الديوان| قهوة للسيدة
الخميس، 30 أبريل 2026 - 08:03 م
الأخبار
فى موعدهما الأول لم يدم انتظاره كثيرا بعد أن صرف النادل قائلا: «انتظر حتى تأتى السيدة».. من بعيد رآها مقبلة متهادية، كنسمة صيف عطرت المكان، وجعلت روحه خفيفة خفيفة، قام من مقامه مستقبلا إياها، سلم عليها، وانحنى مقبلا يدها كأميرة من أسرة ملكية، عدل وضع المقعد، وأجلسها، ثم جلس أمامها متأملا.
بعد دقيقة جاء النادل، وسأله: «ماذا تطلب يا سيدى؟» فقال: «اسأل السيدة أولا»، قالت: «قهوة بدون سكر»، وقال هو: «شاى». أحضر النادل ما طلباه، ووضع أمام كل واحد مشروبه، هى قهوتها التى بلا سكر، وهو كوب الشاى.
نظر إليها وقال: كيف تحتملين شرب القهوة بغير سكر؟! فردت عليه: وكيف تحتمل هذا المشروب السخيف؟! وسكتا.. سكتا.
ظل كلاهما يحضر فى موعده كل يوم، جاء النادل وسأل: «ماذا تطلب يا سيدي؟» قال: «قدم السيدة أولا»، قال النادل: «أية سيدة تقصد؟» قال: «السيدة هذه»، رد النادل: «أية سيدة؟ ليس هناك من سيدة». فوجه كلامه إليها متعجبا: «يقول إنك لست موجودة، هذا الأبله!.. يبدو أنه يستعمل عيونه القديمة ها ها ها ها، هذه السيدة، هذه!» قال النادل: «عفوا يا سيدى، ما من سيدة تجلس أمامك، قل لى بربك ماذا تطلب»؟ قال: «شاى، وهات للسيدة قهوة بدون سكر»، قال النادل وهو فى غاية الضجر: «يا سيدى ليست هناك سيدة، هل تريد أن أحضر لك شايا وقهوة؟» قال: «نعم، القهوة للسيدة، والشاى لى، ألا تفهم! أنت تضيع الوقت كثيرا».
انصرف النادل وفى طريقه قال له زميله الأقدم فى المكان: لا تشغل بالك هما هكذا كل يوم.
جلس هو يحدق فيها، وهى تحدق فيه، كما اعتادا دائما، شرب شايه ثم قام، وقامت السيدة بعد أن شربت قهوتها، وفى الممر المؤدى إلى باب الخروج التقيا، دخل أحدهما فى الآخر، ثم افترقا، كظلين غريبين امتزجا للحظات ثم انفصلا.