ولكن ماذا يعنى العمل؟

علاء عبد الوهاب

الأربعاء، 29 أبريل 2026 - 06:19 م

علاء عبدالوهاب

عشية عيد العمال أتساءل عما يعنيه العمل وقد يثير ذلك بعضًا من الدهشة، وربما لاستنكار لاسيما وقد طرحت السؤال مستدركًا، فكلنا يحفظ عن ظهر قلب أن العمل حق وواجب وشرف، والعمل شأن كل القيم السامية عابرة للمكان والزمان، إلا أن تيارات عدة أثرت بالسلب على منظومة القيم، رغم التسليم بفرضية أن القيم تتسم بالثبات، بعد أن تبلورت عبر المسيرة الإنسانية الطويلة، لتحظى باتفاق عام على كونها معايير حاكمة لضمان قيام أى مجتمع متوازن، وأفراد أسوياء. وللأسف فإن هناك من يعبث عبر سلوك غير منضبط بالعمل كقيمة، من خلال تسييده للفهلوة، أو الركون إلى تسديد الخانات، أو الأداء الشكلى لوظيفته، أو الإغراق فى الروتونية دون أى محاولة للإضافة من خلال الخبرات المتراكمة،...، والشاهد أن أمثال هؤلاء يسيئون إلى مفهوم العمل كمسئولية أساسية لا غنى عنها فى مسيرة الحياة، والعطاء المتجدد الذى يضمن التقدم والنهوض للفرد والجماعة على السواء. من منظور كون الإنسان صانعًا للحضارة، أيًا كان موقعه وتواضع مساهمته، فإن العمل لا تتجلى أى من فضائله إلا أن يكون منتجًا متقنًا، يعى من يقوم به أنه يتجاوز كونه واجبًا ثقيلًا أو حقًا مقابله أجر، إلى كونه فى جوهره عملية تمكين للإنسان من تحقيق إنسانيته بأرقى معانيها، إذ العمل أداة لا غنى عنها من أجل التغيير المستمر نحو الأفضل، باعتباره نقيضًا للسكون الذى يقود للتخلف، والتخلى عن إنجاز أى طموح مشروع. بقليل من التأمل، يتأكد للمرء أنه فى البدء كان العمل، إذ إنه المعيار الوحيد للقيمة الإنسانية، فإنسان بلا عمل لا قيمة له، وشعب لا يجتهد ولاينتج ولايبدع لا وزن له بين الأمم، رأس المال بصوره المتعددة، والعلم بإنجازاته المتوالية دون الثروة الإنسانية، لا يمثلان أساسًا ينطلق من عنده الفرد أو الجماعة إلى تشييد مجد شخصى، أو إقامة بنيان مجتمعى متميز، وصولًا إلى بلوغ مرحلة العطاء الحضارى المتجدد بلا حدود. بكلمات أكثر تحديدًا ودقة، فإن العمل يظل مصدر كل قيمة، أى أن له مكانة محورية على سلم القيم الإنسانية، فدون بذل الجهد لتحويل تصورات المرء أو الأمة إلى إنجاز، وترجمتها على أرض الواقع بصورة عملية، لا تعدو أى آمال كونها مجرد أوهام، أو أحلام يقظة. هكذا: فإن الفارق الرئيسى بين إنسان، وآخر، وشعب وجيرانه يتمثل فى نظرة كل منهما إلى قيمة العمل، والقدرة على المنافسة لاعتلاء مكانة أرقى، وأكثر تأثيرًا.. الخلاصة أن العمل وحده يرتب الامتياز بقدر التميز فى أداء الفرد، أو الإبداع فى الإنتاج كأمة عبر رفع مستوى أدائها، فى إطار تحرك إرادى واعٍ، بطاقة متجددة، ورؤى جديدة، شرط أن يقترن العمل دائمًا بالإخلاص، والتجويد المستمر، ونبذ النمطية. لنتذكر أنه حتى الإيمان لا خير فيه دون عمل، إذاً الإيمان ـ كما يوصينا الحبيب ـ ليس بالتمنى، ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل.