رحلة الإنسان المعاصر فى «الجسد»

شادن دياب مع ديفيد سالزى

الأحد، 26 أبريل 2026 - 10:38 ص

أخبار الأدب

أنا مواطن مجرى، لديّ جواز سفر مجرى، وأبى مجرى، لكننى لا أتقن اللغة جيداً. فى كل مرة أتكلم بها يتعرف الجميع فوراً أننى أجنبي. لذا لا أستطيع أن أشعر حقاً بأننى مجري. فى المجر أنا فى جوهرى غريب — رغم اسمى العائلى وروابطى الأسرية.»  هكذا يقدّم ديفيد سالزى نفسه بعيدًا عن أى تحديد جامد للهوية؛ إذ يصعب تصنيفه فى خانة واحدة. فاز بجائزة بوكر لعام 2025 عن روايته Flesh، التى صدرت حديثًا مترجمة إلى الفرنسية بعنوان الجسد. وهى من أرفع الجوائز الأدبية فى العالم الناطق بالإنجليزية.الكتاب السادس للروائى الأنغلو-مجرى المولود فى مونتريال عام 1974، والثالث المترجم إلى الفرنسية.  يستعرض الكاتب فى هذه الرواية مسار إستيفان على مدى أربعة عقود: من مراهق فى مدينة مجرية صغيرة يقع فى علاقة مع جارته الأربعينية المتزوجة، إلى سجين فى مراكز احتجاز الأحداث، إلى جندي، إلى مهاجر فى إنجلترا يسعى لبناء ثروته، دون أن يكف عن الشعور بالغربة عن العالم وعن نفسه مجسد ٱ الحداثية التى تتعلق إما بطريقة الكتابة والموضوعية لتسلك طريق الرواية الحديثة. ظهر مصطلح الرواية الحديثة فى منتصف خمسينيات القرن العشرين، وكان يُطلق فى البداية على مجموعة من الكتّاب (مثل ميشال بوتور، آلان روب-جرييه، كلود سيمون، وناتالى ساروت) الذين قاموا بتجديد عميق فى تقاليد الرواية الموروثة عن الواقعية (بلزاك، ستاندال) والطبيعية (زولا، موباسان). وقد أحدثت أعمال مثل L›Emploi du temps وLe Voyeur وTropismes قطيعة جذرية مع الأشكال التقليدية للسرد التى سادت فى القرن التاسع عشر. كما عارضت «الرواية الحديثة» التيار الوجودى، الذى كان من أبرز ممثليه سارتر والذى دعا إلى «الأدب الملتزم». استُخدم هذا المصطلح لأول مرة سنة 1955 من طرف Bernard Dort لوصف رواية Le Voyeur لآلن روب-جرييه. ثم استُخدم لاحقًا بشكل سلبى من قبل الناقد Émile Henriot فى جريدة Le Monde سنة 1957. سلك دافيد سألزى فى روايته هذا التيار الأدبى بإعادة النظر فى شكل الرواية التقليدي، من خلال التركيز على لغة الجسد والتجربة الداخلية بدل السرد الكلاسيكى. وقد برزت بعض الأعمال فى هذا التيار لجرأتها الأسلوبية ومضامينها الصادمة، حتى أن بعضها حاز جوائز أدبية مرموقة مثل Prix Renaudot، ما يعكس تأثيرها القوى فى المشهد الثقافي. تتميّز هذه الرواية بأسلوبها المختلف، حيث تُفكّك الزمن وتُعيد بناءه بطريقة غير خطية فنرى تنقل البطل بشكل خاطف وخطى من عمر المراهقة إلى  مراحل عمرية متقدمة فى امكان بزمن خاطف بين المجر والعراق ولندن، كما تعتمد على لغة مكثّفة تجعل القارئ يعيش التجربة بدل أن يكتفى بمتابعتها. ومن خلال هذا الشكل الجديد، يتمّ التشكيك فى مفاهيم راسخة، مثل الحقيقة، والهوية، وحتى ما يُشبه «السحر» الذى كانت تحمله الرواية التقليدية فى سردها. هذا المفهوم يرتبط أيضًا بتعريف الإنسان بوصفه » مواطنًا عالميًا»، حيث يمكن للإنسان اليوم أن يحمل فى داخله هذا الانتماء الكوني، وكأن هويته لم تعد مرتبطة بمكان واحد فقط. فالمواطَنة هنا لا تقتصر على حدود جغرافية، بل تتجه نحو رؤية جديدة للانتماء، قد تنعكس بدورها فى أسلوب الكتابة، حيث يصبح الكاتب منتميًا إلى عالم مفتوح، لا إلى مجتمع واحد محدد. أما سألزى فقد أقام عشر سنوات فى مدينة بيتش بالمجر، وهى المدينة التى تدور فيها أحداث الجزء المجرى من الرواية (من دون أن يذكر اسمها صراحة). وقد وجد نفسه عالقًا بين بلدين: لم يعد يشعر بالانتماء الكامل إلى إنجلترا بعد غيابه الطويل، ولم يستطع الاندماج كليًا فى المجر. هذا الشعور بالهوية الممزقة أو المهدَّدة يشكّل موضوعًا أساسيًا فى الرواية، ويتحوّل إلى قضية للنقاش أكثر من كونه مجرد تعريف بسيط للهوية. ويتجلّى ذلك من خلال شخصية استيفان، هذا البطل المضاد الذى يتنقّل فى الرواية بطريقة عفوية، مستخدمًا عبارات بسيطة جدًا مثل » حسنًا»، دون تعقيد أو زخرفة لغوية، وكأن لا شيء يمكنه أن يهيّئنا لهذا المسار. وهذا بالضبط هو جوهر الرواية: رحلة داخلية تعكس هشاشة الهوية وصعوبة الانتماء فى عالم معاصر متغيّر. الرواية الحديثة تقدم رؤية للعالم تتسم بعدم الاستقرار والتعقيد. فعلى عكس الرواية التقليدية التى تعرض واقعًا واضحًا ومنظمًا، يقدّم هذا التيار الأدبى عالمًا مجزأً يصعب فهمه. لم يعد الكتّاب يهدفون إلى سرد قصة خطية، بل يركّزون على استكشاف الواقع من خلال الأحاسيس والتفاصيل والأفكار الداخلية. فمثلًا، فى رواية Le Voyeur، alain Robbe يخلق الوصف الدقيق والمتكرر للأشياء جوًا غريبًا وباردًا. تُربك مفهوم الزمن، مما يعكس حالة الضياع التى يعيشها البطل. وهكذا تعبّر الحديثه عن رؤية غير مستقرة للعالم، حيث تصبح الحقيقة نسبية وترتبط بإدراك الشخصيات.  الشخصية: بين الفعل والإدراك تتميّز شخصية إيستفان بطابع غير لفظى بشكل مقصود. يوضح سألزى ذلك بقوله: «إستيفان» هو المقابل المجرى لاسم «ستيفن»، وهو اسم يحمل دلالات عميقة فى الثقافة المجرية: يُعدّ إيستفان شفيع المجر. وهو الملك الذى حكم حوالى سنة ألف ميلادية، وفى عهده اعتنقت القبائل المجرية المسيحية. كما يُعتبر مؤسس الدولة المجرية فى أوروبا. لهذا اختار سالاى هذا الاسم بوصفه الاسم المجرى بامتياز، الاسم الذى يجسّد تاريخ شعب بأكمله ويحمل رمزيته. نحن لا نواجه رواية يشرح فيها البطل نفسه للقارئ من خلال كلماته الخاصة — فهذه ليست البوابة الأساسية للفهم. تتجسّد الشخصية عبر السلوك والتجربة المباشرة، لا عبر التحليل الداخلى أو الخطاب الذاتى، مما يجعلها أقرب إلى الحضور الجسدى داخل النص، وكأنها تعيش وتتحرك أمام القارئ بدل أن تفسّر نفسها له.  ويضيف الكاتب تمييزًا دقيقًا فى فهم شخصية إيستفان: فقد وصفه بعض النقاد بأنه «فارغ»، إلا أن سالاى يرفض هذا الحكم. فعندما يصبح أبًا، تظهر ارتباطاته العاطفية بشكل واضح، مما يدل على أن ما يبدو كفراغ ليس جوهرًا ثابتًا فى شخصيته، بل حالة مؤقتة. إن هذا الانسحاب الذى يلاحظه القارئ فى الفصول الأولى — سواء بعد خروجه من علاقة مدمّرة مع امرأة أكبر منه، أو نتيجة معاناته من اضطراب ما بعد الصدمة إثر خدمته العسكرية — لا يُمثّل حقيقة كيانه، بل مرحلة عابرة فى مساره. من هنا، لا يركّز العمل على «مسار» الشخصية بقدر ما يركّز على ردود أفعالها وطريقتها فى التفاعل مع العالم. فالشخصية لا تُقدَّم من خلال وصف مباشر أو تحليل نفسى صريح، بل من خلال ما تفعله وكيف تستجيب للمواقف. وبالتالي، لا يقدّم لنا النص تعريفًا جاهزًا لإيستفان، بل يدعونا إلى اكتشافه تدريجيًا عبر سلوكاته وتفاعلاته. نحن لا نعرف من هو بقدر ما نرى كيف يرى العالم وكيف يعيش داخله. لا تتردّد الرواية الحديثة فى طرح مواضيع جريئة وصادمة، أبرزها تعقيد العلاقات الإنسانية. فالرواية Chair  تعالج موضوعًا إشكاليًا وحساسًا، يتمثّل فى علاقة مثيرة للجدل بين امرأة أكبر سنًا وشخص أصغر منها. هذه العلاقة لا تُقدَّم كقصة عاطفية بسيطة، بل كفضاء للصراع العميق: بين مبادئ الحياة والرغبة الجامحة، بين العقل والاندفاع، وبين الاستقرار والرغبة فى كسر الحدود. هذا التوتر يخلق حالة من التساؤل المستمر، حيث يجد القارئ نفسه أمام إشكالية وجودية أساسية: هل ينبغى الالتزام بالقيم والقواعد، أم الاستسلام للرغبات الداخلية؟ وهكذا تتحول الرواية إلى مجال للتفكير وإعادة النظر فى الذات، وفى معنى الحرية وحدودها. طرح الرواية أيضًا فكرة الإنسان الذى يعيش دون ارتباط بمكان ثابت، حيث يصبح قادرًا على خلق معنى يمكن للآخرين التفاعل معه. فالتجربة الإنسانية، بكل ما تحمله من تاريخ شخصى وذاكرة، تؤثر بعمق فى الفرد، حتى وإن لم يكن قادرًا دائمًا على تفسير هذا التأثير. كما تشير الرواية إلى أن هناك جوانب معقّدة فى الحياة نقبلها أحيانًا دون تساؤل، وهو ما يعكس طبيعة الوجود الإنسانى ذاته. ومن هنا، يصبح العيش معًا تجربة مشتركة تتطلب فهمًا وتفاعلاً مستمرين. كما تطرح أزمة أزمة الذكورة فى عالم يهيمن عليه التسليع وعبادة الأداء وتصاعد اللامساواة فى العصر الحديث فى خضم هيمنة الاستهلاك ثقافة الأداء والنجاح تزايد الفوارق فى الاجتماعية والانتهازية المبررة لبطل الرواية فى جوهرها، تمثّل الرواية دراسة لمرحلة انتقالية فى حياة الإنسان، وتُظهر كيف يمكن لهذه المرحلة أن تعبّر عن تحوّل أعمق داخل ثقافة معينة. فهى لا تروى فقط مسار فرد، بل تكشف عن تحوّل فى القيم والرؤى داخل المجتمع. لتصنع من صراعات الحياة وتساؤلاتها تجسيدا سرديا حداثى.