«كيف نجحت النيابة في فك لغز جريمة ظلت مدفونة 25 يومًا».. مرافعة هزت محكمة شبرا الخيمة
المستشار مصطفى محمود وكيل النائب العام بنيابة ثان شبرا الخيمة الجزئية
الإثنين، 04 مايو 2026 - 11:46 ص
امين مجدي
لم يكن ما حدث في ذلك الصباح مجرد حادث سقوط عابر، كما ظنه الجميع في البداية…
جسدٌ يهوي من الطابق الثالث، وهدوءٌ يخيم سريعًا، لتُطوى الواقعة في أوراقٍ باردة تحت عنوان: "قضاء وقدر".
لكن الحقيقة لم تقبل أن تُدفن.. بعد أسابيع من الصمت، تكشّف ما كان خافيًا؛ مشهدٌ التقطته كاميرات المراقبة أعاد طرح السؤال من جديد: كيف سقط؟… أم من الذي أسقطه؟
خلف جدران مصنعٍ هادئ، وفي لحظاتٍ خاطفة، تحوّل شاهدٌ بالصدفة إلى ضحية، وتحول الخوف من انكشاف سرٍ إلى قرارٍ قاتل.
لم تكن جريمةً وُلدت في لحظة غضب، بل فعلٌ حُسم في همسة، ونُفذ في صمت، وانتهى بسقوطٍ لم يكن قَدَرًا كما بدا.
إنها قصة جريمةٍ حاولت أن تتخفّى في هيئة حادث… لكنها فشلت.
وقفت الدائرة الرابعة بمحكمة جنايات شبرا الخيمة، برئاسة المستشار الدكتور رضا أحمد عيد، وعضوية المستشارين مصطفى رشاد محمود مصطفى، ومحمد عبد المعز الغمراوي، ومحمد حسني الضبع، لتشهد واحدة من أكثر المرافعات إثارة وتأثيرًا في الآونة الأخيرة.
داخل القاعة، تقدم المستشار مصطفى محمود، وكيل النائب العام بنيابة ثان شبرا الخيمة الجزئية، بمرافعة وُصفت بـ«النارية»، حيث أعاد رسم خيوط قضية بدت في ظاهرها واقعة سقوط من علو، قبل أن تنكشف حقيقتها كجريمة قتل مكتملة الأركان. وبأسلوب حاسم ولغة مشحونة بالأدلة والقرائن، استعرض ممثل النيابة تفاصيل الواقعة التي راح ضحيتها الشاب محمود كمال إبراهيم.
وأوضح أن التحقيقات كشفت تورط كل من «حليم.ع.م» و«خالد.ف.س» في ارتكاب الجريمة، في القضية رقم 35059 لسنة 2025 جنايات قسم ثان شبرا الخيمة، والمقيدة برقم 2992 لسنة 2024 كلي جنوب بنها.
وجاءت المرافعة تحت إشراف المستشار محمد الجندي، المحامي العام لنيابة جنوب بنها، والمستشار رفعت فيصل، رئيس النيابة الكلية، حيث أكد ممثل النيابة أن العدالة لن تقف عند ظاهر الأمور، بل تنفذ إلى جوهر الحقيقة، مهما حاولت التفاصيل المضللة إخفاءها.
مرافعة لم تكن مجرد عرض قانوني، بل شهادة قوية على إصرار النيابة العامة على كشف الحقيقة، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، في واحدة من القضايا التي هزت الرأي العام وأثارت تساؤلات واسعة حول ملابساتها.
أمانة النيابة… رسالة للدفاع عن المجتمع وتحقيق العدالة
استهل المستشار مصطفى محمود، وكيل النائب العام بنيابة ثان شبرا الخيمة الجزئية مرافعته قائلا يقول المولي في محكم آياته بسم الله الرحمن الرحيم وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًاصدق الله العظيم ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، عَظِيمٌ. جَعَلْتَ الحَقَّ مِنْ أَسْمَائِكَ القُدْسِيَّةِ، وَرَفَعْتَ رَايَتَهُ، وَأَعْلَيْتَ شَأْنَهُ، وَحَرَّمْتَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِكَ، وَجَعَلْتَهُ بَيْنَنَا مُحَرَّمًا فَبِاسْمِ اللَّهِ الحَقِّ العَدْلِ الجَبَّارِ المُنْتَقِمِ، سُبْحَانَهُ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ، وَيَسْتُرُ حَتَّى إِذَا شَاءَ أَظْهَرَ، وَيَمُدُّ لِلظَّالِمِ فِي غَيِّهِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ.جِئْنَا إِلَى مِحْرَابِكُمُ المُقَدَّسِ،حَيْثُ لَا تُدْفَنُ الصَّرَخَاتُ، وَلَا تُكْبَتُ الدَّمَعَاتُ، وَلَا يُمْنَحُ لِلْمُجْرِمِ أَمَانًا بَلْ يُوضَعُ كُلُّ قَاتِلٍ فِي مِيزَانِ القِصَاصِ، فَلَا يُفْلِتُ جَبَّارٌ، وَلَا يَنْجُو غَدَّارٌ، نَقِفُ اليَوْمَ أَمَامَ عَدَالَتِكُمُ المُوَقَّرَةِ، لَا لِنَسْتَعْرِضَ مَأْسَاةً فَحَسْبُ، بَلْ لِنَطْلُبَ إِنْصَافًا وَعَدْلًا، وَنَسْتَنْهِضُ هَيْبَةَ القَضَاءِ الشَّامِخِ،هَذَا القَضَاءُ... الَّذِي إِذَا نَطَقَ أَسْكَتَ البَاطِلَ، وَإِذَا حَكَمَ .... أَقَامَ العَدْلَ، وَإِذَا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ أَرْهَبَ المُجْرِمَ، وَأَمَّنَ الخَائِفَ، وَرَفَعَ الظُّلْمَ عَنِ المَظْلُومِ.
القضاء… حصن المجتمع الأخير
فَأَنْتُمْ لَسْتُمْ قُضَاةَ فَصْلٍ بَيْنَ خُصُومَةٍ عَارِضَةٍ، بَلْ حِصْنُ المُجْتَمَعِ إِذَا اضْطَرَبَتْ مَوَازِينُهُ، وَمِيزَانُهُ إِذَا حَاوَلَ البَاطِلُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَى الحَقِّ. جِئْتُ اليَوْمَ أَعْتَلِي مِنْبَرَ العَدَالَةِ.. لِلْأَمَانَةِ الَّتِي حُمِّلْنَا إِيَّاهَا، أَمَانَةِ تَمْثِيلِ المُجْتَمَعِ، فَيَا لَهَا مِنْ أَمَانَةٍ.... وَيَا لَعِظَمِ المَسْؤُولِيَّةِ... تِلْكَ الأَمَانَةُ.... الَّتِي تُحَقِّقُ مَا تُمْلِيهِ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ، الَّتِي لَمْ يَشْغَلْنَا شَاغِلٌ غَيْرُهَا، حَرِيصِينَ عَلَى تَحْقِيقِهَا، مَهْمَا كَانَ مِنْ هَمِّهَا وَأَعْبَائِهَا، وَمَهْمَا كَثُرَ غُوَاتُهَا وَأَمْعَنُوا فِي إِضْلَالِهَا، فَعَلَى الظُّلْمِ قَاضُونَ وَلِلْفَاسِقِينَ قَاهِرُونَ، وَعَلَى اللَّهِ مُتَوَكِّلُونَ، مَهْمَا كَانَتْ أَيَّامُنَا كَدُهُورٍ، وَسَاعَتُنَا كَشُهُورٍ.. وَإِنَّ النِّيَابَةَ العَامَّةَ تَقِفُ اليَوْمَ أَمَامَ مِحْرَابِكُمُ المُقَدَّسِ، َا لِتَقْرَعَ الآذَانَ بِرَنِينِ اللَّفْظِ، أَوْ تَتَبَارَى بِزُخْرُفِ القَوْلِ، فَحَاشَانَا أَنْ نَفْعَلَ، وَحَاشَاكُمْ أَنْ تُؤْخَذُوا بِذَلِكَ، بَلْ جِئْنَا حَامِلِينَ بَيْنَ أَيْدِينَا أَمَانَةَ الدِّفَاعِ عَنِ المُجْتَمَعِ وَحُرُمَاتِهِ.
جريمة بدأت حين سقطت القيم
وأضاف في مرافعته سَيِّدِي الرَّئِيسُ.. الهَيْئَةُ المُوَقَّرَةُ، جِئْنَاكُمُ اليَوْمَ بِجَرِيمَةٍ لَمْ تَبْدَأْ بِسُقُوطٍ مِنْ عُلُوٍّ، بَلْ بَدَأَتْ بِانْحِدَارٍ فِي القِيَمِ، جَرِيمَةٍ نُفِّذَتْ بِوَعْيٍ كَامِلٍ، وَتَوَارَتْ خَلْفَ سِتَارِ العَارِ..أَوْدَتْ بِحَيَاةِ إِنْسَانٍ لَا ذَنْبَ لَهُ فِي دُنْيَاهُ سِوَى أَنَّهُ أَبْصَرَ المُنْكَرَ فَأَنْكَرَهُ. إِنَّ حُضُورَنَا اليَوْمَ، سَيِّدِي الرَّئِيسُ، لَيْسَ لِإِثَارَةِ مَشْهَدًا نَسْتَجْدِي بِهِ عَاطِفَةً، بَلْ لِنَضَعَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَقِيقَةً تَأَخَّرَ ظُهُورُهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تَمُتْ، احْتَجَبَتْ خَلْفَ سِتَارِ الظَّنِّ..لَكِنَّهَا لَمْ تَغِبْ وَظَلَّتْ تُقَاوِمُ الخَفَاءَ حَتَّى آنَ لَهَا أَنْ تَنْكَشِفَ اليَوْمَ كَامِلَةً لَا لَبْسَ فِيهَا.
سقوطٌ لم يكن قَدَرًا
بَدَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ، يَا سَادَةُ، فِي ظَاهِرِهَا حَادِثًا مَأْلُوفًا، سُقُوطًا عَرَضِيًّا مِنْ عُلُوٍّ، لَا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ وَلَا يُثِيرُ الرِّيبَةَ،لَا يَتَجَاوَزُ فِي نَظَرِ العَابِرِينَ لَحْظَةَ قَدَرٍ،
انْزَلَقَتْ فِيهَا قَدَمٌ... أَوِ اخْتَلَّ فِيهَا تَوَازُنٌ، وَبِالفِعْلِ، سَيِّدِي الرَّئِيسُ.... دُفِنَ القَتِيلُ، وَهَدَأَ الضَّجِيجُ... وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ غَيْرَ أَنَّ رَبَّ الحَقِّ أَرَادَ ان يُظهر الحق و أَنْ يُخْرِجَ مِنَ الصَّمْتِ صَوْتًا وَمِنَ الظَّنِّ يَقِينًا فإذا بصَاحِبِ المَصْنَعِ يُرَاجِعَ مَا سَجَّلَتْهُ العُيُونُ الصَّامِتَةُ، فَبَيْنَمَا يُرَاجِعُ تَسْجِيلَاتِ المُرَاقَبَةِ.. إِذْ بِهِ يَرَى مَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبَانِ رَأَى المُتَّهَمَيْنِ يَنْزِلَانِ مِنَ الطَّابِقِ الثَّالِثِ.. ذَاكَ الطَّابِقُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُمَا فِيهِ عَمَلٌ.. وَفِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ وَالتَّوْقِيتِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا المَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ القَدَرَ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ الخَيْطَ الأَوَّلَ بَيْنَ يَدَيِ العَدَالَةِ.. وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ مُلَاحَظَةٍ عَابِرَةٍ مِفْتَاحًا يَكْشِفُ السِّتَارَ عَنْ جَرِيمَةٍ مُسْتَتِرَةٍ.
وما ان اطلعنا علي ذلك المقطع المصور حتي اعدنا التحقيقات إلي المشهد من جديد فلَمْ ندَّخِرْ جُهْدًا فِي تَتَبُّعِ الخَيْطِ حَتَّى صَارَ حَبْلًا مِنَ الأَدِلَّةِ. وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَيِّدِي الرَّئِيسُ، لَمْ تَعُدِ الوَاقِعَةُ سُقُوطًا بَلْ صَارَتْ سُؤَالًا، وَلَمْ يَعُدِ المَوْتُ قَدَرًا... بَلْ صَارَ شُبْهَةً. فَلَمْ تَخْدَعْنَا المَظَاهِرُ، وَلَمْ نَأْخُذْ بِالظُّنُونِ، وَلَمْ نُوَلِّ وَجْهَنَا شَطْرَ رِوَايَاتٍ مُخْتَلَقَةٍ، لِتَقِفَ اليَوْمَ أَمَامَ عَدَالَتِكُمْ حَقِيقَةً كَامِلَةً وَاضِحَةً،لَا لَبْسَ فِيهَا.
فَالْيَوْمَ نَسُوقُ فاعليها إِلَى مِحْرَابِ عَدَالَتِكُمْ، نَقُصُّ عَلَيْكُم مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْا. فَلَا عَاصِمَ لَهُمْا منْ سَيْفِ عَدَالَتِكُمْ، وَلَا عَدْلَ كَعَدْلِ سَاحَتِكُمْ وَاسْمَحُوا لَنَا، سَيِّدِي الرَّئِيسَ، أَنْ نُزِيحَ السِّتَارَ عَنْ هَوْلِ فَعْلَتِهِمَا، وَأَنْ نَقُصَّ عَلَى عَدَالَتِكُمْ كَيْفَ بَدَأَتِ الْخَطِيئَةُ هَمْسًا..ثُمَّ صَارَتْ قَصْدًا.. و انْتَهَتْ قَتْلًا.
من عبرة التاريخ إلى جريمة الحاضر
وتابع «مصطفي محمود» قائلا السيد الرئيس ... الهيئة الموقرة تَبْدَأُ وَقائِعُ دَعْوانا ..... مُنْذُ زَمَنٍ سَحيقٍ حِينَ ابْتُلِيَتِ البَشَرِيَّةُ بِقَوْمٍ... انْتَكَسَتْ فِطْرَتُهُمْ، وَانْقَلَبَتْ سَرِيرَتُهُمْ، .... وَتَمَرَّدُوا عَلى كُلِّ خُلُقٍ قَوِيمٍ … قَوْمُ لُوطٍ ... اسْمُهُمْ .... وَالرِّجْسُ فِعْلُهُمْ .. وَالعَذابُ مَصِيرُهُمْ قَوْمٌ أَعْرَضُوا عَنِ النُّورِ، فَاخْتارُوا الظَّلامَ وَاسْتَمْرَؤُوا الإِثْمَ حَتَّى صارَ عِنْدَهُمْ مَقام... فَلَمَّا تَمادَوْا فِي الغَيِّ وَالعِصْيانِ... وَجاهَرُوا بِالفُجُورِ وَالعُدْوانِ أصابَهُمْ بَأْسُ القاهِرِ الدَّيَّانِ فَذاكَ ذِكْرُهُمْ فِي القُرْآنِ عِظَةً ..وَخَبَرُهُمْ فِي الزَّمانِ عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ يَسِيرُ عَلَى الدَّرْبِ ذاتِهِ إِنْ تَغَيَّرَتِ الأَسْماءُ وَالوُجُوهُ فَالعاقِبَةُ واحِدَةٌ، لا مَفَرَّ مِنْها وَمِنْ ذَلِكَ المَشْهَدِ القَدِيمِ وَمِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ الغابِرَةِ.
نَنْتَقِلُ إِلَى مَشْهَدٍ مُعاصِرٍ تَتَشابَهُ فِيهِ النُّفُوسُ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ العُصُورُ وَتَتَكَرَّرُ فِيهِ الخَطِيئَةُ وَإِنْ تَبَدَّلَتِ الوُجُوهُ فَنَحْنُ اليَوْمَ أَمامَ مُتَّهَمانِ شابَتْ رُؤُوسُهُما وَلَمْ تَشِبْ شَهَواتُهُما ثَقُلَتْ أَجْسادُهُما وَلَمْ تَثْقُلْ مَوازِينُهُما، بَلَغا مِنَ العُمْرِ مَبْلَغَ الوَقارِ، فَإِذا بِهِما فِي دَرَكِ الانْحِدارِ. الشَّيْبُ يَمْلَأُ رَأْسَهُما ... وَالوَهَنُ يُحاوِطُ جَسَدَهُما وَلَكِنْ سَيِّدِي الرَّئِيسُ .. إِنَّ هذَيْنِ الماثِلَيْنِ لَمْ يَحْمِلا مِنَ الوَقارِ إِلَّا مَظْهَرَهُ وَلَمْ يَأْخُذا مِنَ العُمْرِ إِلَّا عَدَدَهُ أَمَّا الضَّمِيرُ فَقَدِ انْحَدَرَ، وَأَمَّا الفِطْرَةُ فَقَدِ انْتَكَسَتْ، فَلا نُورٌ يَهْدِيهِمْ، وَلا وازِعٌ يَرْدَعُهُمْ، سارا فِي طَرِيقِ الفاحِشَةِ حَتَّى أَلِفاها وَتَدَرَّجا فِي فِعْلِها حَتَّى اسْتَحْسَناها وَأَدْمَناها حَتَّى إِذا خَبا فِي النَّفْسِ نُورُ الحَياءِ وَاسْتَحْكَمَ فِي القَلْبِ داءُ الخَفاءِ انْساقا وَراءَ شَهْوَةٍ عَمْياءَ فَسارا فِي طَرِيقِ الانْحِرافِ سَعْيًا .وَتَوَغَّلا فِيهِ طَبْعًا.
شيبُ الرؤوس… وانحدار النفوس
وَهَكَذا سَيِّدِي الرَّئِيسُ أَصْبَحا صُورَةً مُعاصِرَةً لِذَلِكَ الانْحِرافِ القَدِيمِ فَالمُتَّهَمُ الأَوَّلُ يا سادَةُ. هُوَ الآثِمُ الضَّالُّ: «خالِدُ.ف.س» صاحِبُ الرَّابِعَةِ وَالخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ رَجُلٌ جاوَزَتْهُ السِّنُونُ، وَأَدْرَكَتْهُ الأَعْوامُ، وَبَلَغَ مِنَ العُمْرِ مَبْلَغًا كانَ حَرِيًّا بِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَدْ رَشَدَ وَاعْتَبَرَ، فَإِذا بِهِ يَزْدادُ انْحِدارًا وَاسْتِكْبارًا شَبَّ عَلى ضَعْفٍ فِي الخُلُقِ، وَتَرَعْرَعَ عَلى اعْوِجاجٍ فِي السُّلُوكِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي نَفْسِهِ انْحِرافٌ قَدِيمٌ، لَمْ تَقْوَ عَلَيْهِ سِنُونُ العُمْرِ إِصْلاحًا، بَلْ ظَلَّ كامِنًا فِيهِ حَتَّى وَجَدَ لَهُ رَفِيقًا يُوافِقُهُ الهَوَى، وَيُشارِكُهُ الدَّرْبَ، وَكانَ ذَلِكَ رَفِيقَ دَرْبِهِ الضَّالَّ «حَلِيمَ.ع.م» رَجُلٌ بَلَغَ مِنَ العُمْرِ عِتِيًّا جاوَزَ مُنْتَصَفَ العَقْدِ السّادِسِ مِنْ عُمْرِهِ وَتَجاوَزَ مِنَ الحَياةِ مَراحِلَها، وَأَصْبَحَ فِي مَقامِ الجَدِّ وَالقُدْوَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ خَلَعَ عَنْ نَفْسِهِ ثَوْبَ الوَقارِ، وَنَزَعَ عَنْ عُمْرِهِ هَيْبَةَ الشَّيْبِ، فَاسْتَسْلَمَ لِشَهْوَةٍ مُنْحَرِفَةٍ .وَسارَ فِي طَرِيقٍ مُظْلِمٍ، لا يَرْدَعُهُ دِينٌ… وَلا يُوقِظُهُ ضَمِيرٌ الْتَقَيا… لا عَلَى خَيْرٍ يَجْمَعُ .. وَلا عَلَى عَمَلٍ يَنْفَعُ بَلْ عَلَى انْحِرافٍ يُؤَلِّفُ بَيْنَ النُّفُوسِ إِذا تَشابَهَتْ وَيَجْمَعُ بَيْنَ القُلُوبِ إِذا تَقارَبَتْ فِي السُّوءِ فَتَقارَبا طَبْعًا وَتَلازَما سُلُوكًا جَمَعَهُما الشُّذُوذُ لِسَنَواتٍ عَدِيدَةٍ إِلَّا أَنَّهُما قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُما فَوْقَ ما جَمَعَ مِنَ انْحِرافِ الطَّبْعِ وَالْتِقاءِ الهَوَى ـ عَمَلٌ واحِدٌ، وَمَكانٌ واحِدٌ، وَدَرْبٌ واحِدٌ… إِذْ عَمِلا سَوِيًّا زَمَنًا.. وَتَنَقَّلا مَعًا مِنْ مَصْنَعٍ إِلَى مَصْنَعٍ لا يَفْتَرِقانِ انْتِقالًا... وَلا يَفْتَرِقُ عَنْهُما ذَلِكَ الاعْتِيادُ الآثِمُ فَما كانَ لِقاؤُهُما طارِئًا وَلا اجْتِماعُهُما عابِرًا بَلْ صُحْبَةٌ اسْتَمْرَأَتِ الخَفاءَ.. وَأَلِفَتِ الزَّوايا المُنْعَزِلَةَ، وَاتَّخَذَتْ مِنْ مَكانِ العَمَلِ خَلْوَةً ..تُرْتَكَبُ فِيها الأَفْعالُ فِي سِتْرٍ مِنَ العُيُونِ وَبُعْدٍ عَنِ الأَنْظارِ، حَتَّى غَدا الخَفاءُ بَيْنَهُما مَوْعِدًا، وَصارَتِ العُزْلَةُ مَسْرَحًا، وَصارَ الصَّمْتُ سِتارًا لِما لا يَلِيقُ أَنْ يُذْكَرَ وَلا أَنْ يُرَى.
وَهَكَذا سَيِّدِي الرَّئِيسُ ظَلَّ اجْتِماعُهُما مَعًا فِي الخَفاءِ لِسَنَواتٍ عَدِيدَةٍ إِذْ يَقُومُ المُتَّهَمُ الثَّانِي حَلِيمٌ بِإِتْيانِ شَرِيكِهِ مِنْ دُبُرٍ مَرّاتٍ عَدِيدَةٍ... مُتَلاحِقَةٍ ...وَمُتَتابِعَةٍ حَتَّى اسْتَقَرَّ بِهِما المَقامُ فِي مَوْضِعِ الواقِعَة وَهُنا اسْمَحُوا لِي أَنْ أَتْرُكَ المُتَّهَمَيْنِ فِي غَيِّهِما يَعْمَهُانَ.. وَأَذْهَبَ إِلَى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَمَنْ هُوَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ يا سادَةُ؟
نداء السماء يسبق الموت
واستعرض المستشار مصطفى محمود، وكيل النائب العام بنيابة ثان شبرا الخيمة الجزئية قائلا سَيِّدِي الرَّئِيسُ فَإِذا كانَ المُتَّهَمانِ قَدِ اجْتَمَعا عَلى خِسَّةِ الفِعْلِ، فَإِنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ كانَ عَلى النَّقِيضِ تَمامًا هُوَ المَقْتُولُ غَدْرًا / مَحْمُودُ كَمالُ إِبْراهيمَ رَجُلًا بَسِيطًا فِي مَعِيشَتِهِ... نَقِيًّا فِي سَرِيرَتِهِ هادِئًا فِي طَبْعِهِ، عَظِيمًا فِي أَخْلاقِهِ لَمْ يَكُنْ صاحِبَ مالٍ فَيُحْسَدَ وَلا صاحِبَ جاهٍ فَيُعادَى قَلِيلَ الحِيلَةِ كَثِيرَ الطَّيْبَةِ لا شَأْنَ لَهُ إِلَّا رِزْقُهُ، وَلا مَطْلَبَ لَهُ إِلَّا سِتْرُهُ ساقَتْهُ الأَقْدارُ أَنْ يَعْمَلَ بِذاتِ المَكانِ وَبِذاتِ المَصْنَع.
السَّيِّدُ الرَّئِيسُ .. الهَيْئَةُ المُوَقَّرَةُ وَمِنْ هُنا أَتْرُكُ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ عَلَى رِزْقِهِ يَسْعَى وَأَعُودُ إِلَى المُتَّهَمَيْنِ إِنَّهُ الثّالِثُ مِنْ شَهْرِ سِبْتَمْبَر لِعامِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَإِنَّها السّاعَةُ العاشِرَةُ صَباحًا بِتَوْقِيتِ المُتَّهَمَيْنِ نَعَمْ بِتَوْقِيتِ المُتَّهَمَيْنِ ..بِتَوْقِيتِ الهَوَى وَالشَّهْوَةِ بِتَوْقِيتِ الخَطِيئَةِ حِينَ تَبْحَثُ لَها عَنْ خَلْوَةٍ وَمَكانٍ كانَ المُتَّهَمانِ عَلى مَوْعِدٍ آخَرَ مَوْعِدٍ لا يَلِيقُ بِمَكانِ عَمَلٍ وَلا يَلِيقُ بِشَيْبٍ كانَ الأَوْلَى بِهِ أَنْ يَرْدَعَ صاحِبَهُ.. صَعِدَ المُتَّهَمانِ مَعًا إِلَى الطّابِقِ الثّالِثِ .وَانْزَوَيا بِهِ بِمَنْأًى عَنِ العُيُونِ فَتَوارَيا فِيهِ عَنِ الأَنْظارِ، وَتَسَتَّرا فِيها عَنِ الأَبْصارِ، وَظَنّا أَنَّ اللَّحْظَةَ تَنْقَضِي وَلا شاهِدَ عَلَيْها وَما هِيَ إِلَّا لَحَظاتٌ حَتَّى انْغَمَسا فِيما اعْتاداهُ مِنْ افعال آثِمٍة وَهَمَّ الثّانِي بِالأَوَّلِ لَحَظاتٌ حَسِباها مَأْمُونَةً… وَأَوْقاتٌ ظَنّاها مَسْتُورَةً… غَيْرَ أَنَّ الأَقْدارَ سادَتِي كانَتْ تَسُوقُ إِلَيْهِما فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ شاهِدًا لَمْ يَكُنْ فِي الحُسْبانِ، ها هُوَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ - دُونَ أَنْ يَدْرِي - يَقِفُ عَلَى عَتَبَةِ جَرِيمَةٍ تَنْقَضِي بَعْدَ لَحَظاتٍ بِدَمِهِ. فَقَدِ اعْتادَ أَنْ يَسْبِقَ الأَذانَ بِدَقائِقَ ويصعد الي ذلك الطابق لِيَسْمَعَ نِداءَ السَّماءِ وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ أَيَّةِ مَساجِدَ عَلى مَقْرُبَةٍ مِنْ مَحَلِّ عَمَلِهِ فَيالَها مِنْ مُفارَقَةٍ تَهُزُّ القُلُوبَ !!!!!!
حين تقود الطاعة إلى الشهادة والمعصية إلى الجناية
هُما يَصْعَدانِ لِلْفاحِشَةِ وَهُوَ يَصْعَدُ لِلأَذانِ هُما يَصْعَدانِ لِيَخْتَبِئا مِنَ النّاسِ وَهُوَ يَصْعَدُ لِطاعَةِ رَبِّ النّاسِ فَإِذا بِالطّاعَةِ تَقُودُهُ إِلَى شَهادَةٍ وَإِذا بِالمَعْصِيَةِ تَقُودُهُما إِلَى جِنايَةٍ وَما إِنْ بَلَغَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَوْضِعَهُما…حَتَّى تَجَمَّدَ فِي مَكانِهِ وَقَعَتْ عَيْناهُ عَلى ذَلِكَ المَشْهَدِ المُعْتادِ بِما يَحْوِيهِ مِنْ خَدْشٍ لِلْحَياءِ، وَاعْوِجاجٍ فِي الفِطْرَةِ فَلَمْ يَمْلِكْ إِلَّا أَنْ يَنْطِقَ بِما تُمْلِيهِ عَلَيْهِ رُجُولَتُهُ، فَأَطْلَقَ كَلِمَتَهُ الَّتِي غَيَّرَتْ مَجْرَى اللَّحْظَةِ: هَدَّدَهُما بِفَضْحِ أَمْرِهِما … وَبِكَشْفِ ما رَأَى مِنْهُما..
«لازم نخلص منه» - بداية النهاية
وَمِنْ هُنا سَيِّدِي الرَّئِيسُ لَمْ يَعُدِ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي نَظَرِهِما إِنْسانًا بَلْ أَصْبَحَ خَطَرًا لَمْ يَعُدْ شاهِدًا… بَلْ أَصْبَحَ هَدَفًا. وَفِي دَقائِقَ مَعْدُوداتٍ، تَحَوَّلَ الِارْتِباكُ إِلَى خَوْفٍ، وَالخَوْفُ إِلَى قَرارٍ، وَالقَرارُ إِلَى نِيَّةٍ سَوْداءَ لا رَجْعَةَ بَعْدَها. اقْتَرَبَ حَلِيمٌ مِنْ رَفِيقِ دَرْبِهِ الآثِمِ "خالِدٍ" … وَانْحَنَى نَحْوَهُ قَلِيلًا… وَتَبادَلَ مَعَهُ حَدِيثًا خافِتًا،
كَأَنَّهُما يَتَشاوَرانِ فِي أَمْرٍ جَلَلٍ مُوهِمَيْنِ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ بِتَوَسُّلِهِما لَهُ وَرَدَّدَ عِبارَةً واحِدَةً عِبارَةٌ قَصِيرَةٌ فِي أَلْفاظِها… ثَقِيلَةٌ فِي مَعْناها ،,,,, حاسِمَةٌ فِي دَلالَتِها:
"احْنا لازِمْ نِخَلِّصْ مِنُّه." قالَها بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ لا يَسْمَعُهُ غَيْرُ شَرِيكِهِ… لَكِنَّها كانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تُسْمِعَ المَحْكَمَةَ اليَوْمَ نِيَّةَ القَتْلِ كامِلَةً… فَهِيَ تَعْبِيرًا صَرِيحًا عَنْ قَصْدٍ اسْتَقَرَّ.... وَعَزْمٍ انْعَقَدَ وَإِرادَةٍ اتَّجَهَتْ إِلَى إِنْهاءِ حَياةِ إِنْسانٍ. ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِالقَوْلِ… بَلْ أَتْبَعَ القَوْلَ بِالفِعْلِ… أَشارَ بِيَدِهِ إِلَى نافِذَةٍ هائِلَةِ الحَجْمِ بِجَوارِهِما …
إِشارَةً واضِحَةً لا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا كَأَنَّهُ يَرْسُمُ أَمامَ شَرِيكِهِ وَسِيلَةَ التَّنْفِيذِ، وَيُحَدِّدُ لَهُ طَرِيقَ الخَلاصِ الآثِمِ. وَمن هُنا… لَمْ يَعُدِ الأَمْرُ وَلِيدَ انْفِعالٍ.... وَلا نَتِيجَةَ مُشادَّةٍ بَلْ صارَ اتِّفاقًا صَرِيحًا عَلَى قَتْلِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْهُ. تَلاقَتِ النَّظَراتُ..وَتَوافَقَتِ الإِشارات.. وَانْعَقَدَ العَزْمُ.
سقوطٌ من العلو… وصعودٌ إلى الجريمة
واستكمل «مصطفي محمود» مرافعته قائلا سَيِّدِي الرَّئِيس ها قَدْ بَدَأَ المُتَّهَمانِ فِي إِتْيانِ جُرْمِهِما انْدَفَعا نَحْوَهُ… فَأَحْكَما السَّيْطَرَةَ عَلَيْهِ… قَيَّدَ المُتَّهَمُ الأَوَّلُ حَرَكَتَهُ بِأَنْ ضَمَّهُ إِلَيْهِ مُحْتَضِنًا اياه مُدَّعِيًا مُحاوَلَةَ تَسْكِينِهِ وَهَذا لَيْسَ مِنْ بابِ الحَنانِ بَلْ تَمْهِيدًا لِتَنْفِيذِ جَرِيمَتِهِ فِي صَمْتٍ وَخِذْلانٍ وَما إِنْ أَحْكَما قَبْضَتَهُما عَلَيْهِ… وَشَلّا حَرَكَتَهُ… حَتَّى ساقاهُ إِلَى مَوْضِعِ هَلاكِهِ . لَمْ يَكُنْ هُناكَ عِراكٌ طَوِيلٌ، وَلا مُشادَّةٌ عابِرَةٌ، بَلْ تَنْفِيذٌ سَرِيعٌ لِقَصْدٍ واضِحٍ. سَيِّدِي الرَّئِيسُ إِنَّهُما أَشْغَلاهُ… وَحاصَراهُ… وَأَمْسَكاهُ… وَبِاحْتِضانِهِ لِتَسْكِينِهِ أَوْهَماهُ… فَلَمَّا تَمَكَّنا مِنْهُ قَيَّداهُ… وَإِلَى نافِذَةٍ مُجاوِرَةٍ جَذَباهُ…وَمِنْ عُلُوٍّ شاهِقٍ جاوَزَ العِشْرِينَ مِتْرًا أَلْقَياهُ… فَسَقَطَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ إِلَى مَوْتٍ مُحَقَّقٍ… فَقَتَلاهُ… وَلَمْ يَكْتَفِيا بِذَلِكَ… بَلْ عادا إِلَى عَمَلِهِما فَأَكْمَلاهُ… كَأَنَّ رُوحًا لَمْ تُزْهَقْ…وكَأَنَّ دَمًا لَمْ يُرَقْ…
أَلِهَذا الحَدِّ يُسْتَهانُ بِالنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ؟
أَلِهَذا الحَدِّ تُقْتَلُ الحَقِيقَةُ إِذا صارَتْ شاهِدًا؟
أَلِهَذا الحَدِّ يَخافُ الجانِي مِنَ الفَضِيحَةِ وَلا يَخافُ مِنَ الدَّمِ؟
نَحْنُ أَمامَ جَرِيمَةٍ بَدَأَتْ بِكَلِمَةٍ خافِتَةٍ، وَتَحَدَّدَتْ بِإِشارَةٍ بِاليَدِ، ثُمَّ نُفِّذَتْ بِإِرادَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، لِتُثْبِتَ أَنَّ القَتْلَ هُنا لَمْ يَكُنْ وَلِيدَ لَحْظَةٍ، بَلْ كانَ ثَمَرَةَ سَبْقِ إِصْرارٍ واضِحٍ جَلِيٍّ الهيئة الموقرة هذانِ هُما المُتَّهَمانِ .. وَتِلْكَ كانَتْ أَفْعالُهُما وَلَكِنْ سَيِّدِي الرَّئِيسُ لِنا هنا وقفة فَقَدْ يَظُنُّ البَعْضُ أَنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ قَدِ اخْتارَ الفَضِيحَةَ عَلَى السِّتْرِ أَوْ كانَ مُتَعَسِّفًا مَعَهُما بَلْ إِنَّ المَأْساةَ لَمْ تَبْدَأْ يَوْمَ الواقِعَةِ…بَلْ سَبَقَتْها واقِعَةٌ… لَمْ يُكْتَبْ لَها أَنْ تُرْوَى … وَلَمْ يُقَدَّرْ لَها أَنْ تُفْهَمَ… إِلَّا اليَوْمَ. فَقَبْلَ هذِهِ الجَرِيمَةِ بِسَنَواتٍ… وَقَفَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ… ذاتَ المَوْقِفِ… وَرَأَى… ذاتَ المَشْهَدِ مِنَ المُتَّهَمَيْنِ . رَأَى ما يَخْدِشُ الحَياءَ. وَيَهُزُّ الفِطْرَةَ. وَيَسْتَنْفِرُ الضَّمِيرَ… وَكانَ بِإِمْكانِهِ.. أَنْ يَفْضَحَ.. أَنْ يكشف . ان يهدد.. لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ.
سَتَرَ .... وَصَمَتَ… وَمَضَى. ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ السِّتْرَ يُقابَلُ بِالسِّتْرِ… وَأَنَّ النُّصْحَ يُقابَلُ بِالرُّجُوعِ… وَأَنَّ الصَّمْتَ يُغْلِقُ بابَ الفَضِيحَةِ.لَكِنَّهُ — سَيِّدِي الرَّئِيسُ — لَمْ يَكُنْ يَدْرِي… أَنَّهُ يَوْمَ اخْتارَ السِّتْرَ… كانَ يُؤَجِّلُ لَحْظَةَ قَتْلِهِ. فَالرَّجُلُ الَّذِي سَتَرَهُمْ حِينَ رَآهُما…هُوَ ذاتُهُ الَّذِي قَتَلاهُ… حِينَ رَآهُما مَرَّةً أُخْرَى.
لحظة انكشاف المستور ورعب الفضيحة
وعلي الجانب الآخر وصف ممثل النيابة المُتَّهَمانِ فِي الشَّرِّ مُنْغَمِسانِ لِلرِّجْسِ مُولَعانِ وَعَلَى الفاحِشَةِ مُتَهافِتانِ وَعَنِ الفِطْرَةِ وَالرُّشْدِ مُعْرِضانِ، وَفِي دُرُوبِ الخَطِيئَةِ هائِمانِ تاها فِي غَياهِبِ الباطِلِ وَهاما فِي أَوْدِيَةِ الضَّلالِ فَلَمْ يَرْدَعْهُما دِينٌ، وَلَمْ يَمْنَعْهُما ضَمِيرٌ، حَتَّى أَلِفا القَبِيحَ، وَاسْتَمْرَآ الفُحْشَ الصَّرِيحَ، فَإِذا انْكَشَفَ المَسْتُورُ اضْطَرَبا، وَإِذا لاحَ شَبَحُ الفَضِيحَةِ ارْتَعَبا، فَلَمْ يَلْتَمِسا تَوْبَةً وَلا رُجُوعًا، بَلِ التَمَسا دَمًا وَقَتْلًا.
السَّيِّدُ الرَّئِيسُ ... الهَيْئَةُ المُوَقَّرَةُ سَقَطَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَرْضًا وَالدِّماءُ مِنْ حَوْلِهِ تَسِيلُ . نَحْسَبُهُ عِنْدَ اللهِ شَهِيدًا .فَكَما قالَ رَسُولُنا الكَرِيمُ :- مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ حَضَرَ المُتَّهَمانِ إِلَى العَمَلِ فِي اليَوْمِ الثّانِي وَقامَ أَحَدُهُما بِطَلَبِ مَبْلَغٍ مِنَ المالِ عَلَى سَبِيلِ السُّلْفَةِ حَتَّى لا يَلْفِتا الأَنْظارَ ثُمَّ تَرَكا العَمَلَ بِالمَصْنَعِ مُحاوَلَةً مِنْهُما لِتَضْلِيلِ العَدالَةِ إِلَّا أَنَّ رَبَّ العالَمِينَ كانَ لَهُما بِالمِرْصادِ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ وَتَمَكَّنَتِ النِّيابَةُ العامَّةُ مِنْ كَشْفِ اللِّثامِ عَنْ وَقائِعِ دَعْوانا عَقِبَ مُرُورِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يُومًا كامِلَةً وَظَهَرَتِ الحَقِيقَةُ عَقِبَ أَنْ حاوَلَ المُتَّهَمانِ دَفْنَها مَعَ الجَسَدِ وَتَمَّ ضَبْطُ المُتَّهَمَيْنِ وَسُقْناهُما إِلَيْكُمْ مُكَبَّلَيْنِ بِإِثْمِهِما فَحَقَّ فِيهِما قول تعالي: بسم الله الرحمن الرحيم «فَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» سورة الأعراف، الآية 84.
الأدلة
السيد الرئيس الهيئة الموقرة بعد أن بسطنا واقعة الدعوى ... نعرض على عدالتكم أدلتها عرضًا تتساند فيه الأقوال وتتضافر فيه الأدلة المادية الدليل تلو الآخر ان الدليل في هذه الدعوى لم يأتِ مبتورًا ولم يقم منفصلًا، بل جاء مترابط الحلقات متكامل العناصرمتساند الأركان.
وأول ما نبدأ به ادلتنا هو اعتراف المتهم الأول بالتحقيقات فليس ثمة من هو افصح بياناً واقدر تعبيراً عن متهم أُعطيت له حرية القول وكُفل له الهدوء و الطمأنينة فانطلق يقص و يروي بخسته ما حدث .
فقد استقرت الحقيقة وثبتت في يقين الدعوى من اعتراف المتهم الأول الصريح بتحقيقات النيابة العامة، إذ أقرّ تفصيلًا بواقعة كشف امره والمُتهم الثاني بمعرفة المجني عليه حال تواجدهما بالمخزن بالطابق الثالث ، وتهديد الأخير لهما بفضح أمرهما.فقد ورد بأقواله نصًا:“هو شافنا وقال هفضحكم.”
وإزاء ذلك — وعلى حد اعترافه :دار حديثٌ خافت بينه وبين المتهم الثاني،اذ قال الأخير — وفق ما قرره المتهم الأول نصًا:“احنا لازم نخلص منه.”ثم أشار له بيده الي النافذة .
وأضاف المتهم الأول بأقواله: “هو شدّه من كتفه وأنا مسكته من ورا عشان مايمسكش فيه… وبعد كده زقّيناه من الشباك.”
كما أقرّ بعلمه بخطورة الفعل ونتيجته، إذ قرر نصًا: “أيوه كنت عارف إنه هيموت علشان الارتفاع كبير.”
وهو اعترافٌ صريحٌ واضح، جاء مفصلًا كاشفًا عن واقعة التعدي واتفاق الإرادة بين المتهمين وسبق إصرارهما على التخلص من المجني عليه، متسقًا مع سائر أدلة الدعوى وقرائنها.
وعلى الجانب الآخر، جاءت أقوال المتهم الثاني محاولةً للتنصل من الجريمة، إذ زعم عدم اشتراكه في الواقعة وعدم علمه بها.
فقد قرر نصًا بتحقيقات النيابة:
“أنا ماكنتش موجود … وماعرفش هو وقع إزاي.”
إلا أن هذه الأقوال جاءت مرسلة، يناقضها اعتراف المتهم الأول تفصيلًا، ويكذبها ما ثبت بالأوراق من تواجده بمسرح الجريمة، فضلًا عن تعارضها مع أقوال مالك المصنع.
فضلا عن اقوال صاحب المصنع إذ أكد تواجد المتهمين والمجني عليه بالمصنع في توقيت الحادث وفي ذات الطابق محل الواقعة فقرر قائلاً " خالد وحليم مالهمش شغل في الدور اللي حصل في الواقعة ده كله .
بما يدحض رواية المتهم الثاني وينال من مصداقيتها، ويؤكد تواجده بمكان الحادث حال وقوعه.وهو ما ثبت علي لسان المتهم الثاني المنكر حينما حاسرته النيابة باسئلتها وبعرض المقطع المصور عليه و الذي اثبت تناقض اقواله.
تحريات المباحث
وجاءت تحريات جهة البحث لتؤكد صحة الواقعة، إذ أسفرت تحريات الرائد / محمد هاني – معاون مباحث قسم ثان شبرا لخيمة عن أن المتهمين قد عقدا العزم على التخلص من المجني عليه خشية افتضاح أمرهما، وقاما بالتعدي عليه ودفعه من علوٍ شاهق.وهي تحريات جاءت متسقة مع اعتراف المتهم الأول وتناقض اقوال المتهم الثاني ، ومؤيدة لباقي الأدلة.
فضلا عن المقطع المصور المأخوذ من اجهزة المراقبة بمحل الواقعة و الثي يثبت صعود المتهمان معا قبيل الواقعة بساعتين تقريباً و مكوثهما الي ان سقط المجني عليه فنزل كلامنهما يتبع الاخر .
الهيئة الموقرة لا يتبقي لنا في الأوراق سوي حديث القانون وانه بضاعتَكم ردت اليكم ولن اخوض فيه حفاظا علي وقت حضراتكم الثمين فالعارف لا يُعرف وثبوت الأدلة واركان جريمتنا بالأوراق بات من المسلمات .
واختتم المستشار مصطفى محمود، وكيل النائب العام بنيابة ثان شبرا الخيمة الجزئية قائلا سيدي الرئيس… الهيئة الموقرة لَقَدِ انْكَشَفَ أَمَامَ عَدَالَتِكُمْ وَجْهُ الحَقِيقَةِ كَامِلًا… حَقِيقَةٌ لَا يَطْمِسُهَا إِنْكَارٌ، وَلَا يُغَيِّرُهَا تَمْوِيهٌ، وَلَا يَحْجُبُهَا زَمَنٌ. نَفْسٌ أُزْهِقَتْ عَمْدًا، وَمَجْنِيٌّ عَلَيْهِ أُسْقِطَ قَصْدًا، وَرُوحٌ صَعِدَتْ إِلَى بَارِئِهَا تَشْكُو ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. لَمْ يَكُنِ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُعْتَدِيًا…ولَا مُتَرَبِّصًا… بَلْ صَادَفَ جَرِيمَةً لَمْ يَصْنَعْهَا، وَدَفَعَ حَيَاتَهُ ثَمَنًا لِأَنَّهُ رَآهَا. وَلَمْ يَكُنِ المُتَّهَمَانِ صَبِيَّيْنِ طَائِشَيْنِ… وَلَا حَدَثَيْنِ جَاهِلَيْنِ… بَلْ رَجُلَيْنِ بَلَغَا مِنَ العُمْرِ مَبْلَغَ الآبَاءِ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَا مَوْضِعَ حِكْمَةٍ وَوَقَارٍ، أَصْبَحَا مَوْضِعَ خِسَّةٍ وَجُرْأَةٍ وَإِصْرَارٍ. إِنَّهُمَا لَمْ يَكْتَفِيَا بِخَطِيئَةٍ اقْتَرَفَاهَا، بَلْ أَتْبَعَاهَا بِجَرِيمَةٍ أَرَادَا بِهَا سَتْرَ الخَطِيئَةِ بِالدَّمِ، فَظَنَّا أَنَّ الشَّاهِدَ إِذَا قُتِلَ… قُتِلَ مَعَهُ الدَّلِيلُ. لَكِنَّ العَدَالَةَ — سَادَتِي — لَا تَمُوتُ، وَالحَقَّ لَا يَسْقُطُ… وَالدَّمَ لَا يُمْحَى، وَيَدَ القَانُونِ تَمْتَدُّ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. اما وقد بَلَغْنا نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، حَيْثُ لَا يَبْقَى إِلَّا صَوْتُ العَدَالَةِ، فإِنَّ النِّيَابَةَ العَامَّةَ بعينها الساهرة علي أمن المجتمع تَنْظُرُ مِنْ سَقْفِ الغَيْبِ مُسْتَشْرِقَةً المُسْتَقْبَلَ... مُتَبَصِّرَةً العَوَاقِبَ..تَخْشَى عَلَى المُجْتَمَعِ أَنْ تَتَزَايَدَ فِيهِ مِثْلُ تِلْكَ الجَرَائِمِ، ومن هنا وجب التنويه إن هذه الدعوى لا تقف عند حدود جريمة قتل… بل هي ناقوس خطر لمجتمع يجب أن يتمسك بفطرته ويحافظ علي قيمه بل تمتد لتطرح تسائلاً أخلاقيًا أمام المجتمع.
هل تُترك الفطرة لتُشوَّه؟
هل يُسمى الانحراف حرية؟
وهل يُطلب منا أن نصمت إذا انقلب الشذوذ إلى حق؟
إن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها لا تحتاج إلى قانون يحميها… بل تحتاج إلى مجتمع لا يبرر الانحراف باسم الحرية. فالحرية — سيدي الرئيس — لا تعني الفوضى… ولا تعني إلغاء الفطرة… ولا تعني تحويل الشذوذ إلى سلوكٍ مقبول. إن ما تنادي به بعض المجتمعات… قد يكون شأنها… لكن مجتمعنا له قيمه…وله ثوابته .. وله فطرته... التي لا تقبل المساومة. ولسنا هنا لنحاكم أفكارًا بل لنقول: إِنَّ الِانْحِرَافَ إِذَا تُرِكَ… جَرَّ وَرَاءَهُ جَرَائِمَ وَإِنَّ الفَاحِشَةَ إِذَا اسْتُبِيحَتْ… تَبِعَهَا العُنْفُ وَإِنَّ سُقُوطَ القِيَمِ… يَسْبِقُ سُقُوطَ الضَّحَايَا إِنَّ الإِنْسَانَ حِينَ يُخَالِفُ فِطْرَتَهُ… يَعِيشُ صِرَاعًا فَإِذَا لَمْ يَرُدَّعهُ ضَمِيره… رَدَعَهُ القَانُونُ.
أما وقد وصلنا إلي ختام مرافعتنا فان لنا حديثين ومطلباً حديثٌ إلي المجتمع .... وحديثٌ إلي المتهمين ومطلبٌ بتوقيع اقصي العقوبة.
حديث النيابة إلي المجتمع
اما عن حديثنا للمجتمع فَإِلَى كُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ… إِنَّ أَبْنَاءَكُمْ أَمَانَةٌ… وَإِنَّ القُرْبَ مِنْهُمْ مَسْؤُولِيَّةٌ… وَإِنَّ الغَفْلَةَ عَنْهُمْ قَدْ تَفْتَحُ أَبْوَابًا لَا تُغْلَقُ. اقْتَرِبُوا مِنْ أَبْنَائِكُمْ… اسْتَمِعُوا إِلَيْهِمْ… كُونُوا لَهُمْ مَلْجَأً قَبْلَ أَنْ يَبْحَثُوا عَنْ غَيْرِكُمْ. فَالأَبُ الَّذِي يَسْمَعُ… يَحْمِي، وَالأُمُّ الَّتِي تَحْتَوِي… تنقذ، وَالبَيْتُ الَّذِي يَسُودُهُ الحِوَارُ.. لَا يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ الانْحِرَافُ.
إِنَّ أَبْنَاءَنَا لَا يَحْتَاجُونَ فَقَطْ إِلَى طَعَامٍ وَمَلْبَسٍ… بَلْ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْجِيهٍ… وَإِلَى احْتِوَاءٍ… وَإِلَى مُتَابَعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. رَاقِبُوا أَفْكَارَهُمْ قَبْلَ أَفْعَالِهِمْ… اقْتَرِبُوا مِنْ مَشَاعِرِهِمْ قَبْلَ مُحَاسَبَتِهِمْ… ازْرَعُوا فِيهِمُ القِيَمَ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ غَيْرُكُمُ الأَفْكَارَ. فَكَمْ مِنِ انْحِرَافٍ بَدَأَ بِصَمْتٍ… وَكَمْ مِنْ كَارِثَةٍ كَانَ يُمْكِنُ عِلَاجُهَا مُبَكِّرًا… لَوْ وُجِدَتْ عَيْنٌ تُلَاحِظ…وَقَلْبٌ يَحْتَوِي… وَعَقْلٌ يُوَجِّه إِنَّ التَّرْبِيَةَ لَيْسَتْ رِقَابَةً… بَلْ رِعَايَةٌ، وَلَيْسَتْ قَسْوَةً… بَلْ قُرْبٌ.
حديث النيابة إلي المتهمان
أما انتما فَبِأَيِّ وَجْهٍ تَقِفَانِ اليَوْمَ أَمَامَ العَدَالَةِ؟ وَبِأَيِّ قَلْبٍ تَسْمَعَانِ اسْمَ مَنْ قَتَلْتُمَاهُ؟ وَبِأَيِّ عَيْنٍ تَنْظُرَانِ إِلَى مَقْعَدٍ خَلَا مِنْ رَجُلٍ كَانَ حَيًّا بَيْنَ أَهْلِهِ… حَتَّى أَسْقَطْتُمَاهُ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِي الشَّيْبِ زَاجِرٌ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِي العُمْرِ وَاعِظٌ؟ أَلَمْ يَكُنْ فِي القَلْبِ بَقِيَّةُ خَوْفٍ مِنَ اللهِ، أَوْ حَيَاءٍ مِنَ النَّاسِ؟ لَقَدْ خِفْتُمَا مِنَ الفَضِيحَةِ… وَلَمْ تَخَافَا مِنَ الجَرِيمَةِ.
خِفْتُمَا مِنَ النَّاسِ…وَلَمْ تَخَافَا مِنْ رَبِّ النَّاسِ. أَيُّ عَقْلٍ هَذَا الَّذِي يَرَى النَّجَاةَ فِي القَتْلِ؟ وَأَيُّ ضَمِيرٍ هَذَا الَّذِي يَرَى الخَلَاصَ فِي الدَّمِ؟ وَأَيُّ قَلْبٍ هَذَا الَّذِي يَقْتُلُ مَنْ سَتَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا، ثُمَّ يَمْضِي كَأَنْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ؟ نَسِيتُمَا أَنَّ اللهَ يَرَى، وَنَسِيتُمَا و الدَّمَ يَتَكَلَّمُ، بل َنَسِيتُمَا أَنَّ العَدَالَةَ لَا تَنَامُ. و لكل هذا و ذاك.
النيابة العامة: صوت المجتمع وضميره
فإن النيابة العامة، وهي الحارسةُ على أمن المجتمع وطمأنينته، تلتمس من عدالتكم توقيع أقصى عقابٍ يقرره القانون، وهو الإعدام شنقاً جزاءً وفاقًا لما اقترفت أيديهما، وردعًا لكل من تسوّل له نفسه أن يستبيح دمًا، أو يظن أن الجريمة يمكن أن تُدفن مع صاحبها. ورسالةً واضحةً لكل من يظن أن الفجور يُستر بالقتل، وأن الشاهد يُسكت بإزهاق الروح.
أما وقدْ بلغْنا نهايةَ الطريقِ… فدائما أجدد قولي في موضعي هذا بقول الحق جلَّ شأنُه ﴿وما ظلمناهُمْ ولكنْ كانوا أنفسَهُمْ يظلمونَ﴾ صدق الله العظيم وفقكمُ اللهُ لما يحبُّ ويرضى وألهمكمُ الصوابَ والرشادَ.
وان النيابة العامة تستأذن الهيئة الموقرة في الاحتفاظ بحقها في الرد علي بعض الدفوع التي قد يبديها الحاضر ان رأينا لزوم ذلك .
الرد علي الدفوع
ثانيًا: عن الدفع بأن اعتراف المتهم الأول لا يُعتد به في حق المتهم الثاني وقد يقول الدفاع إن اعتراف متهمٍ على آخر لا يصح وحده دليلًا للإدانة ونحن لا ننازع في أصل القاعدة، ولكننا نتمسك بأن الدفاع يضعها في غير موضعها فالمتهم الأول في دعوانا لم يبدأ باتهام غيره، بل بدأ بإدانة نفسه. لم يقل: “هو فعل”. بل قال: “نحن فعلنا” اعترف على نفسه قبل أن يذكر غيره، وأدخل ذاته في قلب الجريمة قبل أن يتحدث عن شريكه، وقرر تفاصيل لو كان كاذبًا ما ساقها، ولو كان متجنيًا ما حمل نفسه وزرها.
أيُّ عقلٍ يقبل أن متهمًا بالغًا عاقلًا يختلق على نفسه جريمة قتل عمد، ويُقر بأفعالٍ مشينةٍ تلاحقه عارًا وعقابًا، ثم يكون كل ذلك مجرد افتراء على غيره؟
إن الإنسان قد يكذب لينجو، لكنه لا يخترع حبل مشنقته وهذا الاعتراف لم يأتِ مرسلًا ولا مجملًا، بل جاء تفصيليًا رؤية المجني عليه لهما، تهديده لهما، الحديث الخافت بينهما، الإشارة إلى النافذة، السيطرة على المجني عليه، دفعه من علو، والعلم بأن ذلك العلو قاتل. وفوق ذلك، لم يقف الاعتراف وحيدًا؛ بل تأيد بتناقض المتهم الثاني، وبأقوال صاحب المصنع، وبالتحريات، وبمجمل ظروف الدعوى.
فهذا ليس اعتراف متهمٍ على متهم فحسب، بل اعتراف شريكٍ على نفسه… كشف شريكه.
أولًا: عن الدفع بانتفاء الدليل الفني لعدم وجود تقرير صفة تشريحية وقد يلوذ الدفاع بالقول إن الأوراق قد خلت من تقرير الصفة التشريحية، وأن الدعوى بذلك قد افتقدت الدليل الفني.
وهو دفع مردود عليه من وجهين:
أولهما: أن الدليل في المواد الجنائية ليس محصورًا في دليلٍ بعينه، وإنما هو عقيدة تستخلصها المحكمة من جماع ما يطرح عليها من أدلة وقرائن، متى اطمأن إليها وجدانها، واستقرت بها صورة الواقعة في يقينها.
وثانيهما: أن طريقة القتل في دعوانا ليست مما يلزم أن يترك أثرًا مستقلًا سابقًا على السقوط؛ فالمتهمان لم يطعنا المجني عليه بسكين، ولم يضرباه بأداة، ولم يستعملا وسيلة تخلّف بذاتها أثرًا فنيًا ظاهرًا، وإنما كانت وسيلة التنفيذ هي السيطرة على جسده، وتقييد حركته، ثم دفعه من علوٍّ شاهق.
فأين الأثر الذي يتطلبه الدفاع من احتضانٍ كاذبٍ شلّ حركته؟
وأين العلامة التي ينتظرها من جذبٍ خاطفٍ إلى نافذة؟
وأين الجرح الذي يبحث عنه في دفعةٍ قاتلةٍ من علو؟
رابعًا: عن الدفع بعدم وجود آثار اعتياد أو آثار طبية تثبت الفعل الشاذ وقد يتمسك الدفاع بما ورد بتقرير الكشف الطبي من عدم ثبوت آثار اعتياد، أو عدم ظهور علامات قاطعة، ظنًا منه أن ذلك يهدم الواقعة.
وهو استدلال غير صحيح. فعدم وجود أثرٍ طبي لا ينفي حدوث الواقعة، ولا يهدر الاعتراف الصريح، ولا يمحو ما استقر بالأوراق من أقوالٍ وقرائن.
والثابت أن المتهم الأول أقر للطبيبة الشرعية قبل الكشف عليه بتفاصيل الواقعة، وجاء إقراره سابقًا على الفحص، صادرًا عنه بإرادة حرة، مستقلًا بذاته في دلالته. كما ثبت من أقوال الطبيبة أن تعذر الكشف أو عدم اكتماله لا يعني عدم وقوع الفعل، خاصة مع ما قررته من قدرة المتهم على التحكم في موضع الفحص –فتحة الشرج - نظرا لتمرسه في ممارسة افعال الشذوذ بما يحول دون إجرائه على وجهه الكامل. وايضا ما قررته في عجز شهادتها ان الواقعة جائزة الحدوث وفقا لتصور النيابة و اقرار المتهم ذاته بالتحقيقات
ومن ثم فإن الدفاع يريد أن يجعل من تعذر الكشف دليلًا على النفي، مع أنه في حقيقته لا يعدو أن يكون قصورًا في الوسيلة الفنية لا في الحقيقة الواقعية.
فالواقعة لا تثبت بأثرٍ طبي وحده، ولا تسقط بغيابه وحده. وليس كل فعل يترك أثرًا، لكن كل اعترافٍ صادقٍ يكشف حقيقة.
والدليل الجنائي — سيدي الرئيس — إقناعي لا حسابي، يتساند بعضه إلى بعض، ولا يشترط أن ينفرد الدليل الفني بحمل الدعوى متى نهضت الأدلة الأخرى بثبوتها.
خامسًا: عن الدفع بانتفاء سبق الإصرار لقصر المدة الزمنية
وقد يذهب الدفاع إلى القول بأن الفترة بين رؤية المجني عليه للمتهمين وبين تنفيذ الجريمة لم تكن كافية لقيام سبق الإصرار وهو دفع مردود فسبق الإصرار لا يُقاس بطول الزمن، ولا يُحسب بالدقائق والساعات، وإنما هو حالة ذهنية تقوم في نفس الجاني، تستخلصها المحكمة من ظروف الدعوى وملابساتها. وقد قررت محكمة النقض أن سبق الإصرار حالة ذهنية تُستفاد من وقائع خارجية، وأن العبرة ليست بمجرد مضي مدة طويلة بين التصميم ووقوع الجريمة، وإنما بما يكشف عن التفكير والتدبير.
وفي دعوانا، كان هناك ما هو أبلغ من الزمن: حديثٌ خافت، وعبارةٌ صريحة: “إحنا لازم نخلص منه”، وإشارةٌ إلى النافذة، ثم تنفيذٌ مطابق لما اتفقا عليه. فهنا لم يكن القتل وليد صدمة، ولا ابن لحظة عابرة، ولا أثر مشادة طارئة بل كان نتيجة مشاورة، وثمرة اتفاق، وقرارًا وُلد همسًا، ثم نُفذ دفعًا. سبق الإصرار هنا لم يقم على طول المدة، بل قام على وضوح الفكرة لم يقم على الساعة، بل على القرار لم يكن قتل لحظة، بل قتل فكرة. ومن ثم فإن قصر المدة لا ينفي سبق الإصرار، ما دامت الإرادة قد انعقدت، والوسيلة قد تحددت، والتنفيذ قد وقع وفق ما استقر في العزم.
سادسًا: عن طلب سماع كافة الشهود
وقد يطلب الدفاع سماع كافة الشهود، وهو طلب وإن بدا في ظاهره متعلقًا بحق الدفاع، إلا أن حق الدفاع لا يكون إلا فيما هو منتجٌ في الدعوى ومؤثرٌ في الفصل فيها. والثابت أن صورة الواقعة قد استبانت من الأوراق، ومن الاعتراف، ومن أقوال الشهود، ومن التحريات، بما يجعل إعادة سماع الشهود — بغير بيان وجه الفائدة — طلبًا غير منتج. فالعدالة لا تتحقق بكثرة الإجراءات، بل بجدواها. وحق الدفاع مصون، لكن تعطيل الفصل في الدعوى ليس حقًا.
ومن ثم، فإن النيابة العامة ترى أن طلب سماع كافة الشهود — متى لم يبين الدفاع وجه ضرورته وأثره — لا يعدو أن يكون طلبًا غير منتج، لا يغير من وجه الرأي في الدعوى.
ثالثًا: عن الدفع بإنكار المتهم الثاني وتناقض أقواله
أما إنكار المتهم الثاني، فليس إلا ستارًا مهترئًا، لا يصمد أمام الاعتراف، ولا أمام القرائن، ولا أمام اضطراب روايته. والإنكار — في ذاته — حق للمتهم، لكنه لا يصبح دليل براءة لمجرد أنه أنكر، ولا يهدم أدلة الثبوت لمجرد أنه جحد. بل إن أقواله جاءت متناقضة، مضطربة، لا يثبت لها قرار؛ مرةً ينفي، ومرةً يجهل، ومرةً يعجز عن تفسير وجوده وحركته وسلوكه عقب الواقعة.
والتناقض هنا ليس طريق نجاة، بل علامة اضطراب. وليس قرينة براءة، بل قرينة افتعال. فلو كان بريئًا لاستقامت روايته. ولو كان صادقًا لاتحدت كلمته.
أما أن تتعدد أوجه الإنكار، وتتناقض مخارج الدفاع، فذلك دليل على أن الحقيقة تضيق عليه، وأن الكذب لا يسعفه.
وفقكم الله لما يحب و يرضي و الهمكم الصواب و الرشاد