سجادة فى بيتٍ مُنهك
سجادة فى بيتٍ مُنهك


سجادة فى بيتٍ مُنهك

أخبار الأدب

الأحد، 03 مايو 2026 - 10:41 ص

آلاء أشرف

لم يكن ما يحدث انتقالًا بقدر ما كان فوضى تمشى على الأرض، زحامٌ يبتلع المعنى قبل أن يتشكل، واضطرابٌ يشبه لحظة سقوط الأشياء قبل أن يفهم أحد لماذا سقطت! وسط ذلك المشهد، دُفعت مع الأثاث قطعة قماش قديمة، سجادة باهتة الأطراف، لم يلتفت إليها أحد. بدت كشىءٍ فقد قيمته منذ زمن، فاختلطت بالأشياء المنسية فى الشاحنة، وكأنها لم تكن سوى ظلٍّ لشىء انتهى. فى المساء، انتهى بها المطاف فى شقة ضيقة بحى شعبى، حيث يسكن عبد ربه، سائق الشاحنة. حملها إلى الداخل دون اكتراث كبير، مقتنعًا أنها مجرد «رزق جاء بلا ثمن». لم تكن زوجته سميرة تدرك أن تلك القطعة البالية ستتحول لاحقًا إلى شاهد صامت على تفاصيل حياتهم الثقيلة.

سميرة، عاملة النظافة بالجامعة، نظرت إلى السجادة بدهشة ممزوجة بالحذر. لم تكن تبدو ذات قيمة، لكنها حملت فى ملامحها ما يشبه الذاكرة القديمة. ومع ذلك، فرشتها فى منتصف الغرفة الصغيرة، دون اعتراض، تاركة الأمر لزوجها الذى اعتاد النظر إلى الأشياء بمنطق ما يُنتزع مكسب! مرت الأيام فى بيت يضيق بأهله أكثر مما يضيق بجدرانه. عبد ربه يقضى أغلب وقته خارج المنزل أو فى المقاهى، هاربًا من مسؤولياته. وسميرة تركض بين العمل والمنزل، بينما يتسلل الابنان إلى طرقات الحياة بلا بوصلة واضحة. كان البيت يزداد امتلاءً بالتعب، والصمت، واللاجدوى. ومع كل مساء، كانت سميرة تجلس على طرف السجادة، وكأنها تستند إلى شىء يعرفها دون أن يتكلم. لم تكن تدرى أن هذه القطعة المتهالكة كانت قد عبرت بيوتًا كثيرة، وامتلأت بخطوات لا تُحصى، واحتفظت بصمتها كما يحتفظ العاجز بذاكرته الأخيرة.
تدهورت الأحوال شيئًا فشيئًا. الابن الأكبر انزلق إلى طريق مظلم، وصار أسيرًا للمُخدرات، وبدأت أشياء تختفى من البيت، ثم اختفى معها الأمان نفسه. لم يعد الصمت هدوءًا، بل صار إنذارًا بانهيار يقترب ببطء. حاولت سميرة أن ترفع صوتها، أن توقف هذا التآكل، لكن كلماتها كانت تصطدم بجدار من اللامبالاة! عبد ربه كان يهرب أكثر، وكأن الهروب صار مهنته الوحيدة. أمّا هى، فكانت تقف فى المُنتصف، تمسك ما تبقى من البيت بيديها وحدها.

وذات يوم، وبعد سلسلة من الخسارات المتتابعة، لم تجد سميرة أمامها سوى قرار قاسٍ. نظرت إلى بيتها، لترى ما يصلح للبيع، رمقت السجادة التى صارت جزءًا من المشهد اليومى، ثم قررت بيعها، لمُساعدة ابنها فلذة كبدهــا. لم تعد تراها كقطعة قماش، بل كآخر ما يمكن تحويله إلى فرصة للبقاء.

حين جاء المشترى، نظر إليها باستخفاف، وسأل عن السعر. صمتت سميرة لحظة، كأنها تساوم على جزء من ذاكرتها، ثم قالت: «ادفع ما تراه مناسبًا». كان المبلغ بسيطًا، لكنه كان كافيًا ليحمل احتمالًا صغيرًا للنجاة. خرج الرجل بالسجادة، وبقيت سميرة فى الفراغ. لم يكن الحزن على شىء مادى، بل على حياة تُغلق بابها فى صمت. عبد ربه جلس فى الزاوية، يشعل سيجارته كعادته، لكن الهواء هذه المرة كان أثقل من الدخان.
لم تكن السجادة مجرد قطعة خرجت من البيت، بل كانت آخر خيطٍ مرئى لذاكرة بدأت تتفكك دون أن يلاحظ أحد متى بدأ الانهيار الحقيقى. وبقيت سميرة وحدها، فى بيت لم يعد يعرف إن كان مأوى أم اختبارًا قاسيًا للحياة!

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة