خالد محمود
خالد محمود


مشهد آخر

الواقعية الجديدة بروح عراقية ..« كعكة الرئيس » رحلة صغيرة تكشف مأزق العالم الكبير

خالد محمود

الأربعاء، 29 أبريل 2026 - 01:46 م

في‭ ‬فيلم‭ ‬“‭ ‬كعكة‭ ‬الرئيس”‭ ‬أو‭ ‬“‭ ‬مملكة‭ ‬القصب‭ ‬“،‭ ‬يقدم‭ ‬المخرج‭ ‬حسن‭ ‬هادي‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬تنتمي‭ ‬ظاهريا‭ ‬إلى‭ ‬الواقعية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬تذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬لتلامس‭ ‬منطقة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭: ‬علاقة‭ ‬الطفولة‭ ‬بالسلطة،‭ ‬وكيف‭ ‬تتحول‭ ‬البراءة‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬هش‭ ‬حين‭ ‬توضع‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬قاسية‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بضعفها‭. ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يروى‭ ‬حكاية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبني‭ ‬حالة؛‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المتصاعد،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬أبسط‭ ‬المهام‭ ‬اليومية‭ ‬وكأنها‭ ‬اختبار‭ ‬وجودي‭ ‬لطفل‭ ‬لم‭ ‬يُمنح‭ ‬فرصة‭ ‬لفهم‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يُدفع‭ ‬إليه‭.‬

منذ‭ ‬لحظاته‭ ‬الأولى،‭ ‬يضعنا‭ ‬الفيلم‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬فقيرة‭ ‬ومحدودة‭ ‬الإمكانات،‭ ‬لكن‭ ‬غنية‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬الإنسانية‭. ‬بطلة‭ ‬العمل،‭ ‬الطفلة‭ ‬لمياء،‭ ‬التي‭ ‬تجسدها‭ ‬بنين‭ ‬أحمد‭ ‬نايف،‭ ‬تعيش‭ ‬مع‭ ‬جدتها‭ ‬في‭ ‬أهوار‭ ‬جنوب‭ ‬العراق،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مشحون‭ ‬سياسيا‭ ‬وتاريخيا،‭ ‬قبيل‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البلاد‭. ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬الزمني‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خلفية،‭ ‬بل‭ ‬عنصر‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مصير‭ ‬الشخصيات،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬مع‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭ ‬والعقوبات‭ ‬والسلطة‭ ‬المطلقة‭.‬

حكاية‭ ‬تبدو‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬ثقل‭ ‬نظام‭ ‬كامل

تنطلق‭ ‬القصة‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬بسيط‭: ‬اختيار‭ ‬لمياء‭ ‬لتحضير‭ ‬كعكة‭ ‬عيد‭ ‬ميلاد‭ ‬الرئيس،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬احتفالي‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬عاديا،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يحمل‭ ‬طابعا‭ ‬إلزاميا‭ ‬قسريا‭. ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭: ‬ما‭ ‬يُفترض‭ ‬أنه‭ ‬تكريم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء،‭ ‬وما‭ ‬يبدو‭ ‬احتفالًا‭ ‬يصبح‭ ‬تهديدا‭ ‬مبطنا‭. ‬فعدم‭ ‬تنفيذ‭ ‬المهمة‭ ‬ليس‭ ‬خيارا،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يُفسر‭ ‬كفعل‭ ‬سياسي‭ ‬يستوجب‭ ‬العقاب‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬البساطة‭ ‬إلى‭ ‬التعقيد‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الفيلم‭. ‬فالمهمة‭ ‬الصغيرة‭ ‬تكشف‭ ‬تدريجيا‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭: ‬الفقر‭ ‬المدقع،‭ ‬انعدام‭ ‬الموارد،‭ ‬البيروقراطية‭ ‬القاسية،‭ ‬والخوف‭ ‬المزروع‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬ومع‭ ‬فقدان‭ ‬الجدة‭ ‬عملها،‭ ‬تدخل‭ ‬لمياء‭ ‬فجأة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل‭ ‬أو‭ ‬الخطأ،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬المال‭ ‬والمكونات‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭.‬

المدينة‭ ‬كاختبار‭ ‬قاس‭ ‬للبراءة

حين‭ ‬تنتقل‭ ‬لمياء‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬ينفتح‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬السرد‭. ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬الكاميرا‭ ‬برصد‭ ‬الأحداث،‭ ‬بل‭ ‬تراقب‭ ‬التحولات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬الطفلة‭. ‬المدينة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مكان،‭ ‬بل‭ ‬فضاء‭ ‬للامتحان‭: ‬الزحام،‭ ‬الفوضى،‭ ‬الاستغلال،‭ ‬واللامبالاة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬ككائن‭ ‬يحتاج‭ ‬للحماية،‭ ‬بل‭ ‬كعنصر‭ ‬صغير‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‭ ‬أو‭ ‬استغلاله‭.‬

تلتقي‭ ‬لمياء‭ ‬بالطفل‭ ‬سعيد،‭ ‬الذي‭ ‬يجسده‭ ‬سجاد‭ ‬محمد‭ ‬قاسم،‭ ‬لتتشكل‭ ‬ثنائية‭ ‬درامية‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭: ‬الطفلة‭ ‬المنظمة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬مدرسية،‭ ‬والطفل‭ ‬الخبير‭ ‬بشوارع‭ ‬المدينة‭. ‬لكن‭ ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬النمطية،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الصداقة‭ ‬خيارا‭ ‬رومانسيا‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬للبقاء‭.‬

مع‭ ‬تطور‭ ‬الأحداث،‭ ‬تُجبر‭ ‬لمياء‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لتفكر‭ ‬بها‭.. ‬الهروب،‭ ‬الكذب،‭ ‬وحتى‭ ‬السرقة‭. ‬هنا‭ ‬يكمن‭ ‬أحد‭ ‬أقسى‭ ‬أسئلة‭ ‬الفيلم‭: ‬هل‭ ‬تفقد‭ ‬البراءة‭ ‬معناها‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬الأخلاق‭ ‬رفاهية‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬الفقراء؟

أحد‭ ‬أبرز‭ ‬إنجازات‭ ‬الفيلم‭ ‬هو‭ ‬تقديمه‭ ‬لمفهوم‭ ‬السلطة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭. ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬الحاكم‭ ‬“‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬“‭ ‬كشخصية‭ ‬درامية‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬كظل‭ ‬ثقيل‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬صوره‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬الشوارع،‭ ‬الشعارات‭ ‬في‭ ‬المدارس،‭ ‬والخوف‭ ‬في‭ ‬كلام‭ ‬الناس،‭ ‬كلها‭ ‬تشكل‭ ‬حضورا‭ ‬دائما‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تجسيد‭ ‬مباشر‭.‬

السلطة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬فردا،‭ ‬بل‭ ‬منظومة‭. ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬المعلم‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬التعليم‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬تعبوي،‭ ‬في‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يطبق‭ ‬القوانين‭ ‬بلا‭ ‬رحمة،‭ ‬وفي‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬يراقب‭ ‬نفسه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يراقبه‭ ‬الآخرون‭. ‬حتى‭ ‬الجملة‭ ‬البسيطة‭ ‬“للجدران‭ ‬آذان”‭ ‬تصبح‭ ‬مفتاحا‭ ‬لفهم‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬اليومية‭.‬

ينتمي‭ ‬الفيلم‭ ‬بوضوح‭ ‬إلى‭ ‬تقاليد‭ ‬الواقعية‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬تاريخيا‭ ‬بالسينما‭ ‬الإيطالية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬لكن‭ ‬المخرج‭ ‬حسن‭ ‬هادي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالاستلهام،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬توطين‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬داخل‭ ‬السياق‭ ‬العراقي،‭ ‬مانحا‭ ‬إياها‭ ‬خصوصية‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬المحلي‭.‬

كما‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأفلام،‭ ‬يعتمد‭ ‬‮«‬كعكة‭ ‬الرئيس‮»‬‭ ‬على‭ ‬الأطفال،‭ ‬والمواقع‭ ‬الحقيقية،‭ ‬والأداء‭ ‬الطبيعي،‭ ‬ليكشف‭ ‬عن‭ ‬آثار‭ ‬السياسة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬لكنه‭ ‬يضيف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بعدًا‭ ‬بصريا‭ ‬غنيا،‭ ‬يجعل‭ ‬المكان‭ ‬نفسه‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬السرد‭.‬

تصوير‭ ‬الفيلم،‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬حسا‭ ‬دقيقا‭ ‬بالتفاصيل،‭ ‬يمنح‭ ‬المشاهد‭ ‬تجربة‭ ‬شبه‭ ‬حسية‭. ‬البيوت‭ ‬المصنوعة‭ ‬من‭ ‬القصب،‭ ‬الأزقة‭ ‬الضيقة،‭ ‬الأسواق‭ ‬المزدحمة،‭ ‬كلها‭ ‬تُقدّم‭ ‬كمساحات‭ ‬حية،‭ ‬لها‭ ‬ملمسها‭ ‬الخاص‭. ‬الكاميرا‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الجمال‭ ‬التقليدي،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬الصدق،‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬جوهر‭ ‬المكان،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬الخلفية‭ ‬مجرد‭ ‬ديكور،‭ ‬بل‭ ‬امتدادًا‭ ‬للحالة‭ ‬النفسية‭ ‬للشخصيات‭. ‬في‭ ‬‮«‬كعكة‭ ‬الرئيس‮»‬،‭ ‬يصبح‭ ‬العالم‭ ‬المادي‭ ‬انعكاسًا‭ ‬للضغط‭ ‬الداخلي،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬القسوة‭ ‬الخارجية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الداخلية‭.‬

أداء‭ ‬تمثيلي‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬الصدق

من‭ ‬أبرز‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬الفيلم‭ ‬الأداء‭ ‬التمثيلى،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭. ‬بنين‭ ‬أحمد‭ ‬نايف‭ ‬تقدم‭ ‬بعفوية‭ ‬واقتدار‭ ‬أداء‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬النظرات‭ ‬والإيماءات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحوار،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الشخصية‭ ‬عمقا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬كبيرا‭. ‬أما‭ ‬سجاد‭ ‬محمد‭ ‬قاسم‭ ‬فيقدم‭ ‬توازنا‭ ‬بين‭ ‬الخشونة‭ ‬والبراءة،‭ ‬ليجسد‭ ‬شخصية‭ ‬طفل‭ ‬اضطر‭ ‬للنضج‭ ‬مبكرا‭.‬

اللافت‭ ‬أن‭ ‬الأداء‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬لإثارة‭ ‬التعاطف‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬يترك‭ ‬المشاهد‭ ‬يكتشف‭ ‬المشاعر‭ ‬بنفسه‭. ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬يتطلب‭ ‬إخراجا‭ ‬دقيقا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينجح‭ ‬فيه‭ ‬حسن‭ ‬هادي،‭ ‬عبر‭ ‬ضبط‭ ‬الإيقاع‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬الميلودراما‭.‬

الكعكة‭.. ‬من‭ ‬رمز‭ ‬احتفالي‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬وجودي

العنوان‭ ‬نفسه‭ ‬يحمل‭ ‬مفتاح‭ ‬القراءة‭. ‬“الكعكة”‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬غرض،‭ ‬بل‭ ‬رمز‭ ‬متعدد‭ ‬الطبقات‭: ‬الاحتفال،‭ ‬السلطة،‭ ‬التكليف،‭ ‬وربما‭ ‬أيضا‭ ‬التفاوت‭. ‬فهي‭ ‬شيء‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يجلب‭ ‬الفرح،‭ ‬لكنه‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬مصدرا‭ ‬للخوف‭.‬

مع‭ ‬تقدم‭ ‬الأحداث،‭ ‬تتحول‭ ‬الكعكة‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬مجرد،‭ ‬أشبه‭ ‬بفكرة‭ ‬يجب‭ ‬تحقيقها‭ ‬بأي‭ ‬ثمن‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة،‭ ‬تفقد‭ ‬معناها‭ ‬الأصلي،‭ ‬لتصبح‭ ‬رمزًا‭ ‬لنظام‭ ‬يفرض‭ ‬طقوسه‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الامتثال‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬القسوة،‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬إنسانية‭ ‬دافئة‭. ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬لمياء‭ ‬وجدتها،‭ ‬أو‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬سعيد،‭ ‬تمنح‭ ‬العمل‭ ‬توازنًا‭ ‬ضروريًا‭. ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬لا‭ ‬تُخفف‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الواقع،‭ ‬لكنها‭ ‬تذكرنا‭ ‬بأن‭ ‬الإنسانية‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬بالكامل،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الظروف‭ ‬صعوبة‭.‬

خاتمة‭: ‬حين‭ ‬تكشف‭ ‬الطفولة‭ ‬العالم

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬‮«‬كعكة‭ ‬الرئيس‮»‬‭ ‬حلولا،‭ ‬ولا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬دلالاته‭. ‬بل‭ ‬يترك‭ ‬المشاهد‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬مفتوح‭: ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬لطفل‭ ‬حين‭ ‬يُجبر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يفهمه،‭ ‬ولا‭ ‬يحميه؟

الفيلم‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬الكعكة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬الرحلة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬التحول‭. ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يدرك‭ ‬فيها‭ ‬الطفل‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬ليس‭ ‬كما‭ ‬تخيله‭. ‬هذا‭ ‬الإدراك،‭ ‬الهادئ‭ ‬والقاسي‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬قوته‭.‬

إنه‭ ‬عمل‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬التفاصيل،‭ ‬على‭ ‬الصمت،‭ ‬وعلى‭ ‬نظرة‭ ‬طفل‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تفهم‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الرهان،‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬تجربة‭ ‬سينمائية‭ ‬عميقة،‭ ‬تضعنا‭ ‬أمام‭ ‬مرآة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬فقط‭ ‬واقعا‭ ‬سياسيا،‭ ‬بل‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬يُترك‭ ‬وحيدًا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬منظومة‭ ‬أكبر‭ ‬منه‭.‬

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة