«الفصل الدراسي» في مأزق.. من المسؤول عن تراجع الانضباط؟
الثلاثاء، 05 مايو 2026 - 05:29 م
رانيا عبد الكريم
لم تعد العلاقة بين الطالب والمعلم داخل الفصل كما كانت في السابق، حيث كانت تقوم على هيبة واضحة وحدود ثابتة لا تقبل الجدل، اليوم ومع تغيّر أدوات التربية، وصعود تأثير السوشيال ميديا، وتراجع بعض الأدوار التقليدية للأسرة والمدرسة.
أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: من المسؤول عن تراجع هيبة المعلم؟ وهل المشكلة في الطالب وحده، أم في منظومة تربوية واجتماعية كاملة أعادت تشكيل هذه العلاقة بشكل مختلف؟ بين من يرى أن الأزمة في ضعف تطبيق القوانين، ومن يحمّل الثقافة والإعلام والسوشيال ميديا دورًا في إعادة إنتاج صورة سلبية عن المعلم، يبقى الفصل الدراسي ساحة مفتوحة لصراع أدوار يحتاج إلى إعادة ضبط من جديد.
◄ خبير تربوي: المعلم لا يزال الأقوى حين يدرك حقوقه ويُحسن إدارة العملية التعليمية
فيما يخص توازن الحماية داخل المدرسة، أوضح الخبير التربوي دكتور تامر شوقي أن القوانين المنظمة للعلاقة بين الطالب والمعلم متوفرة بالفعل، وعلى رأسها لائحة الانضباط المدرسي، إلا أن الأزمة لا تتعلق بغياب النصوص، بقدر ما ترتبط بضعف أو تذبذب آليات التطبيق، وهو ما يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار داخل الفصل الدراسي، ويؤثر على طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وعن لائحة الانضباط، أشار إلى أنها تقوم على مبدأ التدرج في العقوبات، بدءًا من التنبيه مرورًا بالإنذار وصولًا إلى العقوبات الأشد وفقًا لطبيعة المخالفة، غير أن المشكلة تكمن في عدم تفعيل هذا التدرج بالشكل الرادع في التوقيت المناسب، ما يمنح بعض الطلاب انطباعًا بأن العقوبات يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها، خاصة في ظل وجود تخوف إداري من التصعيد أو الدخول في أزمات مع أولياء الأمور.
من حيث موقع المعلم داخل هذه المنظومة، لفت شوقي إلى أنه يواجه ضغوطًا متراكمة، سواء مادية أو مهنية أو اجتماعية، في الوقت الذي يمتلك فيه الطالب وولي الأمر أدوات قانونية متعددة لتقديم الشكاوى، ويتم التعامل معها بجدية، وهو ما يعكس جانبًا من الحماية، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تحقيق قدر من التوازن، حتى لا يتحول إلى عنصر ضغط يُضعف من مكانة المعلم وهيبته داخل الفصل.
وعلّق على العوامل المجتمعية المؤثرة، وعلى رأسها انتشار الدروس الخصوصية، والذي أسهم في تغيير شكل العلاقة بين الطالب والمعلم، حيث تحولت في بعض الحالات إلى علاقة قائمة على «مقابل مادي»، وهو ما أضعف من الصورة الذهنية التقليدية للمعلم باعتباره مصدرًا للقيمة والتوجيه، وجعله في نظر بعض الطلاب مقدم خدمة يمكن الاستغناء عنه أو التعامل معه بندية.
«الانضباط دون عنف» ضرورة، أكد عليها الخبير التربوي. لافتًا إلى أن الحل لا يكمن في تشديد العقوبات فقط، بل في بناء بيئة تعليمية جاذبة داخل المدرسة، من خلال تفعيل الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية، وإتاحة مساحات للطلاب لتفريغ طاقاتهم بشكل إيجابي، إلى جانب تأهيل المعلمين ببرامج تدريبية متخصصة تساعدهم على فهم أنماط الطلاب المختلفة والتعامل معها بأساليب تربوية قائمة على الاحتواء لا الصدام.
وفيما يتعلق ببيئة التعلم، بيّن أن ارتفاع كثافة الفصول والاعتماد المفرط على التقييمات النظرية يمثلان ضغطًا نفسيًا وسلوكيًا على الطلاب، ما قد يدفع بعضهم إلى التعبير عن هذا الضغط في صورة شغب أو سلوك عدواني، وهو ما يستدعي إعادة النظر في فلسفة التقييم داخل المدارس لتحقيق توازن بين التحصيل الأكاديمي وبناء الشخصية.
واختتم بالإشارة إلى أن المعلم يظل العنصر الأكثر تأثيرًا داخل الفصل، إلا أن هذا التأثير لم يعد قائمًا بشكل تلقائي كما كان في السابق، بل أصبح مرتبطًا بمدى وعي المعلم بحقوقه وواجباته، وقدرته على إدارة الموقف التعليمي بشخصية قوية، واستخدام أدوات الجذب والتأثير الإيجابي، بما يعيد بناء العلاقة مع الطلاب على أساس من الاحترام المتبادل.
◄ علم النفس: القضية ليست في الطالب وحده.. بل في مخزون ثقافي وتربوي
فيما يخص صورة المعلم داخل المجتمع، أوضح استشاري علم النفس دكتور جمال فرويز أن الأزمة لم تبدأ داخل المدرسة فقط، بل هي انعكاس لمخزون ثقافي ممتد، تشكّل منذ عقود، لافتًا إلى أن أعمالًا فنية مثل مدرسة المشاغبين رسّخت بشكل غير مباشر صورة ساخرة وسلبية للمدرس، ترسخت في وعي أجيال كاملة، رغم طابعها الكوميدي.
وتابع «صورة المعلم لم تعد محصورة في الفصل، بل تأثرت أيضًا بما يُعرض عبر الإعلام والسوشيال ميديا، حيث ساهمت بعض الأعمال واللقطات المتداولة في إضعاف مكانته، إلى جانب انتشار سلوكيات فردية يتم تعميمها، وهو ما يعتبر خطرًا كبيرًا يهدد صورة المهنة ككل».
وعن العلاقة بين الطالب والمعلم أوضح فرويز أنها تحولت تدريجيًا إلى علاقة تحدٍ، نتيجة تداخل عدة عوامل، أبرزها تراجع دور الأسرة، وغياب التربية لصالح التعليم فقط، ما أدى إلى خروج أجيال تفتقد للضبط القيمي، خاصة في مرحلة المراهقة التي بطبيعتها تميل إلى التمرد وإثبات الذات.
اقرأ ايضا| خلال أيام.. "التعليم" تستعد لإعلان أرقام جلوس الثانوية العامة والدبلومات الفنية
وشدد على أن البيئة الأسرية تلعب دورًا حاسمًا؛ فكلما غابت العلاقة السوية بين الأبناء والوالدين، وافتقد الطفل الشعور بالأمان والدعم، انعكس ذلك في سلوكه داخل المدرسة، وأحيانًا يظهر في صورة عدوان أو تحدٍ للمعلم، باعتباره رمز السلطة الأقرب.
«المراحل العمرية المختلفة تتطلب أنماطًا تربوية متباينة» هذا ما لفت إليه أستاذ علم النفس قائلًا «المرحلة الابتدائية تحتاج إلى معلم يحتوي بعاطفة، والإعدادية تجمع بين الاحتواء والضبط، بينما الثانوية تتطلب قدرًا أكبر من الحزم، بما يتناسب مع طبيعة النمو النفسي للطالب».
ونوه إلى أن المدرس اليوم يواجه ضغوطًا متعددة، من الطلاب، وأولياء الأمور، والإدارة، والسوشيال ميديا، وهو ما يتطلب إعادة النظر في وضعه المادي والمعنوي، باعتباره حجر الأساس في بناء أي مجتمع، وبدون دعمه يستحيل إصلاح المنظومة التعليمية.
«السوشيال ميديا» بحسب رؤية دكتور جمال، ساهمت في تضخيم الظواهر السلبية، حيث يتم تداول وقائع فردية وتعميمها، ما يخلق صورة ذهنية مشوهة عن المعلمين، في مقابل تجاهل النماذج الإيجابية. مؤكدًا أن الانضباط داخل المدرسة ضرورة، وأي سلوك يعرقل العملية التعليمية يجب التعامل معه بحسم، لأن تركه لا يضر بالمعلم فقط، بل يهدم بيئة التعلم بالكامل، منوهًا أن الحفاظ على حق الطالب لا يعني إهدار حق المنظومة.
واختتم بأن إعادة الاعتبار للمعلم تبدأ من استعادة دوره التربوي، إلى جانب دوره التعليمي، مع وجود دعم حقيقي من الأسرة، والإعلام، والدولة، لأن المعلم ليس مجرد ناقل معرفة، بل قدوة تصنع أجيالًا كاملة.
◄ مدرسين: هيبة المعلم لم تختفِ.. لكن تغيّرت أدواتها
يرى معلم لغة عربية بإحدى المدارس الحكومية أن هيبة المعلم لم تختفِ، لكنها تغيّرت أدواتها، موضحًا أن الطالب لم يعد يستجيب لفكرة السلطة التقليدية، بل يحترم المعلم القادر على الشرح الجيد وإدارة الفصل بهدوء، مضيفًا أن تطوير أساليب التدريس أصبح ضرورة، لأن الاعتماد على الطرق القديمة يخلق فجوة في التواصل، مؤكدًا أن الحضور القوي داخل الفصل، القائم على التوازن بين الحزم والاحتواء، هو ما يصنع الاحترام الحقيقي.
وفي المقابل، يشير معلم رياضيات بإحدى المدارس الدولية إلى أن طبيعة العلاقة داخل الفصل أصبحت أكثر حساسية، لافتًا إلى أن الاقتراب الزائد من الطلاب قد يؤدي إلى كسر الحدود إذا لم يكن مصحوبًا بحزم واضح، بينما تفرض السوشيال ميديا ضغوطًا إضافية على المعلم، في ظل نقل بعض الوقائع خارج سياقها.
مؤكدًا أن استعادة هيبة المعلم لا تنفصل عن دعم الأسرة ووضع ضوابط تحمي العلاقة داخل الفصل، إلى جانب بناء بيئة تعليمية قائمة على التفاعل دون التفريط في الانضباط.
◄ طلاب: مش كلنا مشاغبين.. واحترامنا للمدرس مرتبط بأسلوبه
فيما يخص علاقة الطلبة بالمدرسين، ترى حنين محمد طالبة بالصف الثاني الثانوي أن الصورة ليست واحدة، بل تختلف من معلم لآخر، مؤكدة أن شخصية المدرس هي العامل الحاسم في شكل العلاقة داخل الفصل.
مشيرة إلى أن بعض المعلمين يضعون حدودًا واضحة منذ البداية، فلا يسمحون بتجاوزها، وهو ما يجعل الطلبة يحترمونهم ويحبونهم في الوقت نفسه، بعكس آخرين يتركون مساحة زائدة تتطور إلى استهانة وسخرية، أحيانًا تصل إلى التقليل من هيبتهم أمام زملائهم.
وأوضحت أن جزءًا من المشكلة يرتبط أيضًا بطبيعة الطلبة أنفسهم، فهناك من يتعامل باحترام مهما كانت الظروف، وهناك من يرد على الخطأ بأسلوب مهذب، في مقابل فئة أخرى تتعمد التجاوز حتى لو كانت مخطئة، وتبحث عن لفت الانتباه أمام أصدقائها.
ولفتت إلى أن البيئة الاجتماعية تلعب دورًا واضحًا، فبعض الطلبة يتأثرون بطريقة تعامل أسرهم، سواء بالإهمال أو بأسلوب التربية، ما ينعكس على سلوكهم داخل المدرسة، بينما يحاول آخرون تقليد محيطهم من الأصدقاء حتى لو كان ذلك على حساب الاحترام.
العلاقة الناجحة، من وجهة نظرها، تقوم على التوازن؛ معلم يفهم طبيعة الطلبة ويحتويهم دون أن يفقد شخصيته، ويضع حدودًا لا تسمح بالتجاوز، وطلبة يقدّرون هذا الدور ويتعاملون باحترام. لافتة إلى أن الطالب بطبيعته يميل للمادة والمعلم الذي يشعر معه بالراحة والاهتمام، لدرجة أنه قد يحرص على حضور الحصة بدافع الارتياح، وليس فقط من أجل الدرجات، وهو ما يعكس أهمية الجانب الإنساني في العملية التعليمية.
معاذ يوسف طالب بالصف الثالث الثانوي، يرى أن شخصية المدرس تظل العامل الأهم في شكل العلاقة داخل الفصل، قائلًا «في مدرسين بتفرض احترامها بعلمها وأسلوبها، وده بيخلينا نحب المادة ونهتم بيها من غير خوف».
ويضيف أن الصورة ليست واحدة، فهناك من يحوّل الحصة إلى مساحة مزاح مبالغ فيها فتفقد الجدية، أو يستخدم ألفاظًا غير مناسبة، ما ينعكس على سلوك الطلاب ويضعف هيبة المعلم. مشيرًا إلى الدروس الخصوصية وكيف أنها زادت من تعقيد المشهد، حيث يعتمد بعض المعلمين عليها على حساب الشرح داخل المدرسة، وهو ما يضع ضغطًا على الطلاب، خاصة غير القادرين، في مقابل نماذج أخرى ما زالت تشرح بإخلاص داخل الفصل دون تمييز، وتكسب احترام الطلاب بشكل طبيعي.
وعن السوشيال ميديا، أكد معاذ أن تحميلها المسؤولية بالكامل «مش صح»، قائلًا إن المشكلة في طريقة الاستخدام، وليس في الوسيلة نفسها، مشيرًا إلى أن اتهام الطلاب دائمًا بالتقصير أو الشغب غير عادل، لأن هناك طلابًا ملتزمين يسعون للتعلم، لكنهم يتأثرون أحيانًا بغياب الانضباط أو بأسلوب بعض المدرسين.
ويختتم بأن «الموضوع كله في التوازن.. مدرس يحط حدود ويحترمنا، وإحنا كمان نحترمه»، مؤكدًا أن الطالب يظل الطرف الأكثر تأثرًا بكل هذه النماذج، سلبًا أو إيجابًا.