أشرف البولاقى
أشرف البولاقى


أشرف البولاقى .. يمشى بلا أساطير

أخبار الأدب

الأحد، 03 مايو 2026 - 10:13 ص

السّماح عبد الله

شعراء الصعيد، غالبا، يمشون بيننا محملين بالأساطير، قد ورثوها عبر آلاف السنين من أسلافهم الضاربين فى القدم، لكن أشرف البولاقى لكى يكون أشرف البولاقى، خدعنا بعض الوقت، وادعى أنه يمشى بيننا بلا أساطير، ولكى يثبت لنا خدعته هذه، تخلى عن أساطير كثيرة بالفعل، لكنه احتفظ لنفسه ببعض الأساطير الصغيرة، حاول فى البداية أن يخبئها بين جلده وقميصه، ولما اكتشف أنها تبين فى كل خطواته، أخرجها، ورفعها راية فى وجوهنا، وكأنها خلاصه الأخير، من أهم هذه الأساطير أسطورته المتطرفة فى الصداقة.

نحن يا صاحبى ميتون
وليس لنا غير حزن مرير
فكيف إذا ناوشتك المنون
وأدركت كشف اللثام الأخير؟
لعل هذا المقطع الشعرى للشاعر هو آخر ما كتبه من قصائد، أو لعله يكون من قصائده الأخيرة، التى يخاطب فيها صديقه الشاعر أوفى الأنور، أو يخاطب فيها نفسه، أو يخاطبنا نحن ليخبرنا بأننا ميتون، ولأننا كذلك، فينبغى علينا أن نقبض بأصابعنا العشرة على أصدقائنا، ولعله يكون الشاعر الوحيد بيننا الذى تخصص فى كتابة قصائد عن أصدقائه، فيما يمكن أن يوصف بالأخوانيات الشعرية، حتى أنه كتب ديوانا كاملا عن صديقه الشاعر أحمد الجعفرى، لم يقف الأمر عند حدود الشعر، بل تعداه للنثر، فكتب مقاطع كثيرة عن حسن عامر وحسين القباحى وعبيد عباس وسمير درويش وعزت الطيرى وعمرو الشيخ وغيرهم، لم تكن الكتابة كتابة نقدية، أو لإبداء رأى بقدر ما كانت كتابة محب عن محب، احتشاد لغوى باذخ، وألاعيب بلاغية فى صياغة الجملة، وجناس ومحسنات بديعة حداثية، ليقول لصديقه كل سنة وأنت طيب، أو ليقول لنا إنه جلس إليه على دكة فى محطة بنى سويف، وبعد الفراغ من القراءة نتساءل مندهشين:
 ماذا يريد أشرف البولاقى بالضبط من هذه الكتابة؟ هل الأمر عبثى إلى هذا الحد؟ ولماذا يصر أن يكتب قصائد كل عام فى أعياد ميلاد نفر من أصدقائه؟ ويحدثنا فى صفحته الفيسبوكية عن أحواله وهو يستعد لكتابة قصيدة عيد ميلاد صديقه؟
 اهتمامه بهذا الأمر يعكس اهتماما فى اللا وعى بالزمن، فهو مسكون بفكرة مرور الوقت، وبأن عيد الميلاد ليس فقط دلالة على أننا كبرنا سنة، لكنه يعنى أننا نقترب من الموت، ليس هذا فحسب، بل إننا فى خطواتنا تجاه تفاصيل الحياة، إنما نخطو إلى حتفنا:
سأمضى
سأمضى خفيفًا خفيفًا 
بما يكفى لأن أختفى 
ولأن تقولَ لنفسِك يومًا: 
كان هنا.. لكننى لم أنتبِه!
 أحيانا تتبدل الأدوار، وبدلا من أن يمشى الموت تجاهه، يمشى هو تجاه الموت، يكون ذاهبا إلى لقاء عاطفى، ويكون وجدانه ممتلئا جدا بحكايا الحب الكلاسيكية، وبأحلام الوجد الحداثية، فيجد نفسه وجها لوجه أمام الموت، وكأنما هو مرصود من قبل ما لا يحتمله قلوب العشاق وعيون الشعراء:
وثمّة امرأةٌ.. وشيءٌ غامِضٌ يحتلُّ صورتَها
أنا أحتاج ذاكرةً لتنفجِرَ التفاصيل الأخيرةُ
لستُ أدرى هل تشيرُ
كما أشار إلىَّ مِن سيارةِ الموتَى رفيقى؟
أم تحدّثُ كائناتٍ عن غيابى!؟
 من أساطيره أيضا، الحدة المبالغ فيها، وقد يبدو الأمر ملغزا بعض الشيء، فهو أصلا متهم بالمجاملة فى الكثير مما يكتبه عن أصحابه الشعراء، فكيف يكون حادا فى الخلاف معهم إلى هذا الحد؟ الأمر فى ظنى بسيط، هو يستطيع أن يفصل بين الأمرين، هذه نقرة وتلك نقرة أخرى، والحقيقة أن حدته فى الاختلاف ليست جديدة عليه، من الواضح أنها معه منذ بداياته، يحكى لنا الناقد الدكتور حسن مغازى أنه التقى أشرف البولاقى عام 1986، كانا طالبين، وكان البولاقى يثير كثيرا من الأسئلة مع شيوخ الدار، الأمر الذى يأخذ الأستاذ المسئول فى منحى بعيد عما جاء من أجله، وكثيرا ما كان الدكتور عبد الواحد علام أستاذ البلاغة والنقد يلغى المحاضرة من كثرة هذه المناوشات.
 اللغة من أساطيره الكبرى، هو يحب اللغة جدا، ويتضايق كثيرا إذا لحن أحد الشعراء أمامه، ذلك أمر وارد وطبيعى، أم غير الطبيعى وغير الوارد على الإطلاق، فهو أنه قرر أن يتحدث باللغة العربية الفصحى فى كل مكان، مع سائق الميكروباص، وحارس العقار، وقاطع التذاكر فى القطارات، مما ينتج عنه الكثير من المواقف المضكة، وقد سألته:
 يا صديقي، هل تمارس الحب باللغة الفصحى؟
 أكد لى أنه يفعل ذلك، بل وأضاف بأن اللغة الفصحى لها مفعول السحر فى هذه المنطقة، ودعانى لأن أجربها، وأنا وعدته بأننى سأفعل، وعندما حاولت تجريبها، ويا ليتنى ما حاولت، كانت النتيجة كارثية.
 مرة عرجنا على سوق التوفيقية، ورأينا بائع فواكه ينادى على اليوستفندى الصابح، فاقترحت أن نشترى منه قبل أن نجلس على المقهى، أن أحب اليوستفدى البلدى، ويبدو أنه يشاركنى هذه المحبة، فتقدم للبائع وقال له:
 زن لنا كيلوين من اليوسف أفندى واختر الحبات اللواتى لهن قشرة غامقة.
 الرجل أطال النظر إليه وإلىّ، وتمتم:
 تحت أمرك يا باشا.
 وعبأ لنا كيلو، وأنا صححت للبائع الكلام:
 ياعم اوزن اتنين كيلو الله يخليك وصلى بينا ع النبى.
 لما أعطانا البائع الكيس سألنى:
 هل الأستاذ سعودى؟
 أجبته:
 لا، هو ممثل مسرحي، ويريد أن يعمل علينا بروفة.
 فابتسم وقال له:
 ماشى يا فنان، ابقى افتكرنا بقى لما تكبر النجومية.
 لكن أشرف البولاقى لم يفتكره.
 مرة نشر على صفحته خبر صدور كتابه الجديد «مصر وأنا وثورة الفيس بوك»، وشكر مدير تحرير السلسلة وسكرتيرها ومشرفها الفنى ومصمم الغلاف وهيئة الكتاب ورئيسها، ويبدو أن أحد الخبثاء همس فى أذنه:
 كيف شكرت الجميع ولم تشكر السمّاح عبد الله؟
 وهو أحس بالحرج، فهاتفنى موضحا الأمر بأنه ليس أكثر من سهو، وألح كثيرا فى قبول اعتذاره، واعدا بكتابة بوست خاص عنى، ليس فقط لأننى رئيس تحرير سلسلة مدونات عصرية التى أصدرت الكتاب، وإنما لأننى بالفعل أستحق تحية خاصة، وهو سينتهز الفرصة ليتحدث عن شعرى ودورى الثقافى بشكل عام، أنا لما وجدت الأمر مقلقا جدا له، حاولت أن أخفف وطأته، بل وطالبته بعدم كتابة شىء، وأخبرته أنه من غير اللائق أن يفعل ذلك، فإن فعل سأجد نفسى فى حرج كبير وأنا أقدم له أى مشاركة أخرى فى المستقبل، لأن الأمر سيدخل ساعتئذ فى نطاق تبادل المجاملات، لكنه لم يقتنع بكلامي، وفعل ما انتواه.
 من أساطيره اسمه، سألته مرة:
 كيف تكون من سوهاج، وتعيش فى قنا، واسمك البولاقي، ما كل هذه الارتباكة غير المبررة؟
 وشرح لى الأمر بلغته العربية الفصيحة:
 كن أبى فى مركب على النيل عندما ولدت، فسأل أشرف المراكبى:
 ما اسم المنطقة التى نحن فيها الآن؟
 قال له:
 بولاق.
 ابتسم أبى مقررا منحى اسم أشرف على اسم المراكبى، ولقب البولاقى على اسم المنطقة التى كان فيها.
 يوم الأحد الخامس من فبراير عام 2023، كان من المفترض أن نقدم أمسية شعرية فى ييت الشعر نناقش فيها المشروع الشعرى لأشرف البولاقى، اتفقنا على هذا قبل الموعد بشهر، واخترنا بالفعل النقاد، لكننى اكتشفت أن هذا اليوم سيوافق يوم خروجى على المعاش، والأصدقاء فى بيت الشعر أصروا على اقامة احتفال خاص بى بهذه المناسبة يسبق الندوة، الأمر الذى سيترتب عليه تأجيل الندوة لمدة ساعتين، فأخبرته بذلك التأجيل، وهو أكد لى أن هذا حدث استثنائى، وسوف يحضر فى الموعد المحدد ليشارك فى الاحتفالية، وسوف يكتب قصيدة عنى خصيصا لهذا الغرض، بل إنه وهو يكلمنى أخبرنى بمفتتح القصيدة الذى يبدو أنه جاءه وهو يكلمنى:
 ستون عاما غير كافية لأن يتبادل الشعراء وردة.
 الذى حدث أن ثمة أمورا خارجة عن إرادتنا حدثت، نتج عنها أننا فى مجلس أمناء بيت الشعر، قررنا تقديم استقالتنا اعتراضا على بعض الأمور الإدارية، مما تسبب فى عدم إقامة الندوة والاحتفالية، لكن أشرف البولاقى كان حزينا جدا، ليس من أجل إلغاء ندوته، لكن من أجل إلغاء الاحتفالية الخاصة بى.
 صديقى أشرف البولاقى:
 أنت لم تكمل مثلى الستين عاما، بل إنك حتى لم تخبر أحدا بأن السبعة والخمسين عاما المصروفة لك على وشك النفاد، والغالب على الظن أنك فوجئت بهذا الأمر كما فوجئنا كلنا به، ولا بد أنك اندهشت جدا ولم تصدق، كما اندهشنا نحن ولم نصدق، ولعله سيكون متاحا لك فى فضائك العريض الذى أنت فى سكينته الآن أن تجيب على كل هذه الأسئلة التى شغلت فضاءك الشعرى عن الموت، فالموتى، كما تعرف، يملكون من الإجابات أكثر مما نملكه نحن، نحن فقط نطرح الأسئلة، تماما كم كنت تفعل عندما كنت تمشى فى الأسواق مثلنا.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة