليتأملوا الشكل والأسلوب، وهما -كما تظهر لنا سوزان- مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالمحتوى. نحن بحاجة إلى نقاد يبقوننا متيقظين، ليشككوا فى السلطة، والادعاءات الشاملة، والنظرة العالمية المطلقة. نحن بحاجة إلى سوزان لتساعدنا على التفكير بأنفسنا، وأن نكون جريئين فى التعبير عن آرائنا. ونحن نحتاجها فى هذه الأمور الآن أكثر من أى وقت مضى. فالحفاظ على قدرة نقدية فعالة لا يقتصر على السخرية فحسب، بل هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الأيام الحالكة التى يهيمن عليها التعصب القومى والشعبوى.
كقارئة وكاتبة جادة، ثمة أمور لزمنى عقدين من الزمن لأدركها أو لأعبر عنها بوضوح، أمور لاحظتها سوزان مباشرة فى كتابها «ضد التأويل» وهى فى الثالثة والثلاثين. عندما أتصفح مقالاتها اليوم، يذهلنى عمق رؤاها واتساع نطاق مراجعها. للأسف، بعد مرور ما يقارب العشرين عامًا على قراءتى الأولى لها، ما زلت عاجزة عن مواكبتها.
لن تجد أسماء هيجل، أو ماركس، أو نيتشه، أو هيوم، أو جيورجى لوكاش تتردد فى صفحات النقد اليوم؛ يفترض أن القراء غير مستعدين لذلك. لكن سوزان اقتحمت هذا المجال وجرؤت على التمييز بين أعمالهم الجيدة والمتوسطة. لم تخش چان بول سارتر. فعندما كتبت عن كتابه عن چان چينيه، أشارت إلى أن: «وجد سارتر فى چينيه موضوعه المثالى». ولا شك أنه غرق فيه. ووقفت فى وجه رجال ينظر إليهم كعمالقة أخلاقيين؛ ألبير كامو، چورچ أورويل، چيمس بالدوين؟ كتاب مقالات ممتازون، لكن مبالغ فى تقديرهم كروائيين. وفى عام 1966، وقفت فى وجه أمريكا التى كانت أسيرة الواقعية والأخلاق المعيارية، مظهرة كيفية الرد على «الرؤاة، والمغامرين الروحيين، والمنبوذين اجتماعيًّا» كما وصفتهم فى مقالتها عن الكاتب المسرحى الفرنسى أنطونين أرتو.
وقد دفعها أسلوبها الفريد من العناد الوحشى إلى البحث عن المفارقة. لم يستهوها الاعتدال، ولا من يمارسونه، بل بدا لها تهربًا من المسؤولية. كانت تؤمن أن التطرف وحده هو ما يرتقى إلى مصاف الأبطال الثقافيين: أولئك المبالغون فى كل شىء، والمتسمون بـ«التكرار والوسواس وقلة الأدب، الذين يفرضون أنفسهم بالقوة»، كما كتبت عن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فاى. الكتاب العقلاء أقل إثارة للاهتمام، وكانت سوزان تحمل مسحة من الجنون، كخصلات شعرها الرمادية، التى تجبرك على الإنصات باهتمام، وتثير فيك أيضًا شيئًا من التوتر. أكسبتها شخصيتها العامة اللاذعة سمعة، كما وصفتها سيجريد نونيز عام 2011، بأنها «وحش من الغطرسة وعدم مراعاة الآخرين» . كانت وحشًا، وفى عالم الفن. قرأت كل شىء، وشاهدت كل شىء، واستمعت إلى كل شىء، وذهبت لرؤية كل شيء. كيف استطاعت التوفيق بين كل هذا؟ كأنها عاشت حيوات متعددة فى حياة واحدة. جلست فى منتصف الصف الثالث فى السينما، لتغمرها الصورة. لم تستطع، بل لم ترغب، فى الاسترخاء. كان الفن أهم من ذلك. كانت الحياة أهم من ذلك.
حين أطالع مؤلفاتها العديدة أجدها لا تتوقف عن الإبداع. كل جملة تمثل تحديًا جديدًا، لا مجال للحشو. لا أستطيع إحصاء كم مرة قرأت كتابها «عن الفوتوغرافيا» (1977)، وفى كل مرة أشعر وكأننى أقرأ كتابًا جديدًا. ثمة أمر محكم ومنهجى فى أسلوبها؛ وكثيرًا ما كانت تراجع آراءها، فما إن أنتهى من قراءة «عن الفوتوغرافيا» حتى تنتقل إلى موضوع آخر فى «بشأن ألم الآخرين» (2003)، ثم تصقله أكثر فى «ملخص الفوتوغرافيا» (2003).
تتذكر نونيز فى كتابها «سوزان إلى الأبد» (2011)، فترة عملها كمساعدة لسوزان وصديقة لابنها ديڤيد: «كانت كلمات «ممل»، و«خاضع» و «مثالى» و«جاد»، من كلماتها المفضلة. تظهر كلمة «جاد» ومشتقاتها -«الجدية»، «بجدية» - 120 مرة فى كتاب «ضد التأويل»، وهو نص من 322 صفحة. أى بمعدل مرة كل 2.6 صفحة. بالنسبة لها كانت الجدية أسلوب حياة شاملاً، بل وجسديًّا. فالجدية تحرك مشاعرنا، وتؤثر فيها (وفى قارئها، كما تفترض) جوهرًا وجسدًا. فلم تكن جادة فحسب، بل شغوفة بالعقل وإمكانياته. وكان العقل عندها عضوًا حسيًّا.
كانت اليقظة والحساسية، بالنسبة لسوزان، وسيلتين للمعرفة والشعور على حد سواء؛ فالقراءة والتعلم والكتابة حالات جسدية. وبنهاية بيانها «ضد التأويل»، تحث القارئ على «استعادة» حواسه علينا أن نتعلم أن نرى أكثر، وأن نسمع أكثر، وأن نشعر أكثر» . ملهم أن نصادف هذا النوع من الالتزام، خصوصًا لامرأة نشأت على أن تكون على هذا النحو، لائقة، لطيفة، وكريمة.
غالبًا ما يخلط بين التزام سوزان بعملها والجدية المفرطة. فقد كانت عنيفة، ومتجاهلة، ومتعالية، ولم تحاول أن تكون غير ذلك. وقد استكشف غرابة أطوارها فى مجموعة مذكرات، بدءًا من كتاب فيليب لوبات «ملاحظات حول سونتاج» (2009) إلى مقال تيرى كاسل «البحث اليائس عن سوزان» (2005) وصولاً إلى «سوزان إلى الأبد» (كانت من النوع الذى يلهم من عرفوها كتابة المذكرات). ومجموعة مقالات نقدية أكاديمية حول أعمالها بعنوان » فضيحة سوزان سونتاج» (2009). ومع أنها كثيرًا ما تتهم بالافتقار لحس الفكاهة، يبدو أن روح الدعابة فى مقال مثل ملاحظات حول «الكامب» قد فاتت الكثيرين.
صحيح أنها قد تبدو سيئة فى المقابلات، ليس فقط لدقة تفكيرها، بل أيضًا لحرفيتها، وللدفاعية المتسلطة التى تتبناها فى طرح أفكارها. فى مقابلة تليفزيونية مع كريس ليدون عام 1992، هاجمته بشدة لطرحه أسئلة «صحفية» حول آرائها فى «الثقافة الشعبية»، رافضة فكرة الفصل بين الفن الراقى والفن الشعبى. كانت دفاعية للغاية، لكن فى الوقت نفسه: مثيرة للاهتمام. فى الڤيديو، يمكنك أن ترى من نظراتها الثابتة لمن يجرون المقابلة أنها بالكاد تستطيع تحمل ما تعتبره (بوضوح) حماقتهم، لكنها اختارت الوجود هناك لأى سبب كان (تعزيز شهرتها؟ رصيدها البنكي؟) لذا عليها أن تكظم غيظها وتجيب على أسئلتهم. ثمة صدق فى عجزها عن الترويج لنفسها، وفعل ذلك بابتسامة، وهو ما أقدره بقدر إعجابى بعملها. ومع ذلك، فقد جعلتها نزاهتها تاك هدفًا سهلاً للسخرية.
أوروبا موجودة فى نظرتها للعالم. ولكن ربما لا أحد أوروبى أكثر من أمريكى مغترب. وثمة شيء فى تراثنا يجعل الناس يشكون فى المثقفين، وخصوصًا الأوروبيين. وقد يفسر هذا انجذابها الشديد للفلاسفة الألمان والكتاب والمخرجين الفرنسيين، وللرواية الجديدة، ويفسر عدم تخلى وسائل الإعلام الرئيسية عن افتتانها بها، حتى مع استمرارها فى سوء فهمها، وجعلها نجمة، وتوجيه عدساتها نحوها، لكنها صورت شخصيتها بطرق رفضت الاعتراف بها. وكان الشك متبادلاً. عام 1972، عند وفاة الكاتب بول جودمان كتبت: «هناك استياء أمريكى فظيع وحقير تجاه الكاتب الذى يحاول القيام بأشياء كثيرة» . وفى موضع ما من كتابها «ضد التأويل»، انتقدت النقاد الأمريكيين والبريطانيين لذوقهم «السهل» فى الرواية، الذى وصفته بأنه «ساذج فلسفيًّا» لتمسكه برواية القرن التاسع عشر و«هيبة الواقعية». واجهتهم بأعمال المعاصرة «جادة» ينتجها كتاب فرنسيين، مثل ناتالى ساروت، وآلان روب جرييه، وميشيل بوتور، المصنفة عمومًا تحت مصطلح «الرواية الجديدة»، وتفتقر للحبكة، أو الشخصيات، أو التحليل النفسى «لم أعد أثق بالروايات التى تشبع شغفى بالفهم تمامًا» . وهو شعور يبدو أن النقد الأدبى الأنجلو-أمريكى قد تبناه أخيرًا، على الأقل فى احتضانه لكتاب مثل شيلا هيتى وراشيل كاسك، اللتين أدلتا بتصريحات مثيرة للجدل حول ضجرهما من الشكل الروائى التقليدي، وعدم جدوى ابتكار شخصيات ووضعها فى سياق حبكة مفتعلة. واعترفت سوزان لنونيز: « الأمر أصعب على المرأة، بمعنى: أن تكون جادة، وأن تأخذ نفسها على محمل الجد، وأن تجعل الآخرين يأخذونها على محمل الجد». والنتيجة المتناقضة لبعض النظريات الفرنسية التى أسهمت سوزان فى نشرها فى الولايات المتحدة -ذلك النوع من الفلسفة ما بعد البنيوية التى شككت فى السرديات الكبرى وقيم التنوير باعتبارها أدوات للنظام الأبوى - هى أن آيديولوچيى اليمين المسيطرين على السياسة الأمريكية والبريطانية الآن، يستخدمون التأويل كسلاح، زاعمين أن هذا مجرد رأى، وفى اليسار، نجد أنفسنا فى موقف غير مسبوق، إذ نضطر للدفاع عن «الحقيقة» كما وثقت فى الأفلام أو المنشورات؛ فهناك أمور ليست مسألة رأي، بل مسألة توثيق.
فى كتابها «ضد التأويل»، أكدت سوزان على أهمية الخصوصية التاريخية، التى تختلف عن النسبية. فالمفاهيم نفسها تكتسب قيمًا مختلفة باختلاف الأزمنة؛ إذ تتغير طريقة تعاملنا مع الفن والسياسة والأخلاق بتغير الزمان والمكان، وتتأثر بهذا المنظور. «فى بعض السياقات الثقافية، يعد التأويل فعلاً مُحررًا. وسيلة للمراجعة، وإعادة التقييم، والهروب من الماضى الجامد» فى سياقات ثقافية أخرى، يعتبر هذا رجعيًًا، وقحًا، وجبانًا، وخانقًا. كان من المهم فى السنوات التى تلت كتاب «ضد التأويل» وكتاب چاك دريدا «فى علم الكتابة» (1967) -فى حرب ڤيتنام، حين كانت صور الحرب، كما توضح سوزان فى كتاباتها المتعددة عن التصوير، تنشرها طواقم التلفزيون والمصورين- أن نتساءل عن كيفية بناء الأفكار، وفى أى سياقات، وتحت أى سلطة. ومن المهم فى عصرنا الحالى الرجوع إلى التصريحات التى تدلى أمام الكاميرا، أو حتى على تويتر، فى مواجهة السياسيين الذين ينكرون حقيقة سجلاتهم العامة.
وفى مقالتها «حول الأسلوب»، تتوسع فى هذا الموضوع. فموقعنا فى التاريخ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التى ندرك بها أى شىء - فنًا، أو سلطة، أو حقيقة، أو رأيًا- فى لحظة معينة. ولا يقتصر الأمر على انتماء الأساليب الفنية إلى زمان ومكان محددين، وأن إدراكنا لأسلوب أى عمل فنى يتسم دائمًا بوعينا بتاريخية هذا العمل ومكانته فى التسلسل الزمنى. بل إن وضوح الأساليب بحد ذاته نتاج للوعى التاريخى. فلولا الخروج عن المعايير الفنية السابقة المعروفة لنا، أو التجريب بها، لما استطعنا تمييز ملامح أسلوب جديد.
بالنسبة لسوزان، الأسلوب نفسه نتاج تاريخي، وليس فطريًا. وبالمثل، فإن الأخلاق ممارسة، وليست شيئًا متأصلاً: الأخلاق كأسلوب، يدرك من خلال وعينا التاريخى الخاص. وهذه إحدى أهم الملاحظات فى كتاب «ضد التأويل»: ما نستشعره هو نتاج ماضينا وما نقارنه به. وهذا له تداعيات تتجاوز الفن. علينا أن نؤكد باستمرار أن أخلاقيات الحكم الحالية غير مقبولة. لا يمكننا تطبيعها أو دمجها فى مفهومنا للحكم. علينا أن نعتبرها شذوذًا لن نتسامح معه.
كان أسلوب سوزان سونتاج متوحشًا لدرجة الإلهام. اعتدنا على سماع مصطلح «متوحش» كإهانة. لكن هذا الأسلوب يواجهنا بحدود قدراتنا، ويجبرنا على الارتقاء إلى مستوى ما يتطلبه النص أو العصر. كتبت سولنيت فى رثائها لسوزان عام 2005 » ليس المهم ما إذا كانت سوزان مصيبة دائمًا فى استنتاجاتها أم لا، المهم أنها كانت مصيبة فيما طرحته من قضايا، فالموقف الأكثر فائدة هو الذى يدفع الناس إلى اختبار فكرة ما، وربما التفكير بأنفسهم من خلال الاختلاف معها» . ثمة فراغ فى الخطاب العام لأن سوزان لم تعد جزءًا منه. وعلينا أن نملأه بقراءة كتاباتها والتدبر فى أفكارها، وإن اختلفنا معها، بل وخصوصًا إن اختلفنا معها.