سعيد الخولى
يوميات الاخبار
حكايات من جمهورية شبرا!
الثلاثاء، 05 مايو 2026 - 07:39 م
فاروق نجيب كان مسيحى الديانة؛ ورغم ذلك فقد كان يحفظ كثيراً من سور القرآن الكريم، فقد حفظه فى الكتَّاب مع جيرانه المسلمين، وكان يقول: أنا مسيحى الديانة مسلم العقيدة.
حنين
الجمعة:
هل جربت الحنين لرائحة الشوارع وتقارب بيوتها ومبانيها فى حنان يقارب الأحضان وتوسُّدَ الطفل كتف أمه؟، هل جربت وجيباً بالقلب إذا ابتعدت عن تلك الشوارع، وخفقان سعادة إذا ما عاودت السير فيها؟، هل جربت إذا حرمت منها أن تحسد من يقيم فيها؟، لو جربت هذه الأحاسيس، فالمؤكد أنك تقطع مسالكها منتشياً بين شوارع شبرا وحاراتها وأزقتها العتيقة المنتظمة بفكر واحد ، فوحدها تثير تلك المشاعر وتملأ النفس حنيناً إذا ابتعدت، وأماناً وألفة إذا اقتربت منها وعانقتها. شبرا التى أنشأها مؤسس مصر الحديثة محمد على باشا عام 1809، منذ أكثر من قرنين.
حاورينى ياطيطة!
السبت:
رحلتى اليومية إلى الجامعة كانت تبدأ حتماً من محطة شارع راتب بشارع شبرا العمومى.. الأتوبيس غالباً هو المقصد، خط 100المنتهى بميدان الجيزة، أو خط 108 المنتهى بمحطة الأهرام؛ كان أحدهما هو مبتغاى اليومى كوسيلة مواصلات تصل بى إلى الجامعة مباشرة، بأجرة ثلاثة قروش، زادت بعدها إلى خمسة خلال أربع سنوات!، كان الباب الخلفى لكل سيارات الأتوبيسات وقتها يكتظ بركاب يتدلون من الباب فى وضع أشبه بوضع المرأة الحامل قبل الوضع بأيام!، وقد كان آخر راكب على السلم يتدلى فارداً ذراعيه ليمسك بهما طرفى باب الحافلة حامياً كل رفاق السلم، والأتوبيس ينطلق الهوينى متبختراً بهم وسط الشارع المقسوم إلى ثلاث حارات، تتقاسمها الأتوبيسات والسيارات ويتوسطها الترام. ولم يكن هناك لا ميكروباص يقوده أرعن، ولا توكتوك ينطلق به صبى أهوج يمرق بين السيارات، أو لاذع اللسان فى مخاطبة الناس، ولا موتوسيكلات تقودها أحداث صغار يلعبون مع السيارات والحافلات الكبيرة لعبة «حاورينى ياطيطة «، ولا يسألنى أحد من تكون طيطة هذه!.
الشيخ عطية صقر
الأحد:
كان الترام وسيلة لراغبى الفسحة والتمهل وعدم التعجل، فقد كان عرضة لمزاحمته فى مساره من أتوبيس، أو عطل يصيبه بالسكتة والشلل إثر قطع الحرارة التى كانت تسرى فى أوصال «السنجة» الشهيرة، التى يعرفها من عايش تلك الفترة!، ولذلك كان معظم رواده وراكبيه من كبار السن. وكان استخدامى النادر للترام فرصة لمعرفة الشيخ عطية صقر-رحمه الله-الذى كان فى ذلك الوقت ملء السمع والبصر فى الإذاعة والتليفزيون والصحافة أيضاً. كان الترام اختياره الآمن الأثير، كان شديد التواضع، وأنا ألجأ إليه ذات مرة مستفتياً فى مسألة أرّقتنى طويلاً، فلم يتأفف، ولم يوجز، ولم يتعال أو يؤنب، وجعل الله على يديه مخرجاً منها واطمئناناً مما كان يؤرقنى.
كان الشيخ-رحمه الله-أحياناً يؤدى صلاة الجمعة معنا فى مسجد خالد بن الوليد ـ مسجد شارعنا «سلطان» ـ الذى تحول فى ساعات قليلة ذات ليلة من مبيت لعربات الآيس الكريم والمشروبات، إلى مصلى مفروش بالحصير والسجاد المتواضع، وما لبث أن تم تأسيسه وتأثيثه وفرشه، وارتفع البناء بمئذنته السمهرية العالية وقبته البارزة، وليجاوره فى أسابيع قليلة مبنى آخر من دور العبادة، هو كنيسة جورجيوس التى اتخذت ناصية قبالة المسجد موقعاً مواجهاً له فى أيام معدودة، ككثير من مناطق شبرا. وكان بابا المسجد والكنيسة متواجهين، يؤذن للصلاة فيدلف المسلم من باب للمسجد، بينما يدخل من مقابله للكنيسة مسيحى. وفى صلاة الجمعة والتراويح كانت ساحة المسجد بأدواره الأربعة لا تستوعب المصلين، فلا يكون بدٌّ من افتراش حصير وسجاجيد بعرض الشارع ليلاصق حصير المصلين رصيف الكنيسة. ويقع المسجد والكنيسة فى تقاطع شارعين، كان يسكن فى أحدهما الشيخ الجليل، وهو شارع أبو طاقية، وكل من يعرف مقر سكنه ويمر على بيته بهذا الشارع ينظر للشقة الإيجار البسيطة التى عاش ومات فيها، لابد أن يعجب لهذا العالم كيف فرّغ حياته للعلم، وعاش زاهداً، لم يسع حتى لاقتناء سيارة صغيرة لتنقلاته؟!.
أحمد عبد الوارث
الاثنين:
كان إمام المسجد وخطيبه الدكتور محمود ـ ولا أتذكر بقية الاسم ـ أستاذاً بجامعة الأزهر، متمكناً من موضوعه ولغته وأدائه، ولذلك كان الشيخ عطية-رحمه الله-يصلى مستمعاً للخطبة، مطمئناً للخطيب. وفى ذات المسجد؛ كان يصلى معنا الجمعة أحياناً الفنان الطيب الراحل أحمد عبد الوارث، وقد كان يقطن شارعاً موازياً لنفس الشارع-اسمه شارع الجنينة-مع زوجته الفنانة الراحلة سعاد نصر رحمهما الله. وظلا بالشارع الشبراوى عدة سنوات حتى بعد شهرتهما. ومن الأشياء الجميلة التى عرفتها بعد ذلك أن الفنان أحمد عبد الوارث-الذى كان من أبطال حرب أكتوبر ـ كان إذا صادف الشيخ عطية صقر واقفاً فى انتظار الترام، يصطحبه معه فى سيارته الصغيرة إلى حيث هو متوجه..
.. وأحياناً كنت أتململ من انتظار الأتوبيس، فأسير محطة أخرى للركوب منها، وفى تلك المحطة كان يقطن أيضاً الفنان الراحل فاروق نجيب الذى ظل طوال حياته بهذا المسكن، وله فيه استديو تصوير يحمل اسمه، تحول حالياً إلى مطعم.. فاروق نجيب كان مسيحى الديانة؛ ورغم ذلك فقد كان يحفظ كثيراً من سور القرآن الكريم، ويقال إنه كان يحفظ القرآن كاملاً؛ وكان يقول: «أنا مسيحى الديانة مسلم العقيدة». وقد اشترك فى عديد من الأعمال الدينية والتاريخية الناطقة بالعربية الفصحى.
الخازندارة
الثلاثاء:
وإذا طال بى المسير لمحطة أخرى، كان انتظارى بمحطة مسجد الخازندارة، ولى معه ذكرى جميلة؛ لقد كنت أتخذ ساحته الداخلية مستقراً لى طوال فترات ما قبل الامتحانات مع زميل لى، نذاكر داخله، ونبقى بساحته منذ أن نؤدى صلاة الظهر قريباً من المحراب، تحت أشعة ضوء الشمس المخترقة لنوافذه، حتى صلاة العشاء تحت أضواء لمباته المتميزة، وما أمتع ما كنا نسمعه من تواشيح الشيخ نصر الدين طوبار، صاحب التواشيح التى يحفظها عشاق هذا الصوت الندىّ الشجىّ المطرب. ولم يكن الشيخ نصر الدين طوبار وحده من استمتعت بسماعه، فقد كان الشيخ عبدالعزيز على فرج، قارئ السورة بعديد من المساجد وفى الإذاعة والتليفزيون، ممن حظيت بجيرتهم قرب مسكننا بمنطقة جسر البحر الشهيرة منذ أغسطس 1970، وماتزال شقة الشيخ القديمة ترفع يافطة تحمل اسمه هناك. رحم الله الجميع.
مارادونا ومخ!
الأربعاء:
وإلى أوائل السبعينيات، يعود شريط الحكايات ـ حيث مدرستى صلاح الدين الإعدادية بالمظلات فى مواجهة نادى إسكو- ويقفز للمشهد اللاعب المهارى الخلوق مختار مختار، الذى اشتهر باسم «مخ»، قبل أن ينتقل للنادى الأهلى.
لم يكن مختار يكتفى باللعب داخل إسكو، بل كان يلعب أيضاً مع فريق كرة أسفنج يلعب بها وزملاؤه فى الشارع، كان يلعب وكأنه قطع عهداً على نفسه بأن يقوم بتغزيل وترقيص كل أعضاء الفريق المنافس، حتى يصل إلى مرماه، فيقوم بترقيص الحارس أيضاً، ويضع الكرة براحته كمعظم أهدافه، وفى سنتى الوحيدة بالمرحلة الثانوية، التى قضيتها بالقاهرة 1978، كانت مدرستى محمد فريد العسكرية تلاعب أحياناً مدرسة روض الفرج الثانوية العسكرية أيضاً ـ تلك التى كانت تضم بين أفراد فريقها مارادونا النيل طاهر أبو زيد، وكنا على موعد مع الإبداع الكروى كلما تمت لقاءات بين المدرستين، وشاهدنا على الطبيعة طاهر أبو زيد. ولقطة أخرى جمعتنى بعد التخرج بطاهر أبو زيد دون أن يعرفنى؛ فقد تصادف أن كانت فترة تجنيدنا الإجبارى فى منطقة الجبل الأحمر بسلاح واحد، وكان ملء السمع والبصر وقتها، بعد تألقه فى كأس العالم للناشئين1981، وحصوله على لقب هداف البطولة حينها. وبالطبع انضم طاهر للسرية الرياضية، وكانت أولى مهامه الرياضية الوطنية فى البطولة الإفريقية بساحل العاج عام 1984، وعوقبت مع بعض زملائى المجندين بالحلاقة الزيرو، ومنع من الإجازات، لأننا خضنا مغامرة فى صحراء الجبل الأحمر ليلاً من أجل متابعة مباراتنا أمام الكاميرون فى الافتتاح، وفزنا بهدف صاروخى، انطلق من قاعدة طاهر أبوزيد اليسارية التى لا تُرى، لكنها تُسمع وهى تمرق لتمزق الشباك.
وتنتهى سطور اليوميات، ولا تنتهى عن جمهورية شبرا الحكايات!.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين
سفارى قتل البشر
كيف نقرأ التاريخ وكيف نرى الحاضر؟
الحب فى الأرض.. بعض من تخيلنا
ضيف فى بيت النبى ﷺ
طقوس التفاعل الاجتماعى فى حى السيدة
أحنّ إلى «فتة» أمى!
وراء كل حاج حكاية!