عدسة الأدب
عبر عدسة الأدب
الأحد، 03 مايو 2026 - 10:20 ص
بِمَ يشعر من يقصف مدينة ويقتل مئات أو ربما آلاف المدنيين؟ كيف تتحول أفظع الجرائم إلى أمور روتينية أو وظائف تؤدى كغيرها؟ لطالما وضع الأدب والفن أسئلة مماثلة موضع المساءلة، كما انشغل فلاسفة وعلماء نفس واجتماع بمحاولة فهم وتفسير آليات ارتكاب جرائم الحروب وأهوالها، وكيف تحتضنها الحشود وتدافع عنها، بل وتجعل منها مادة للدعاية والفخر الوطني.
وإذا كانت حنَّة أرنت قد صكت مصطلح «تفاهة الشر»، أو عاديته، في سياق تناولها محاكمة النازي أدولف إيخمان، فإن روايات وسيرًا ذاتية وأفلامًا عديدة قد بينت لنا برهافة وبلا تنظير كيف يمكن أن تُقترَف الفظائع كأنها من عاديات الأمور، ولا تستحق التوقف أمامها.
يستدعي هذا إلى ذهني ما رواه الشاعر الأمريكي من أصل صربي تشارلز سيميك في سيرته الذاتية «ذبابة في الحساء» (الكتب خان، ترجمة: إيمان مرسال)، عن لقائه عام 1972 بالشاعر الأمريكي ريتشارد هيوجو، خلال تجمع أدبي بسان فرانسيسكو. كان سيميك عائدًا لتوه من زيارة إلى بلجراد، وحين علم هيوجو بهذا، أظهر معرفة قوية بالمدينة، وراح يرسم أهم معالمها على مفرش المائدة. افترض سيميك أن الرجل قد أقام فيها لفترة، لكن هيوجو اعترف له ببساطة أنه قصفها عام 1944، وارتبك حين أخبره سيميك أنه كان ضمن مَن تعرضوا للقصف من أهل بلجراد.
اعتذر هيوجو بشدة، فأكد له سيميك أنه لا يحمل له ضغينة، وسأله عن سبب عدم قصف مقر الجستابو ولا أي مبنى آخر كان يتواجد فيه الألمان بالمدينة، في حين قُصفَت الأحياء السكنية.
وتمثلت الإجابة في أن الغارات الجوية كانت تستهدف بالأساس حقول النفط الرومانية ذات الأهمية الاستراتيجية للنازيين، وفي طريق العودة كان الطيارون يتخلصون من حمولاتهم كيفما اتفق فوق بلجراد، ثم يعودون لقضاء بقية اليوم مع الفتيات على الشاطئ!
هكذا تُقصَف مدينة ويموت آلاف وتتحول بنايات وشوارع وميادين إلى خرائب لمجرد الرغبة في التخلص من حمولة زائدة من القنابل، ويقضي من اقترفوا هذا بقية يومهم مستمتعين على البحر.
لا ينشغل سيميك بإصدار الأحكام الأخلاقية، سواء وهو يسرد مجريات هذا اللقاء، أو وهو يحكي عن بصمات الحرب العالمية الثانية -وما خلفته من خراب وتدمير- على مدينته. وربما هذا ما يضاعف تأثير ما يرويه.
وهو أمر يميز الإبداع المتميز الذي يشرِّح الواقع ويفضح عواره بلا بكائيات أو تهويل، معرفًا القارئ على ما لم يعايشه، وكاشفًا أمامه خبرات وتجارب لم يكن ليكتشفها سوى عبر عدسة الأدب. فالقراءة تضاعف من تجربة العيش وتثريها وتعمقها؛ لأنها تفتح أمامنا آفاقًا لم نكن لنبلغها وحدنا.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










فانوس فوق المقطم
أصعب من الكتابة للكبار الأطفال كقراء قساة
جمال الغيطانى.. حامل سلام العابرين
بعد الفوز بجائزة البوكر العربية
صرختها الأدبية ألهمت أجيالاً من الكاتبات
د. جوزيبى سكاتولين.. مسيرة فريدة فى رحاب التصوف
السحر الأسود للكلمات: لماذا تغرى الفاشية الكُتَّاب؟
يا أنا!
غـيـمة