من يملك ولا يعقل!

علاء عبد الوهاب

الأربعاء، 06 مايو 2026 - 09:29 م

علاء عبدالوهاب

«إن من البلاء أن يكون الرأى لمن يملكه، لا لمن يعقله» صيحة تحذير أطلقها الإمام على رضى الله عنه قبل أكثر من ١٤ قرنًا، تظل صالحة إلى يومنا هذا، وحتى قيام الساعة. نظرة على ما تعانيه البشرية من ويلات وفواجع، تؤكد أن تلك المعاناة تنبع ـ بالأساس ـ من كون أن من يمتلكون فرض رأيهم، أو تسييد رؤيتهم يفتقرون إلى العقل الراجح، والحكمة الضرورية، وبالمقابل فإنهم يحظون بالقوة وأدواتها، التى تجعل ما يرونه فقط، هو القابل لأن يتحول من فكرة أو خاطر إلى قرار واجب التنفيذ، مهما كانت هشاشة الرأى وضحالته. وحين يجتمع فقر الفكر، وبؤس الرؤية مع مفاتيح القوة، فلا نستطيع أن ننتظر خيرًا. وعندما تكون الحماقة العنوان الأبرز، للكثير من القرارات التى تؤثر فى حياة مليارات البشر، فكيف يمكن الرهان على عدم تعثر الإنسانية فى معاشها ومجريات أمورها، ناهيك عن وقوعها أسيرة متاهات صعبة، تحول بينها وبين التطلع لمستقبل أفضل. فى زماننا، فإن الحماقة لم تعد سببًا فى معاناة الذين أصابتهم فحسب، لكنها تضرب فى مقتل المسيرة الإنسانية، لأن الحمقى يتصدرون المشهد الدولى. مأساة الإنسان اليوم، أن من يتحكمون فى مفاصل القرارات التى تؤثر فى حياته، ومستقبله، ينتهكون أعظم ما أنعم الله عليهم به، أى العقل، هكذا يعيدون النظر فى تعريف أنفسهم كبشر يجمعون بين الحيوانية والتفكير، بنزوعهم المثير نحو الاستسلام لغرائزهم التى يغلب عليها الميل للعدوانية والكراهية والاستحواذ.   ما يحدث اليوم يحمل فى طياته ملامح «ردة» أخلاقية خطيرة إذ يفضل الأقوى غض الطرف عن معايير السلوك الإنسانى التى تنحاز للقيم الإيجابية، وقد أثمرتها مسيرة طويلة حتى نضجت، وتنحاز لسواها من الرذائل، ولعل ممارسة الظلم والاستكبار، بل والتباهى بالقدرة على التدمير، والتلاعب بمصائر شعوب ودول بأسرها ما يدق نواقيس الخطر المحدق فى سماء المعمورة، وكأن الأصل فى فطرة هؤلاء هو الشر! إنه البلاء فى أكثر تجلياته قتامة، عندما يفتضح أمر أصحاب وجوه لامعة، لا تمل من الوقوف أمام الكاميرات ليل نهار، لكن بقليل من التأمل يتكشف للجميع مدى عجزهم عن تكييف وسائلهم وفق غاياتهم، وكيف يهدرون الطاقات، ويبددون الموارد، ويفرضون عدوانيتهم بممارسات فجة، تصل إلى أقصى مداها، بالمقامرة على فناء البشرية دون أن تنجو شعوبهم، وكأن الرأى الذى استقروا عليه نبذ السلام، وتغييب المسئولية الأخلاقية فى مراكز صنع القرار، فأى عبثية تلك عند من لا يعقلون، ضاربين عرض الحائط برغبة البشر لاسيما الأسوياء فى البقاء، والعيش فى سلام ؟!