عزيزتى سيلين
البوح!
عزيزتى سيلين: جماليات
الأحد، 03 مايو 2026 - 10:33 ص
د. منير الحايك
تنطلق رواية رامى حمدى «عزيزتى سيلين» (دار نهضة مصر 2025) مع معلمة الفنون التى أرادت أن تختبر طلبتها بأن يرسموا لوحة ليحوّلوها إلى موسيقا، فكرة لطيفة تبدأ بها بطلة الرواية لتكون تمهيدًا لكلّ الموسيقا التى سترافقها وترافق المتلقين حتى نهاية الرواية. أما سيلين التى ستراسلها، فهى بالفعل سيلين ديون المغنية العالمية الشهيرة، ولكن لماذا!؟
فى فصل الرواية التمهيدى «حين بدأ كل شيء»، نعرف أن البطلة تصاب بمرض «متلازمة الشخص المتيبّس»، فتفقد القدرة على الكلام والتعبير، ومن هناك، تبدأ القصة مع أيام صمتٍ عشرة، فى ثلاثة أماكن مختلفة وأزمنة مختلفة، وثلاثة ظروف ومواقف وأحداث مختلفة، هى ثلاثون يومًا من حياتها، كان المشترك فيها أنها أيام من الصمت، يبدأ اليوم الأول من الصمت مع كلمات لأغنية لسيلين ديون، وتنتهى الأيام فى اليوم العاشر مع أغنية أيضًا، وفيما بينهما تتداعى الأفكار ونرافق حياة هذه المرأة بكل تفاصيلها.
يلجأ حمدى إلى تقنية التداعى وتيار الوعي، وهى اختيار موفّق لشخصية اختارت الصمت، حين أصابها المرض، وهو صمت لا قرار لها فيها، وحين زارت المعبد فى الهند، وكان خيارًا وقرارًا، وحين مات والدها، وهذا الصمت هو الأخطر والأعمق، والمسبب الأول، وليس الأوحد، لأزماتها ومرضها.
أيام الصمت العشرة تتفرّع بين رسائلها إلى سيلين وهى فى المستشفى، مدة عشرة أيام قبل الخضوع للعملية، وبين التجربة التى قررت خوضها فى الهند، وبين صمتها فى حضرة الموت، موت والدها الذى قررت أن تبقى على جسده الميت معها فى البيت، قبل أن يكتشف عمها الأمر، ويتم التعامل معها؛ يتم توقيفها. تخرج من التوقيف بأمر من الطبيب الذى قال إنه لا مشاكل نفسية خطيرة تستدعى بقاءها، ولكن بين يوم الصمت الأول والعاشر، تستدعى الكثير من الذكريات ومن الآمال ومن الخيبات ومن لحظات الحب والسعادة، تغوص فى أعماق نفسها وتخرج ما يحيلنا إلى الكثير مما فى دواخلنا نحن.
ما يميّز النص هو قدرة الكاتب على البَوح الذى قامت به الشخصية، وعلى تفاصيل ذلك البوح، والأهم، أنه كان يصدر عن شخصية أنثى، امرأة تقارب الخمسين من العمر، خاضت الكثير وعانت وأحبت ومرضت و»جنّت» مع موت الوالد. من يقرأ النص وينسى للحظة أن الكاتب رجل، يسمع صوت الأنثى بشكل عميق ومؤثر، ويسمع تفاصيل حياتها بوصفها امرأة، بإتقان وتفاصيل وصدق وعمق، وهذا أكثر ما يميّز نصّ رامى حمدى الروائي. أما لغة الرواية فرشيقة ومدروسة، ليس فقط من ناحية توظف البوح على لسان المرأة، بل من حيث الصياغات المحبوكة والسلسة، والمقبولة بأنها تصدر عن امرأة تعاني، فلا تنميق ولا ابتذال، بل كما يتطلبه المقام والمقال.
يمتلك حمدى العدّة الصحيحة، وقد استخدمها بشكل جيد ووفّق فى توظيف عدته، طال البوح أحيانًا على حساب السرد، بل إن السرد كان بطيئًا بالفعل، ولكن البطء مبرر والبطلة تستدعى كل ما حصل معها لتخبر بها طبيبها «هو»، الذى تتطور علاقتهما فيما بعد، ولتخبر سيلين بما أصابها وهو المشترك بينهما، وأن أغنياتها أصبحت شفاءً، ولتخبرنا بشكل مباشر أنها لم تستوعب وفاة والدها، ومعه تستدعى ذكرياتها حول وفاة أمها، التى نكتشف أنها لم تكن قد تجاوزته أيضًا، كل ذلك أثقل السرد، ولكنه كان مقبولًا إلى حد كبير، فتقنية التداعى الحر، قد يستخدمها الروائى فى ظروف لا تكون مبررة للشخصية بأن تستحضر كل ما استحضرته فى ثوانٍ أو ساعات حتى، أما فى هذه الرواية، فالخيار كان موفًّقًا ويحسب لها.
تنتهى الرواية بأنّ العملية قد تمت، وقد اختارت البطلة أن تفقد حاسة الشم على حساب اللغة، وخيارها يكون مقبولًا ومتوقّعًا من المتلقين، ولكن النهاية تبقى شيئًا من شيئًا من الغموض حول نتيجة العملية، ولعل اختيار الأغنية فى نهاية الرواية «I am alive»، كان معبرًا عما سيأتى فى المستقبل، وهو نجاة البطلة من الصمت، ومن عقدة وفاة الأب، وإن لم تنج بالفعل من العملية، ولكن المهم أنها مستمرة فى الحياة، والاستمرار هو الغاية من الرواية كما أعتقد، وهو الامتنان بأننا أحياء، فلنحيا كما يجب!
رموز كثيرة وردت فى الرواية، الصمت كان أهمها، أما «البايب» ورائحته، الذى ظهر منذ صفحات الرواية الأولى، ويكمل فى الظهور، وهو يمثل الأب الذى لم تتقبل موته، وأبقته معها مدة عشرة أيام تواجه الموت وتعتنى بوجهه وتواجه الطبيعة والحقيقة والدين والقرارات الصحيحة التى كان يجب أن تتخذها بأن يدفن مباشرة، هذا الغليون، الممثل لعقدة الأب لدى هذه المرأة، على الرغم من أنها بالغة راشدة فى عقدها الخامس، إلا أن هذه الحال بقيت معها ولم تتخطاها، وهنا مقصد أرادتها الرواية أن تستحضره لتقول إلى أيام الصمت العشرة، مهما تعددت أسبابها، وتعددت نتائجها، إلا أن الشفاء وسبله موجودة، علينا فقط أن نختار!
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة
نجوجى وا ثيونجو والخيال المناهض للاستعمار
جائزة قائمة بوكر الدولية 2026: 6 روايات مدهشة عن الفقد والوحشية
عودة الضوء: التفاعلات النصية
عيون بيروت: حين تصبح المدينة بطلاً يرى ويُرى
هيولى الشعر
زُوَّار السماء