بعد فوزه بجائزة الدولة فى اليونان

خالد رؤوف

الأحد، 03 مايو 2026 - 10:05 ص

عائشة المراغي

«أنا جزء من كل ما صادفتُه». بيتٌ شعرى للإنجليزى ألفريد تنيسون فى قصيدته الشهيرة «عوليس»؛ يعبِّر بشكل كبير عن مشوار طويل قطعه الدكتور خالد رؤوف مع الترجمة، لم يقتدِ خلاله بأحد بعينه، لكن كل من قابله فى حياته ترك لديه أثرًا، حيث عاش لعقود بين أوروبا والولايات المتحدة ومصر، فأصقلت تلك التنقلات خبراته وثقافته، وانعكست بشكل ما على ترجماته؛ ربما من خلال التعرف على بيئات مختلفة وكُتاب جدد، والتعاطى مع ثقافاتٍ متنوعة، والقراءة بعدة لغات. كل هذا كان له دور فى بلورة ما يفكر فى تقديمه مُترجمًا للقارئ العربى، إذ يعتبر الترجمة ملاذًا إبداعيًا يوازى عمله الأكاديمى، ويجيد الفصل بينهما. وُلد رؤوف ونشأ فى الإسكندرية، فى كنف عائلة ذات جذور صعيدية، شأن كثيرٍ من أبناء المدينة. ولتلك العائلة يدين بالفضل الكبير فى كل شىء، لاسيما والده الذى يصفه قائلًا «هو بالنسبة لى ليس فقط بطلى؛ ولكنه بطل الحكاية وكل الحكايات».  بعدما أنهى المرحلة الثانوية؛ قرر السفر إلى اليونان بدافع شغفه المبكر بالمسرح، إذ كان الأدب اليونانى عمومًا، والمسرح اليونانى خصوصًا، يستحوذان على اهتمامه آنذاك. وهكذا وجد نفسه يدرس التاريخ والآثار ثم اللغة والأدب فى الجامعة نهارًا، بينما يتابع دراسته المسرحية فى المدرسة المسائية، فالتقت المسارات كلها فى وقت واحد.  تخرج فى جامعة أثينا الوطنية، وأضاف لخبراته بدراسة الفنون المسرحية فى كل من اليونان والولايات المتحدة الأمريكية، كما تخصص فى اللغة اليونانية والترجمة الأدبية بجامعة أثينا والاتحاد اليونانى الأمريكى فى أثينا. نال درجة الدكتوراه فى تاريخ الفن الكلاسيكى من جامعة شيكاغو، والتى يجمعه بها تعاون أكاديمى مستمر حتى اليوم، حيث يعمل أستاذًا جامعيًا متخصصًا فى تدريس تاريخ الفن والترجمة الأدبية. بدأت علاقته بترجمة الأدب اليونانى منذ سنوات الدراسة الأولى، حين أخذ يقرأ النصوص بلغتها الأصلية، ويعود إلى الأعمال التى كان قد قرأها فى مصر مُترجمة إلى العربية. عن شعوره آنذاك يقول: «فى البداية اندهشتُ، ثم صُدمت، وشرعتُ أقارن بين الأصل والترجمة، لأكتشف أن كثيرًا منها منقول عن لغات وسيطة. عندها أدركتُ حجم المشكلة؛ بعض الأعمال كانت مشوّهة، وبعضها الآخر ــ رغم براعة المترجمين ــ يفتقر إلى الدقة وإلى روح البيئة اليونانية، فضلًا عن الترجمات «بتصرّف» التى تُفقد النص أصالته. ظللتُ مترددًا إلى أن عدتُ إلى مصر عام 2009، وهناك دفعنى الصديق العزيز، الشاعر والكاتب وصاحب دار «جدار» خلف على الخلف، إلى إنجاز أول ترجمة مباشرة عن اليونانية «مختارات للشاعر الكبير يانيس ريتسوس». ولولا دعمه وإصراره، ربما كانت هذه الخطوة ستتأخر طويلًا. وما زلتُ أذكر فضله فى كل مرة نتحدث فيها، فهو صاحب أثر لا يُنسى».  منذ ذلك الحين؛ ترجم خالد رؤوف نحو 45 مؤلفًا لأبرز الأدباء اليونانيين، أمثال: يانيس ريتسوس، نيكوس كازنتزاكيس، ديميتريس ديميترياديس، ستراتيس تسيركاس، كوزماس بوليتيس، بيرسا كوموتسى، ثيودوروس غريغورياديس، ياكوفوس كامبانيليس، وأنتونيس ساماراكيس، وغيرهم. وفى المسرح؛ نقل إلى العربية أعمالًا عالمية عن اللغتين الإنجليزية واليونانية، شملت روائع لجورج برنارد شو، وتينيسى ويليامز، وصمويل بيكيت، بالإضافة إلى ترجمة كتاب مهم عن المسرح الإفريقى بعنوان «اتجاهات فى المسرح الإفريقى» للبروفيسور كين إيجوينو. فضلًا عن أنه شغل لمدار أربع سنوات منصب المنسق العام للأنشطة الثقافية والتعليمية فى المؤسسة الثقافية اليونانية (فرع الإسكندرية)، كما تولى الإشراف التنفيذى على مشاركة اليونان كضيف شرف فى الدورة الثالثة والخمسين لمعرض القاهرة الدولى للكتاب.  حصد رؤوف خلال رحلته مع الترجمة؛ عددًا من الجوائز المهمة، من بينها: جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولى عن فئة «الإنجاز»، وجائزة «الإنجاز المهنى» التى منحته إياها جمعية المترجمين اليونانيين عام 2024 عن مجمل أعماله. ومؤخرًا حصل على جائزة الدولة فى اليونان عن ترجمته لمسرحية «فناء المعجزات» للكاتب ياكوفوس كامبانيلِس، الصادرة عن دار جسور للنشر والتوزيع، والتى يبدأ من عندها حوارنا معه. لنبدأ من الإنجاز الأحدث؛ فوزك بجائزة الدولة فى اليونان عن ترجمة مسرحية «فناء المعجزات». هى ليست الجائزة أو التكريم الأول فى اليونان، كيف شعرت بها هذه المرة؟ وهل توقعتها من البداية؟ أنا عمومًا لا أهتم كثيرًا لأمر الجوائز بالرغم من أهميتها ــ بمعنى أننى لا أسعى إليها ــ إلا أننى لا أشعر أن الجوائز تغير شيئًا ملموسًا فى حياتى أو فى عملى. ما يشغلنى حقًا، فى اليوم التالى وكل يوم يليه؛ هو العمل الذى أنجزه الآن أو أعده للترجمة. بالرغم من هذا فإن الفوز بجائزة الدولة فى اليونان شىء جميل وأسعدنى كثيرًا فى الحقيقة، لأن تلك الجائزة لا يتقدم لها الفائزون أو المرشحون، وإنما هناك لجنة مستقلة تشكلها وزارة الثقافة اليونانية، تختار وتعد قائمة قصيرة يُعلن عنها، وفيما بعد يُعلن عن الفائزين. أستطيع أن أقول إننى سعدتُ أكثر عند إعلان القائمة القصيرة؛ لأن الكاتب يُترجم لأول مرة إلى العربية، ولأن العمل مسرحية، ومن أجل الناشر المصرى «دار جسور» الذى تحمس كثيرًا لنشر العمل على الرغم من بعض الصعوبات التى واجهتنا. ما الذى جذبك إلى مسرحية «فناء المعجزات» تحديدًا دون غيرها من نصوص ياكوفوس كامبانيلِس؟  الحقيقة أنا منجذب للمسرح اليونانى الحديث بشكل عام، لما فيه من أعمال مهمة أعتقد أنها ستضيف كثيرًا إلى المكتبة العربية، ولا سيما إلى المسرح العربى. فالمسرح اليونانى مهم فى حد ذاته، والقديم منه الذى تُرجم أغلبه بالفعل أضاف إلى الثقافة والأدب على مستوى العالم، لكن الحديث لايزال مجهولًا بالنسبة لنا. أعتقد أن ما يقدمه المسرح كفن أو كنوع أدبى ربما يحتوى على شمولية ومرونة لا تتمتع بها الأصناف الأدبية الأخرى. كامبانيليس هو أبو المسرح الحديث فى اليونان وقد قام بثورة شاملة فى شكل المسرح اليونانى التقليدى، وأهم ما يميزه هو قدرته على تصوير نبض وواقع المجتمع اليونانى وهمومه، ورشاقة قلمه ولغته، فهو من المجددين فى اللغة الأدبية والمسرحية، ومسرحياته تُقرأ وكأنك تراها على خشبة المسرح. كذلك تنوع أسلوبه الذى مزج فى أعماله بين الواقعية الاجتماعية، والرمزية الشعرية، والسخرية اللاذعة، والبساطة المفرطة وواقعيته، ومزجه بين الخيال والواقع وتعدد البنى فى كتاباته. وقد اخترتُ «فناء المعجزات» لأنها أحد أشهر وأهم أعماله، والتى يمكن أن تقدم الكاتب بشكل واضح للقارئ العربى، كما أننى أرى أنها ربما تكون الأقرب لواقعنا، أى أنها تشبهنا بشكل ما؛ أحداثها وشخوصها والبعد الإنسانى الواقعى فى المسرحية. إلا أننى أرغب فى ترجمه أعماله المسرحية كاملة نظرًا لاتساع مدى موهبته وتنوعه. إلى جانب «فناء المعجزات» لياكوفوس كامبانيليس؛ ترجمت مؤخرًا قصصًا قصيرة لأنتونيس ساماراكيس، وهما ينتميان لنفس الحقبة وصدرا بالتعاون مع لجنة الآداب بوزارة الثقافة اليونانية. فهل يمكن اعتبارهما نواة لمشروع تعمل عليه؟ أم أنك تستكمل مشروعًا قائمًا بالفعل؟ هذه الحقبة من أثرى الفترات فى اليونان على مستويات عدة، وانعكاس هذا على الأدب كان جليًا. ليس هناك مشروع متضح المعالم مع لجنة الآداب، لكننا بصدد تكوين مشروع يعمل على ترجمة أهم الأعمال الأدبية فى القرن العشرين وما بعده، وهو ما يتفق مع ما أفكر فيه. ترجمت أعمالًا مختلفة عبر السنوات، من الرواية إلى الشعر والمسرح. هل تعتمد فى اختيارك على ذائقتك فقط أم يخضع الأمر لخطة عمل مهنية؟ ذائقة المترجم تلعب دورًا بالتأكيد، لكننى أعمل وفق استراتيجية خاصة أحاول تنفيذها قدر الإمكان، جوهرها باختصار هو تقديم بانوراما للأدب اليونانى الحديث للقارئ العربى، وهو ما يعنى التنوع واختيار أعمال مهمة ومؤثرة؛ أعمال أضافت للأدب اليونانى والعالمى، ومن ثم يمكنها أن تضيف إلى المكتبة والأدب العربى. يجب ألا نغفل أيضًا أن هناك - فى رأيى - ربما ثلاثة أنواع من الترجمات أو ثلاثة عوامل تلعب دورًا فى اختيار الأعمال؛ أولها أعمال يحلم المترجم بتقديمها، ربما هذا يقع تحت بند الذائقة الشخصية. والثانى أعمال ينبغى ترجمتها، نظرًا لأهميتها فى الثقافة المنقول عنها وتأثيرها. أما الثالث فهو الأعمال التى تُعرض على المترجم سواء من خلال مشاريع لمؤسسات أو دور نشر، أو ناشر ربما يتحمس لعمل معين. أحيانًا تجتمع العوامل الثلاثة فى عمل واحد، وهو ما حدث معى أكثر من مرة. وأحيانًا تتفق رغبة أو حماس الناشر مع استراتيجية أو خطة المترجم. تخصصك فى الفنون المسرحية جعل لديك اهتمامًا خاصًا كمترجم بنقل المسرحيات المهمة سواء يونانية أو عالمية إلى اللغة العربية. ما معاييرك فى اختيار النصوص؟  بالتأكيد. المعايير ببساطة هى قوة النص المسرحى نفسه وبعده الإنسانى وقدرته على التعبير عما يؤرق الإنسان فى العصر الحديث، بما أننا نتحدث عن المسرح اليونانى الحديث. كذلك قدرة الكاتب أو النص على طرح التساؤلات الجوهرية التى تربك القارئ وتورطه فى نفسه ووعيه وإشكاليات عصره ومجتمعه الصغير والكبير العالمى. هل هناك نص أحدث تغييرًا كبيرًا فى حياتك؟ سواء على المستوى المهنى بعد ترجمته أو على المستوى الشخصى والإنسانى؟ ليس هناك نص بعينه أحدث تغييرًا فى حياتى، لكن يمكن أن أقول إن التراجيديات الإغريقية كانت ولا تزال لها أثر كبير؛ ليس علىّ فقط، ولكن على الأدب العالمى القديم والمعاصر.  ولأن الشىء بالشئ يُذكر؛ ثمة تساؤل جوهرى يؤرقنى دائمًا، وهو يتصل بجذور تاريخنا الفكرى، فمنذ العصر العباسى، اضطلعت اللغة العربية بدور حضارى فارق عبر نقل الفكر والعلوم والفلسفة اليونانية، وهو صنيع ترك أثرًا لا يُمحى فى الثقافة العربية والإنسانية قاطبة، حتى غدا العالم - وأوروبا فى طليعته - مدينًا للعرب فى الحفاظ على هذا الإرث وبثّ الروح فيه خلال العصور الوسطى. بيد أن هذا المسار المعرفى العظيم قد أغفل، لسبب أو لآخر، فن المسرح اليونانى، الذى ربما لم يكن آنذاك فنًا مألوفًا فى البيئة العربية. وهنا يبرز السؤال المثير: ماذا لو أن العرب قد مخروا عباب التراجيديا والكوميديا اليونانية فى ذلك العصر؟ كيف كان للدراما والمسرح اليونانى بآفاقهما الإنسانية والفلسفية أن يُثريا وعينا الثقافى، ويصقلا أدوات لغتنا، ويغيّرا مجرى تاريخنا الإبداعى؟  هل شعرت أن العربية أحيانًا تقاوم النص اليونانى؟  على العكس؛ اللغة العربية يمكن أن نقول إنها ابنة الترجمة. هى لغة مرنة وطيعة، وثراؤها يتيح استيعاب أى نص وأى فكر. لم أشعر أبدًا بأن هناك مشكلة كبيرة فى نقل أى مفهوم من اليونانية إلى العربية. الترجمة مليئة بالتحديات الصغيرة والكبيرة فى بعض النصوص أكثر من غيرها، لكن هذا لا يشعرنى بأزمة على الإطلاق، هو جزء من العملية الإبداعية للترجمة بشكل عام. رغم أن مصر واليونان يبدو أنهما متقاربتان عن قربهما لأوروبا، إلا أن علاقتهما فى الترجمة لا تعكس ذلك تمامًا ما الذى ينقصها؟ يفتح هذا التساؤل بابًا واسعًا لنقاش طويل، غير أن جوهر القضية يكمن فى إدراك أن الثقافة ليست مجرد إحساس أو وجدان، بل هى منظومة سياسات واستراتيجيات واضحة. ومن خلال خبرتى؛ أرى أن الحلقة المفقودة تتمثل فى غياب أقسام متخصصة فى الأدب العربى داخل الجامعات اليونانية، وهو نقص لا يمكن تجاوزه إلا عبر تنسيق رفيع بين الدولتين لوضع استراتيجية ثقافية وتعليمية مشتركة، فالتعليم هو الرافد الحقيقى لأى مشروع ثقافى. وفى الوقت الذى تحتضن فيه الجامعات المصرية أقسامًا عريقة لدراسة اللغة والحضارة اليونانية، لا نجد فى اليونان ما يقابله. إن إدماج دراسة العربية هناك، بالتعاون مع مؤسساتنا الأكاديمية، هو الطريق الوحيد لخلق توازن معرفى يجعل من اليونانية لغة حية وفاعلة فى وجداننا، تمامًا كما هو شأن اللغات الأخرى الشائعة، وهو طموح مشروع لا يتحقق إلا بجهد مؤسسى مُتبادل. بما أنك مطلع على الثقافتين وتجيد اللغتين. هل تحرص على متابعة الترجمات اليونانية للمؤلفات العربية؟  بالتأكيد. أنا متابع وقارئ جيد لكل الترجمات التى تصدر عن اليونانية للأدب العربى والمصرى بشكل خاص، بل قدر استطاعتى أحاول المساعدة ودعم كل المحاولات الجارية لترجمة أعمال عربية إلى اليونانية، وأدعم وأساعد دور النشر والمترجمين (على قلتهم) الذين يعملون على ترجمة الأدب العربى وأقترح عليهم أعمالًا روائية وغيرها، وحتى الآن تسير الأمور بشكل بطىء لكن مثمر إذا نظرنا إلى عدد العاملين على هذا الأمر. وصدرت بالفعل فى السنوات الأخيرة أعمال مهمة عن العربية، وجارٍ أيضًا نشر بعض الأعمال للكتّاب المعاصرين الشباب من مصر تحديدًا، منهم إيمان مرسال ومحمد خير وبسمة عبد العزيز، وكذلك لآخرين من كتابنا الكبار مثل: صنع الله إبراهيم وطه حسين، عن دار نشر «سالتو» اليونانية، ولمترجمة شابة ممتازة وواعدة هى «فيكى بوترى». هناك جهود أخرى أيضًا من مترجمين مجتهدين غيرها، وكذلك بعض دور النشر اليونانية تحاول نشر الأدب العربى إلا أنها تظل محاولاتٍ ضعيفة. ما النصائح الأهم التى توجهها لطلابك الدارسين للترجمة الأدبية؟  لا أحب تقديم النصائح بشكل مباشر، ولكنى أحاول أن أنقل تجربتى وخبرتى المتواضعة فى تعلم هذه الصنعة، وأنا أقصد تسميتها بالصنعة، إذ أنها ليست علمًا ولا فنًا صرفًا، ولكنها أقرب إلى الفن التطبيقى الذى يجمع بين المعرفة والإبداع؛ أى «صنعة»، وبالتالى ما أحاول أن أذكر به نفسى دائمًا وأنقله إليهم باختصار شديد كالتالى: الترجمة تكون عن اللغة الأصلية وليس عن لغة وسيطة. عليك أن تكون قارئًا محترفًا. المترجم كاتب بالأساس، وبالتالى عليك أن تصقل هذه المهارة وهى تأتى عبر القراءة والكتابة باستمرار. أفضل تدريب على الترجمة هى الترجمة، فأنت تتعلم مع كل كلمة وفقرة وصفحة وفصل وكتاب. قبل أن تشرع فى الترجمة عليك قراءة العمل جيدًا، أن تدرسه جيدًا وتقرأ كل ما كُتب عنه وعن الكاتب من مقالات ودراسات ــ ما تيسر. أنت لا تنقل من لغة إلى لغة وإنما تنقل ثقافة؛ فكر وفلسفة البيئة والكاتب، فعليك أن تكون دائم الاطلاع على ما يجرى فى البيئة التى تنقل عنها. المعرفة بالتاريخ القديم والمعاصر والحاضر فى الثقافة التى تنقل عنها يسهلان مهمتك كثيرًا. تعلم اللغة لا ينتهى، فاللغة كائن حى، تتطور باستمرار وعليك متابعة هذا التطور. مهمتك أن تقدم نسخة طبق الأصل من أفكار الكاتب وأسلوبيته، فما يفعله المترجم هو أنه يعيد إحياء النص الأصلى فى بيئة ولغة جديدة. أنت لست كاتب النص، أنت مترجمه، فلا تضيف ولا تحذف ولا تحور أفكار الكاتب بأى حجة. عملية الترجمة تحتاج إلى عمل كثير وصبر أكثر، ودائمًا دائمًا دائمًا؛ مهما بلغت من نجاح أو خبراتٍ، تواضع أمام أى نص تتناوله. من المشكلات التى لطالما تحدثت عنها هى الترجمة عبر لغة وسيطة، واليوم نرى مشكلات جديدة قد ظهرت مع استخدام الذكاء الاصطناعى. كيف ترى الأمر وأثره على الترجمة الأدبية؟  الترجمة عبر لغة وسيطة تؤدى حتمًا إلى تسطيح النص وفقدان ظلاله الدلالية والجمالية. والذكاء الاصطناعى تكمن خطورته فى الترجمة الأدبية فى أنه يعمل كلغة وسيطة رقمية تفتقر إلى الحسّ والذائقة، مما قد يجرّد النص من خصوصيته الثقافية وبصمة مؤلفه. ولتفادى هذه المعضلة؛ ينبغى أن يقتصر دور التقنية على المساعدة المعجمية والبحثية. ما المشاريع التى تعمل عليها حاليًا فى الترجمة؟ وماذا يصدر قريبًا؟ مشاريع متعددة بصدد إنجازها فى هذه الفترة منها: الشعر والرواية، وهناك خطة لنشر مجموعة من الأعمال المسرحية لم أستقر على جهة نشرها بعد. على سبيل المثال لا الحصر؛ الأعمال الكاملة لشاعر كبير من القرن الماضى اسمه كوستاس كاريوتاكيس، أحد أهم شعراء اليونان، كما أن هناك عملاً كبيراً لكازنتزاكيس لم يُترجم للعربية من قبل.