نظرية المؤامرة.. من السياسة إلى البيض!
الإثنين، 04 مايو 2026 - 07:26 م
د. أسامة السعيد
وجوه الناس كعناوين الصفحة الأولى فى جرائد الصباح، بعضها مختصر جداً لكنه يدفعك إلى التهام تفاصيل المتن، والبعض الآخر غامض ويحتاج إلى صبر كى تستوعب ما يكمن وراءه.
السبت:
أتابع باهتمام كبير الجدل الدائر حول نظرية الطبيب الراحل «ضياء العوضي»، ونظامه الغذائى المعروف بالطيبات. وبغض النظر عن الجدل الدائر بشأن جدوى ذلك النظام من عدمه، فهذا أمره يُفترض أن يحسمه المتخصصون بحقائق العلم، لا أن تفصل فيه صفحات السوشيال ميديا بأدوات «الهبد».
لكن أخطر ما ألاحظه فى ذلك الجدل هو هيمنة عقلية المؤامرة على تفكيرنا، وتسللها من أحاديث السياسة، إلى نقاشات البيض والطماطم (!!)، فبمجرد وفاة د. العوضى وحيداً فى غرفة بفندق خارج البلاد، نشطت غدد المؤامرة سريعاً لتحبك قصة مثيرة حول عملية «اغتيال» مدبرة من لوبى الفراخ البيضاء، ومجلس إدارة العالم الموالى لشركات الأدوية، ولا مانع من مشاركة أصحاب سلاسل السوبر ماركت المتضررين من نظام «الطيبات» فى التمويل والتنفيذ!!
ألهذا المستوى تغلغلت عقلية المؤامرة فى عقولنا؟!، وهل كل من مات فى ظروف غامضة بات على حق؟!، ما هذا العبث؟!، أفيقوا يرحمكم الله.
الأحد:
«احتراق» ما بعد الجائحة
لا أثق كثيراً فى كتب التنمية البشرية، وخبرتى سلبية مع معظم تلك الكتب التى أرى معظمها نوعاً من بيع الوهم، لكن هذا الكتاب الذى قرأت ترشيحاً له من أحد الأصدقاء من الأدباء الذين أثق فى ذائقته رفيعة المستوى، ما شجعنى على اقتناء ذلك العمل فى الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولى للكتاب.
الكتاب عنوانه «علاج الاحتراق الوظيفي»، وهو من تأليف مدربة أمريكية تدعى إيميلى باليستيروس، ونقله إلى العربية الأديب الطبيب عصام الزيات، صاحب الأعمال الروائية المتميزة.
ينطلق الكتاب من تجربة ذاتية لمؤلفته التى وجدت نفسها بعد جائحة فيروس كورونا على حافة الانهيار النفسي، جراء ضغوط العمل العصبية والنفسية والجسدية، لكنها انتبهت إلى أنها ليست استثناء أو حالة نادرة، بل ذهبت-استناداً إلى إحصاءات منظمة الصحة العالمية-إلى أن الاحتراق الوظيفى بات «وباء» لا يقل خطراً عن فيروس كورونا نفسه، بل إن حجم المصابين بأزمات صحية ونفسية فى عالم ما بعد الجائحة قد زاد بنسبة تتجاوز 25 فى المائة فى غضون أعوام معدودة، وأن ذلك الاحتراق بات سبباً رئيسياً فى أمراض بدنية يحار الأطباء فى تشخيصها، ويذوق المريض الأمرين فى دروب الفحوصات والتحاليل، حتى يكتشف فى النهاية أنه لم يكن يعانى مرضاً جسدياً.
الأمثلة العملية والصياغة الأدبية للكتاب تجعلك مستمتعاً برحلة القراءة التى تأخذك فى دروب التعريف بصور الاحتراق، سواء الاحتراق نتيجة الأعباء الكبيرة التى تتحملها وساعات العمل الطويلة بلا راحة، أو الاحتراق العاطفى نتيجة الضغوط النفسية الهائلة التى يلقيها الآخرون عليك، دون مراعاة لحدود قدرتك على التحمل، وأخيراً الاحتراق نتيجة الملل من تكرار عمل لا يرضى طموحك أو يشبع شغفك، ويتحول إلى روتين يومى ثقيل على الجسد والروح.
الإثنين:
لا تهمل «صيانة» نفسك!
من الحقائق المهمة التى يسوقها الكتاب أن جسم الإنسان قد يكون مصمماً لتحمل درجات عالية من الضغوط لفترات قصيرة، ويهيئ نفسه للتعامل مع الأزمات المرهقة نفسياً، بينما لا يستطيع التعايش مع التوتر لفترة طويلة، ويبدأ إذا ما أجبر على تحمل تلك الضغوط فى «الاحتراق»، وإذا ما بدأت دائرة ذلك الاحتراق فإنها لا تتوقف، مهما حاول صاحبها محاصرة الأضرار.
ينصح الكتاب قراءه ممن يعانون «الاحتراق» بأن يدللوا أنفسهم، وأن يأخذوا قسطاً منتظماً من الراحة الجسدية والنفسية، وأن يهتموا بـ»صيانة أجسادهم وأرواحهم»، فالراحة ليست مكافأة تأتى بعد نهاية العمل والمجهود، بل هى الوقود الذى يمكنك من استكمال الرحلة، فالإنسان أشبه بسيارة منطلقة على طريق سريع، إذا لم تستطع أن تقتطع من وقتك ومالك، وأن تخرج من ذلك الطريق السريع لتدخل إلى محطة الوقود للتزود بالطاقة، وصيانة ما تلف من الضغط المتواصل على «دواسة» جسدك وعقلك وروحك، فإنك لن تتمكن من الاستمرار فى الرحلة، أو الوصول إلى غايتك.
نصائح عديدة يسوقها الكتاب للقيام بـ «صيانة» الذات، منها الإدارة الجيدة للوقت، وعدم الالتفات للشخصيات السوداوية التى تستنزف طاقتك الإيجابية عبر تصدير طاقتها السلبية لك، أو إشغالك بأفكارهم المتوهمة عن معاركهم وأزماتهم وتصورهم أنهم محور الكون، وأنك لابد أن تمنحهم كل وقتك وتركيزك لحل مشاكلهم.
هذا فضلاً عن أهمية وضع حدود للتعامل مع مشاكل الآخرين، وألا تكون متاحاً طوال الوقت، فكما يتوقع الجميع أن يجدوك مستعداً لمساعدتهم، لا بد أن يدركوا أيضاً أنك لن تكون متاحاً إلا فى الوقت والحالة المناسبة لك.
أثمن نصيحة يسوقها الكتاب لمن يريدون النجاح والنجاة من «الاحتراق» الداخلي، هى أن يبتعدوا عن الحاقدين وكارهى نجاح الآخرين، فهؤلاء من أخطر مسببات الاحتراق، وهنا تتجلى حكمة الشاعر العربى الذى صاغ تلك النصيحة شعراً خالداً، عندما قال: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله.. فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.
الثلاثاء:
«العاديون» يكتبون التاريخ
يدهشنى دائماً الدكتور ياسر ثابت بأعماله، ليس فقط بدأبه المشهود فى البحث والتنقيب عن المعلومات من متون آلاف المصادر المكتوبة والشفاهية، بل بتلك العبقرية اللافتة فى التقاط موضوعات وزوايا البحث، فهو يتخذ من الأفكار- التى يدهش المرء من فرط بساطتها وتلقائيتها- مادة لأبحاث عميقة وممتعة.
منذ سنوات طويلة، وحتى قبل أن ألتقى الدكتور ياسر شخصياً، وأنا من قرائه الدائمين، أتتبع إنتاجه الغزير، وأستمتع بما يكتب، خاصة أعماله عن تاريخ الثروة فى مصر، وتاريخ اليهود فى الوطن العربي، وحتى موضوعات مثل الغناء الشعبى من المواويل إلى المهرجانات، الأفكار تتحول بين يدى «جواهرجى الكتابة الاجتماعية» إلى درر فريدة تقدم التاريخ الاجتماعى للمصريين بصورة مدهشة.
كان من حظى اقتناء أحدث إصدارات الدكتور ثابت، وهو كتابه «تاريخ العاديين: حكايات مهمشة ومهشمة» الصادر عن دار «المحرر» هذا العام، والكتاب مغامرة جديدة للغوص فى أعماق التاريخ الاجتماعى لشعبنا العريق، يتنقل خلالها من عالم الفلاحين والمهن والطوائف، إلى عالم الأسواق وأصحاب الحيل والأسحار والحرافيش وحتى البغايا.
فى هذا الكتاب ينتصر د. ياسر ثابت للعاديين من عموم المصريين الذين سقطوا عمداً من سطور المؤرخين المنحازين دائماً للسلاطين والملوك والقادة، والذين تجاهلوا تاريخ البسطاء أصحاب البلد وأبنائها الحقيقيين. لم يهتم الجبرتى وابن إياس والرافعى بتاريخ الناس قدر اهتمامهم بتاريخ السلطة، لكن «ابن ثابت» ينتصر لـ»العاديين» أخيراً.. ودائماً.
قصص قصيرة جداً
موت الأحلام
أقسى أنواع الموت ليس موت الأحبة، بل موت الأحلام، فالقلب يحيا مادام فى الأحلام بقية.
موت الأحلام يزرع بالقلب إحساساً ثقيلاً بالملل، بينما موت الأحبة يخلف شعوراً مريراً بالألم.
الألم قد يدفعنا للحركة والتغيير، بينما الملل لا يقودنا سوى إلى اليأس والاستسلام، وعندها فقط تبدأ النهاية!
سباق
متوسط عمر الأرنب عامان، بينما يصل عمر السلحفاة إلى عشرات السنين، قد يتصور البعض أن سرعة الحركة تُفنى العمر، لكنَّ أحداً لم يقس المسافة التى يقطعها الأرنب والسلحفاة فى نهاية رحلة كل منهما، فالمدهش أنها قد تكون واحدة فى نهاية الطريق!
صفحة أولى
وجوه الناس كعناوين الصفحة الأولى فى جرائد الصباح، بعضها مختصر جداً لكنه يدفعك إلى التهام تفاصيل المتن، والبعض الآخر غامض ويحتاج إلى صبر كى تستوعب ما يكمن وراءه.
والقليل - وربما القليل جداً- من تلك الوجوه هو ما تجده مكتوباً بحرفية بالغة، وتكتشف بعد انتهاء القراءة أنك لم ترتوِ منه ولا تزال بحاجة إلى المزيد من التفاصيل.
فى كل الأحوال، عليك أن تواصل مطالعة الوجوه من حولك، فلربما تدرك متأخراً جداً أنك لم تُجِدْ يوماً قراءة ما بين السطور!!