جائزة الجونكور
جائزة الجونكور


موفنييه: «المنزل الفارغ» حكايات أمى وصور أبى

بعد فوز روايته بجائزة الجونكور

أخبار الأدب

الأحد، 03 مايو 2026 - 10:44 ص

حوار: فلوران زيموش
ترجمة: ابتهال الشايب

بالرغم من أن عنوان الرواية «المنزل الفارغ»، إلا أنه لا يبدو كذلك! إنه ملئ بالظلال والأصوات والذكريات، بُنيت الرواية على تيار هواء، فهل هو حضور أم شيء مشتق منه؟
لا يتعارض الامتلاء والفراغ؛ لأن المنزل مسكون بالمواقف والمشاعر والقصص التى عاشت بين الجدران، فهو يعطى انطباعًا بأنه يفتقد شيئًا ما. هو غياب حاضر، نشعر به دون أن نشرح، حضور الغياب محسوس للغاية، ما يميز أساس الفراغ، فهناك شيء أو شخص ما مفقود، الفترات الزمنية المتراكمة والأصوات كأنها آثار تصويرية لظلال تجمعت عبر الزمن والأجيال. ذلك الغياب المحسوس يخلق إحساسًا بفراغ لا يمتلىء بحضور الأشياء، ربما تراكمها والفراغ الممتلىء بها يجلب شعورًا بأن الشيء الأساسى غير موجود، لكن آثاره موجودة بفراغ يسود ويغطى كل شيء.
هل تملأ هذه الرواية فراغًا ما؟
  نوع غريب من الفراغ؛ لأنه بُنى من التراكم، تحديدًا الصور التى تراكمت فى مخيلتى عندما كنت طفًلا، واحتفظت بها داخل نفسى دائمًا، كان يجب أن تُكتب الرواية بناءًا عليها، خاصة صور جدتى والمقطوع فيها وجهها بالمقص، الصور الأكثر حضورًا، كانت صور ذهنية لأبى عندما كان فى عمر السابعة، حيث حكت أمى عن طفولته: عندما شاهد أمه وهى تحلق رأسها خلال الفترة التى تم فيها تحرير فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية. بالرغم من أننى لم أر تلك الصورة، إلا أنها مكتوبة فى ذاكرتى وخيالى بحبر لا يُمحى. هناك صور أخرى غير مكتملة وصورة فنية لطفل خائف، وفراغ أثرى مخيف بالنسبة لي.
هل يُعتبر البيانو الموجود داخل المنزل شخصية رئيسية فى الرواية؟
هو شخصية فى الرواية لكنها أقل أهمية من شخصية المنزل،  
ربما يكون المنزل امرأة مخيفة، حملت بداخلها جميع الشخصيات التى عاشت طوال تلك الفترة الزمنية، وكأنهم أطفال ظلوا باقيين فى رحمها ولم يُولدوا، المنزل حام وشاهد على تلك الفترة.
لكن ألم يكن هذا المنزل حاجزًا؟ 
المنزل يعطى الحياة ويحبسها، بقدر ما يحافظ على الأشخاص بداخله. 
ما الدلالات المرتبطة بوجود البيانو فى الرواية؟ 
البيانو يعتبر أكثر غرابة من المنزل، ما يربطه بالمنزل هو قدرته على البقاء فيه، فهو مستقيم، ثابت فى مكانه، كأنه الجمال الذى تحدث عنه بودلير، فهو «جميل كحلم حجر.» البيانو والمنزل لديهما القدرة على تجاوز الحياة والانفعالات الإنسانية، لا يملكان عاطفة، دائمًا حاضران وشاهدان على كل ما يحدث. بالنسبة لى المنزل مثل الجسد، من الممكن أن يَحدث صدى بين جدارنه، لكن البيانو كالمقبرة، مجرد حضور صامت.
ولماذا هذه المقارنة؟ 
عندما نستمع إلى الموسيقى وهى تهتز فى المنزل، نكون دائمًا فى مكان شخصية «مارجريت»، البيانو لا يعزف لنا، أما عندما تعزف «ماري- ارنستين» فهى تعزف وتدير لنا ظهرها، ونحن نشاهدها دون أن تعلم. الفوضى المذهلة داخل القصة تعتبر شيئًا استنثنائيًا، البيانو يعرف شيئًا نجهله، يحمل معرفة مؤلمة للجمال والرحمة أو الحب الهارب، هو حداد على المستقبل، شخصية مثل أى شخصية أخرى، بينما المنزل مما لا شك فيه يحكم الجميع ويحتضن كل الأجيال.
هل هذا الكتاب يعتبر رواية فى مجمله؟ وما علاقته بالاكتشاف؟
الراوى مثل المكتشف، خبير فى اكتشاف الكهوف أو عالم آثار، أحب أيضًا «اكتشاف» الأطفال للأمور، هى ليست مجرد أمور، إنما أمور مرتبة بشكل جيد؛ لتعطى فى النهاية قصة جديدة لم تحدث بعد. القصة داخل الرواية ثمرة الكثير من القصص المسموعة، استمعت إليها فى طفولتى، وحفظتها بداخلى كذكريات حقيقية. هى ليست قصص نصدقها، إنما حقيقة العالم التى تمتد وتكتبها قوة الواقع فى داخلنا، وكما قال لاكان:"الواقع ما يضربك بقوة.» تلك القصص المسموعة تركت أثرًا أدبيًا بداخلى، لقد تعافيت منها كما أتعافى من مرض أو حادثة، إذن كل شيء حقيقى سواء تحقق أم لا.
هل نعتبر هذه الرواية نوتة موسيقية هامة أم نوعًا من السيمفونية، خاصة إنها تحوى موسيقى فى الإسلوب والجمل، البيانو نفسه، ووجود عازفته «مارى - ارنستين»؟
الموسيقى موجودة فى العمل بالفعل داخل كتابتى، أولًا فى إيقاعها لكن أيضًا بشكل أوسع فى البنية، ومجمل القصة، بطئها وسرعتها، ذروتها وخباياها، لكنى أجد صعوبة فى مقارنة الرواية بنوع من السيمفونية، ففى الكتابة يبدو لى أنها أدبية أكثر من كونها جزءًا من سيمفونية، هناك شيء ما مرتبط بالصدفة، بالمغامرة والعشوائية، بتيار هواء لا يخضع لنظام موسيقى. إذا لم أجد إجابات، أجد اليقين بأننى لست فقاعة هواء، أتت من العدم، بل طريقى كتبه استمرار الظلال التى شكّلتنى، استطاع هذا الأمر التفاعل مع فكرة الموسيقى، وأثر تكرارها، الاحتكاك والتنافر، هناك تلاعب مفتوح مع الموسيقى.
من هم الكتّاب الذين تأثرت بهم؟
توما برنارد، لوبو أنتونيس، كراسنوهوركاى، جويس كارول أوتس، فوكنر بالطبع، أيضًا فيرجينيا وولف وفلانيرى أوكونور وغيرهم الكثير. 
ما العناصر الأخرى التى شكلت الرواية؟
على سبيل المثال، صورة أبى التى تكونت فى ذهنى وهو فى عمر السابعة وذكرتها فى البداية، صورة جدتى المقطوعة، ووسام جوقة الشرف، كل هذه العناصر تتضافر مع بعضها البعض؛ من أجل أن أبدأ الكتابة، وفاة أبى كانت جزءًا أيضًا من هذا العمل. هناك بعض الأسئلة التى صنعت نسيج قصة ممكنة مثل: كيف انهارت بطولة رجل بسبب العار الذى جلبته ابنته؟ وكيف أصبح ابنها فى ما بعد وريث تلك المهانة؟ وكيف موتها بعد سنوات عديدة حمل بداخل ابنها جرحًا؟ لم أستطع بناء ذلك العالم دون أى من تلك العناصر، كل عنصر لا يمكنه أن ينجح بمفرده أو يكون شيئًا أساسيًا يُبنى عليه العمل.

 
 
 
 
 
 
 
 

الكلمات الدالة

 
 
 
 
 

مشاركة