50 ٪ من الفاتورة عادات أسرية خاطئة
الثلاثاء، 28 أبريل 2026 - 10:11 م
محمد ناصر
خبير اقتصادى: توفير 200 جنيه فقط بكل فاتورة ينعش موازنة الدولة بـ3 مليارات دولار
لا تبدو أزمة الكهرباء مجرد مسألة إنتاج أو محطات رغم وصول عدد المنازل إلى 30 مليون وحدة سكنية بقدر ما تتحول إلى معادلة يومية داخل كل بيت، مفتاحها الحقيقى ليس فى العدادات ولا فى الفواتير، بل فى «السلوك». وبين أرقام الاستهلاك المتصاعدة وضغوط الشبكات، يطرح خبراء الطاقة سؤالًا أكثر عمقًا، هل يمكن أن يتحول ترشيد الكهرباء من نصائح موسمية إلى ثقافة مستقرة قادرة وحدها على خفض الاستهلاك إلى النصف دون أن يشعر المواطن بأى انتقاص من راحته؟
بداية قال د. محمد سليم، استشارى الطاقة المتجددة والتقليدية وعضو المجلس العربى للطاقة المستدامة، إن الحديث عن ترشيد استهلاك الكهرباء لم يعد ترفًا توعويًا، بل ضرورة عملية تتعلق بكفاءة استخدام الموارد داخل المنازل.
وأضاف سليم أن جوهر القضية لا يرتبط فقط بتقليل الاستهلاك، بل بإعادة تنظيمه، لافتًا إلى أن استبدال وحدات الإضاءة التقليدية بمصابيح موفرة «ليد» يحقق فارقًا هائلًا.
وشدد على أن المنزل المصرى قادر، من خلال سلوكيات بسيطة فقط، على خفض استهلاكه بنسبة تصل إلى 50٪ دون أن يشعر قاطنوه بأى نقص فى مستوى الراحة، موضحًا أن الفارق لا يأتى من إلغاء استخدام الأجهزة، بل من «إدارتها بذكاء»، كتشغيل التكييف لفترة محدودة لتبريد المكان ثم استبداله بالمروحة، بدلًا من تركه يعمل لساعات طويلة دون داعٍ، وهو ما يحقق التوازن بين الراحة وكفاءة الاستهلاك سلوكيات خاطئة.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من استهلاك الكهرباء يأتى من عادات يومية غير ملحوظة، مثل ترك الإضاءة تعمل فى غرف خالية، أو تشغيل الأجهزة دون حاجة فعلية.
وانتقل د. سليم إلى نقطة أكثر خطورة تتعلق بالأحمال الكهربائية داخل المنازل، موضحًا أن المشكلة لا تكمن فقط فى كمية الاستهلاك، بل فى طبيعة «الأحمال المفاجئة» التى تضغط على الشبكة الداخلية، ضاربًا مثالًا بالسخان الفورى، الذى وصفه بأنه أحد أخطر الأجهزة من حيث الحمل الكهربائى، إذ قد يصل حمله إلى 10 كيلووات أو أكثر بمجرد تشغيله، حتى وإن كان زمن استخدامه قصيرًا.
وأوضح أن الفائدة تمتد من الترشيد إلى الحماية، لأن الخطر هنا لا يتعلق بالاستهلاك المباشر، بل بالتحميل اللحظى على الأسلاك والعداد، وهو ما قد يؤدى إلى تلف الشبكة الداخلية أو فصل التيار.
الوعى والحماية
وأضاف استشارى الطاقة المتجددة أن انتشار هذه الأجهزة داخل العمارات السكنية يضاعف من حجم المشكلة، إذ قد يؤدى التشغيل المتزامن لها إلى الضغط على الخطوط الرئيسية للمبنى بالكامل، وهو ما يفسر بعض حالات فصل التيار المتكررة، مؤكدًا أن التعامل مع الأجهزة الحديثة يجب أن يكون مصحوبًا بوعى بطبيعة الأحمال، وليس فقط الاعتماد على كونها «تكنولوجيا جديدة».
وفى السياق ذاته، شدد على أهمية استخدام وسائل الحماية الكهربائية الحديثة، مثل مفاتيح الفصل التلقائى، التى تفصل التيار عند ارتفاع أو انخفاض الجهد، موضحًا أنها تمثل استثمارًا بسيطًا بتكلفة محدودة، لكنها توفر حماية كبيرة للأجهزة والشبكة الداخلية، وتسهم بشكل غير مباشر فى ضبط الاستهلاك ومنع الفقد.
القوة الشرائية
وقال د. محمد شلبى، الخبير الاقتصادى، إن الحديث عن ترشيد استهلاك الكهرباء لم يعد منفصلًا عن معادلات الدخل والإنفاق داخل الأسرة المصرية، موضحًا أن فاتورة الكهرباء تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى بند ثابت ومؤثر فى ميزانية الأسر، حيث يتراوح متوسط الإنفاق الشهرى على الكهرباء بين 300 و800 جنيه فى الشريحة المتوسطة، وهو ما يعنى أن أى خفض فى هذا البند ينعكس مباشرة على القوة الشرائية للمواطن.. وأضاف أن الأثر الحقيقى للترشيد لا يتوقف عند حدود الأسرة، بل يمتد إلى موازنة الدولة التى تتحمل تكلفة ضخمة لتأمين الطاقة، سواء من خلال الإنتاج أو استيراد الوقود، مشيرًا إلى أن تقليل الاستهلاك بنسبة محدودة على مستوى ملايين المنازل يمكن أن يترجم إلى وفر بمليارات الجنيهات سنويًا، وهو ما يعادل مئات الملايين من الدولارات التى يمكن إعادة توجيهها إلى قطاعات أكثر أولوية مثل الصحة والتعليم.
وشدد على أن الفكرة الجوهرية فى الترشيد لا تقوم على «الحرمان»، بل على «إدارة الإنفاق»، تمامًا كما يتعامل المواطن مع أى بند مالى آخر، لافتًا إلى أن الأسرة التى تنجح فى خفض فاتورتها بنسبة 30 إلى 50٪ يمكن أن توفر ما بين 200 إلى 400 جنيه شهريًا، وهو رقم قد يبدو محدودًا فى ظاهره، لكنه يتحول إلى ما يقرب من 5 آلاف جنيه سنويًا، وهو ما يمثل دعمًا غير مباشر للدخل دون أى زيادة فى الأجور.
وأوضح أن هذا الوفر، إذا تم تعميمه على نحو 30 مليون منزل، يمكن أن يتحول إلى رقم ضخم يتجاوز 100 مليار جنيه سنويًا، أى ما يعادل نحو 2 إلى 3 مليارات دولار، وهو ما يعكس كيف يمكن لسلوك فردى بسيط أن يتحول إلى أثر اقتصادى واسع النطاق، يبدأ من البيت وينتهى عند الموازنة العامة للدولة.. وأشار إلى أن التجارب الدولية تقدم نماذج واضحة على هذا التحول، حيث نجحت ألمانيا فى خفض فاتورة الطاقة للأسر بنسب تراوحت بين 15٪ و20٪ خلال سنوات قليلة، عبر سياسات تحفيزية وربط مباشر بين سلوك المستهلك وحجم ما يدفعه، وهو ما انعكس على تقليل الضغط على الاقتصاد وتقليص فاتورة الاستيراد بمليارات اليوروهات سنويًا.
كما لفت إلى تجربة اليابان، التى تمكنت بعد أزمات الطاقة من تقليل الإنفاق القومى على الكهرباء بنحو 10٪ إلى 15٪ خلال فترات قصيرة، وهو ما وفر مليارات الدولارات سنويًا، ليس عبر تقليل النشاط الاقتصادى، بل من خلال تعديل سلوك الأفراد داخل المنازل وأماكن العمل، وهو ما يؤكد أن الترشيد يمكن أن يكون أداة نمو وليس مجرد أداة تقشف.
فرصة حقيقية
وأضاف د. شلبى أن التحدى الأكبر فى مصر لا يتعلق بغياب الحلول، بل ببطء تحولها إلى سلوك يومى، مؤكدًا أن المواطن حين يدرك أن كل قرار بسيط - كإطفاء إنارة غير ضرورية أو تقليل زمن تشغيل جهاز - يمكن أن يترجم إلى جنيهات حقيقية فى نهاية الشهر، فإن هذا الوعى يتحول تدريجيًا إلى عادة مستقرة.
وشدد على أن ربط الترشيد بالعائد المباشر هو المدخل الأهم لتغيير السلوك، موضحًا أن المواطن لا يتجاوب مع الخطاب النظرى بقدر ما يتفاعل مع الأرقام التى تمس حياته اليومية، فعندما يرى أن بإمكانه الاحتفاظ بنصف فاتورته تقريبًا، فإن قرار الترشيد يتحول من عبء إلى فرصة.
ولفت إلى امتلاك مصر فرصة حقيقية لتحويل ترشيد استهلاك الكهرباء إلى «أكبر برنامج إصلاح اقتصادى غير مكلف»، يقوم على تغيير السلوك بدلًا من زيادة الإنفاق، معتبرًا أن كل جنيه يتم توفيره داخل المنزل هو فى الوقت ذاته جنيه يتم توفيره على الدولة، فى معادلة رابحة للطرفين، تبدأ من وعى المواطن وتنتهى باستقرار الاقتصاد.