الديوان| إلى صديق لم يغب كماً ينبغى إلى أًشرف البولاقى

أفين حمو

الخميس، 07 مايو 2026 - 09:53 م

عبد الصبور بدر

حين لم أجدك حين قالوا إنك مِتَّ لم أصدّق الموت وألاعيبه بدا كحاوٍ متعبٍ نسيَ أين أخفى يده. ظننتُ المسافر ما يزال في المحطّة واقفًا عاريًا، ينتظر مجازًا يتأخّر كقطارٍ أخير. وعندما لم أجدك صدّقتُ الخوف نهض داخلي كحيوانٍ أعمى يتشمّم اسمك كأنه آخر ما تبقّى من الطريق. لم أبكِك. كنتُ أفكّر-بوقاحةٍ غريبة- كيف أهرب من جسدي وأصير شيئًا لا يموت كالدراويش حين ينسون الدوران فيسقط الوقت منهم. ربما بنفسجةً خفيفةً إلى حدّ النسيان لا تحمل ذاكرةً ثقيلة ولا تجرّ غيابها كظلٍّ وراءها. الأرواح لا ترحل إنها تعيد ترتيب ما تبقّى من الضوء في هذا الكون تتّكئ مرّةً في جسد حمامة وتستريح مرّةً في غيمة وتندلع مرّةً كفكرةٍ مباغتة في رأس عاشق. لكنني لا أثق بهذه الرقصة المنظمة بين الحياة والموت تبدو نظيفةً أكثر مما ينبغي. أنا رأيتُ كيف يبرد الاسم من شغفه حين لا يُنادى والصوت كيف يتحوّل إلى حفرةٍ بلاغية يسقط فيها المعنى. أفكّر بك الآن كشيءٍ يمكن لمسه كفسيلة نخلة تبحث عن يدٍ لتثبت في الأرض. لن أطلبك من السماء المقدّسة ولا من حرّاس العالم الآخر ولا من تلك الطقوس التي تُقنع الأحياء أن الحزن واجب. سأخون هذا كلّه. سأبقى قربك أثرًا صغيرًا في الهواء لا يُرى لكنه يُحسّ. سأكون خوخًا أو دفلى في حوافّ الذاكرة شيئًا لا يزهر من أجلك خفيفًا يمرّ بك دون أن يطلب الانتباه. سأقف في طريقك إن مررتَ يومًا كريحٍ أو كحلمٍ ناقص. سنلتقي لأن الغبار حين ارتبك في الهواء أعاد جمع ما تكسّر من جسدين تباعدا أكثر مما يجب. هل تفهم؟ لا أريد الخلود ولا أريدك فكرة. أريد أن أبقى لك كما كنتَ لي أثرًا خفيفًا يمرّ بك ولا يثقِل عليك كحبّة طلع تلتصق مصادفةً بجناحِ يعسوب ثم تصل إليك دون أن تعرف كيف نجت من الموت.