بيت الخلد: جدلية الاختيار
الأحد، 03 مايو 2026 - 10:25 ص
أخبار الأدب
تمثل رواية بيت الخلد أو الحياة السرية لفريدة المفتى للكاتبة هويدا صالح تجربة سردية استثنائية، تجبر القارئ على التورط فى عوالمها منذ الجملة الأولى وحتى الفراغ من صفحاتها الأخيرة فى جلسة قرائية واحدة ممتدة، لا لكونها تقدم حكاية شيقة فحسب، بل لقدرتها على تشكيل لغة بكر تتجاوز الاستعارات الجاهزة والمجازات المستهلكة، لتصنع مجازها الخاص المنبثق من صلب الواقع وتفاصيل الحيوات السرية.
إن الرواية، وهى تتخذ من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مسرحا زمنيا لها، لا تسعى لاستعادة التاريخ بوصفه متحفا للماضي، لكنها توظفه كأفق رحب لتموقع الراهن، والبحث فى أسئلة الوجود الإنساني، وفى مقدمتها سؤال الاختيار بوصفه المحرك الأنطولوجى الأول للشخصيات.
ينطلق السرد من شبكة معقدة من المصائر، تبدأ بنبوية التى تجسد وعيا مبكرا بضرورة استعادة الآدمية المسلوبة فى مؤسسة الزواج التى تحولت إلى وأد معنوي، فتقرر بوعى حاد ممارسة الدعارة كفعل تمرد، ثم تنتقل من القاهرة إلى قفط هربا من الوأد المعنوى ذاته والمتمثل فى محاولة سيطرة إبراهيم الغربي، وصولا إلى قرارها بمغادرة بيت قصور الأميرات هربا من سادية السلطة متمثلة فى أحد الأمراء، لتلتقى بفريدة المفتي.
وهذه الأخيرة تمثل النواة الصلبة لفعل الاختيار؛ إذ لم تكتف بتجاوز ندوب ماضيها المرتبط بزواج قسرى وسادية ذكورية أدت لإجهاض جنينها، فقد كان استقلالها بتجارتها فى البداية عن سطوة رجال عائلتها بمثابة التدشين الفعلى لمعرفتها بفعل الاختيار، بعد أن كانت لزمن طويل مستسلمة لمصيرها القاتم فى زواجها الأول، هذا التحول من الاستسلام إلى الإمساك بزمام التجارة لم يكن فعلا اقتصاديا فحسب، فبالإضافة إلى ذلك كان إعلانا عن ولادة ذات جديدة تقرر وتنفذ، حيث حولت تلك الانكسارات إلى طاقة لبناء كيان اقتصادى وإنسانى مستقل.
ومن خلال تأسيس بيت الخلد كفضاء سرى للمتعة، وباعتبار ذلك محاولة لمساعدة نبوية فى الاستقلال بعملها، تعيد فريدة صياغة مفهوم الرغبة، حيث تصبح المرأة هى صاحبة السيادة والاختيار، فى محاولة واعية للتحرر من فخ الجسد وتأكيد السيطرة على المصير الشخصي.
إن فريدة المفتى هنا ليست مجرد قوادة بالمعنى التقليدي، لكنها مهندسة فضاء اجتماعى بديل، يحاول ترميم ما أفسدته السلطة الأبوية فى نفوس النساء، وهى إذ ترفض الزواج من خليلها الضابط سليم، فإنها تمارس نوعا من الصوفية الدنيوية التى ترفض الامتلاك لتكتفى بـالتحقق.
وفى موازاة ذلك، وفى مقابل قوة فريدة المفتي، تبرز تجربة ألما أم سورما كنموذج للاختيار الذى يمليه الاضطرار ورهبة الوجود؛ ألما التى كانت تحلم بحذاء لامع كصفحة البحيرة يحمى قدمها من أشواك الغابة، ارتضت فى النهاية باختيار سيدها الزواج من العبد المسن كوسيلة حماية، إن هذا التنازل الوجودى من حلم الحذاء/الجمال إلى واقع الزواج/الدرع يمثل انكسارا مبكرا فى مفهوم الحرية، وهو الإرث الذى انتقل إلى ابنتها سورما التى ولدت فى العبودية وظلت أسيرة قدرية نفسية جعلتها تختار التبتل بجوار معتقها بولدوين عوضا عن الانعتاق التام.
إن الفرق الجوهرى هنا يكمن فى توقيت الوعي؛ فبينما كان استقلال فريدة المفتى بتجارتها فى البداية عن سطوة رجال عائلتها هو التدشين الفعلى لمعرفتها بفعل الاختيار، بعد أن كانت مستسلمة لمصيرها فى زواجها الأول، ظلت ألما وسورما لزمن طويل داخل دائرة الاختيار من أجل الحماية لا الاختيار من أجل التحقق. ولعل هذا ما يفسر لماذا لم تكتمل دائرة الاختيار لدى سورما إلا بعد موت بولدوين، حين قررت أخيرا العودة للجذر، إلى إثيوبيا، وكأن غياب المحرر كان هو الشرط الضرورى لاستعادة حلم الأم القديم بالوقوف على أرض صلبة بعيدا عن الأشواك.
إن حالة سورما تمثل إشكالية الحرية الممنوحة مقابل الحرية المنتزعة؛ فعلى الرغم من صك العتق والمال الذى وهبه إياها بولدوين، فقد ظلت عاجزة عن مغادرة مربع التبعية العاطفية لمن تعتبره منقذها ومحررها، غير أن التحول الدرامى المذهل يكمن فى اختيارها العودة إلى إثيوبيا بعد موت بولدوين؛ وكأن غياب المحرر كان هو الشرط الضرورى لتفعيل إرادتها الذاتية.
لقد اختارت سورما العودة للجذر، للوطن الأم، ليس كهروب، لكن كفعل اكتمال لشخصيتها التى لم تجد فى مصر سوى ظلال الحرية، بينما وجدت فى العودة إلى إثيوبيا جوهر الاختيار المستقل.
أما بولدوين نفسه، فيمثل نموذجا للمثقف الإنسانى الذى اختار مصر وطنا، نابذا الثقافة الاستعمارية، ومفضلا العمل فى ريف أسيوط ليكون قريبا من الفلاحين، وهناك تتقاطع مساراته مع إستر، الفتاة الوفدية المناضلة التى تجسد روح ثورة 1919.
وإستر ليست مجرد مثقفة قبطية، فهى تمثل الضمير الاجتماعى الحي، حيث اختارت الانحياز للفقراء والنساء المستضعفات فى لحظة تاريخية فارقة اتسمت بالغليان الوطني.
وقد كان زواجهما تتويجا لمناورة فكرية تدور حول الاختيار بين جماليات فلوبير وبودلير، فى إشارة رمزية إلى أن الانحياز الجمالى هو فى جوهره انحياز لمشروع حياة إنسانى يتجاوز الفوارق العرقية والدينية، حيث تجد إستر فى بولدوين الآخر الذى يحترم نضالها ويدعم اختيارها السياسى والاجتماعي.
تعتمد الرواية فى بنائها المعمارى على تقنية وجهات النظر المتعددة، وهى تقنية تمنح السرد مرونة فائقة فى استبطان الوعى الداخلى لكل شخصية على حدة، وعلى الرغم من اعتماد الكاتبة على ضمير الغائب، يجد القارئ نفسه أمام راو عليم محدود الرؤية يلتزم بحدود وعى الشخصية التى يقاربها فى كل فصل، مما سمح بظهور أصوات نبوية، فريدة، بولدوين، سورما، وإستر، وصولا إلى سليم، دون السقوط فى فخ التشتت السردي، ضمن ثلاثة خطوط سردية أساسية متشابكة، ويعكس هذا التشابك الشفاف بين الخيوط الثلاثة الأساسية قدرة فائقة على ضبط الإيقاع الدرامي؛ فالرواية لا تقدم صوتا مركزيا واحدا، لكنها تتيح لكل ذات إنسانية أن تعرض مبررات وجودها وتفسيرها الخاص للعالم.
كما يخدم هذا التعدد فى وجهات النظر الغاية الفلسفية للعمل، حيث تتحول التقنية السردية إلى أداة لتحليل المواقف الإنسانية المعقدة، فتبدو الشخصيات كأنها هى من يسرد تاريخها الخاص، بينما يظل الراوى بمثابة المرآة التى تعكس هذا الوعي.
إن الانتقال بين وجهات النظر يمنح القارئ إحساسا بالكلية والموضوعية فى آن واحد، ويجعل من بيت الخلد ليس مجرد مكان فى الرواية، فهو البؤرة التى تتجمع فيها كافة الإرادات وتتصادم فيها الاختيارات الكبرى، خاصة فى الثلث الثانى من العمل الذى يشهد تحول البيت من فضاء للترقى الروحى والخروج من أسر الإجبار إلى فخ سياسى يستخدم فى صراعات القوى بين الإنجليز والوفد والإخوان المسلمين.
وهنا تبرز براعة التوظيف الدرامى لشخصية سليم، الذى يظل بلا اسم طالما هو فى حيز العلاقة الإنسانية الخالصة مع فريدة، ولا يظهر اسمه الصريح إلا حين يمارس دوره الوظيفى كضابط شرطة، مما يعزز الفكرة النقدية القائلة بأن الهوية الحقيقية للإنسان تكمن فى جوهره لا فى مسمياته المادية أو الوظيفية.
يهيمن موتيف الاختيار على النسيج الدلالى للرواية، ليتحول من مجرد مفردة لغوية إلى بنية مركزية تتردد بانتظام فى اللحظات المفصلية للشخصيات.
إن تكرار هذه الدلالة فى مواضع استراتيجية من النص يرسخ فكرة أن الوجود الإنسانى هو مشروع اختيار دائم، فالاختيار فى بيت الخلد ليس مجرد رفاهية، إنه فعل مقاومة ضد السادية، التهميش، والعبودية بمختلف أشكالها.
الرواية بهذا المعنى لا تقدم خطابا أيديولوجيا زاعقا عن تحرر المرأة أو نضال الطبقات، حيث تلامس شفيف الوجود عبر رصد صراعات داخلية عميقة تجعل من الفعل الإنساني، بما فيه من تسامح وقوة، نتاجا لقرار حر.
وتبرز هنا قيمة الربط العبقرى بين المقامات الموسيقية والمقامات الصوفية؛ فحوار روسى عن أم كلثوم ليس مجرد استطراد تاريخي، بل هو فلسفة سردية ترى فى الموسيقى معراجا للروح نحو التحرر من أسر المادة.
إن المقامات الموسيقية فى الرواية توازى المقامات الصوفية فى رحلة الشخصيات نحو الخلاص؛ فكما يرتقى الصوفى من مقام الصبر إلى مقام الرضا ثم الفناء فى المحبوب، ترتقى فريدة المفتى ورفيقاتها من مقام الإجبار إلى مقام الاختيار ثم الترقى الروحي.
ويجعل هذا الربط من تجربة بيت الخلد نوعا من التكايا الحديثة التى يتم فيها تطهير الجسد بالحب والموسيقى، بعيدا عن دنس الاستغلال أو القهر السياسي.
إن متعة القراءة فى هذا العمل تنبع من تلك القدرة الفذة على بناء عالم متخيل يتسم بالصدق الفنى العالي، حيث تصبح الكتابة الروائية أداة للكشف عن الجوهر الحضارى الذى يربط البشر ببعضهم البعض عبر الاهتمام والشعور بالآخر.
لقد استطاعت هويدا صالح أن تقدم رواية معرفية بامتياز، تدمج بين التاريخى والوجودي، وبين الموسيقى والسياسة، لتضع القارئ أمام نص يفيض بالشغف ويحرض على التفكير فى مآلات الروح البشرية حين تقرر أن تكون هى سيدة اختيارها الوحيدة.
إنها تجربة جمالية ثرية، تؤكد أن الرواية العربية لا تزال قادرة على اجتراح مساحات جديدة من الصدق والدهشة، حيث يظل الاختيار هو الموتيف الذى يمنح الحياة معناها، ويمنح النص خلوده الفنى والجمالى الذى يستحقه بجدارة فى مدونة السرد العربى المعاصر.
إن القارئ حين يغلق دفتى الرواية، يشعر بأن بيت الخلد لم يعد مجرد فضاء روائي، لكنه صار حالة وجودية تتجاوز الزمان والمكان، لتطرح أسئلة الحرية والكرامة فى وجه كل أشكال الوأد والتعصب، مؤكدة أن الحضارة فى جوهرها ليست سوى تلك المسافة الفاصلة بين الإجبار والاختيار، وبين الجسد المستلب والروح المحلقة فى سماء المحبة الإنسانية الواسعة.