الديوان| ابنته

إبراهيم محمد عامر

الخميس، 07 مايو 2026 - 10:05 م

عبد الصبور بدر

كنت أقف أمام البوتاجاز انتظر الماء أن يغلي لأصب الشاي، وإذا بي أسمع صوت طرق على الباب فتوجهت نحوه ونظرت من عينه السحرية فوجدته مجدي، صديقي وجاري القديم. فتحت له وصافحته، وتقدم وهو يقول مرتبكًا: - حقك عليا لكن.. قاطعته مبتسمًا: - ادخل بلا كلام فاضي. عبر من الباب إلى الصالة. يعرف البيت مثلي، فقد زاره ألف مرة!  عدت للمطبخ من جديد، صببت كوبين من الشاي، وعدت إليه. تناول كوبه في فتور، وقال: - ماليش نفس. - اشرب واحكي لي. أعلم أن لديه سببًا لزيارتي الآن، وبالتأكيد يتعلق الأمر بطليقته رباب. جارتي التي دائمًا ما كان يلومني أنني السبب في زواجه منها، رغم أن المرحومة أمي هي من شجعته على التقدم لها. كانت البنت حلوة ولم أكن أرتاح لها أبدًا ولا لأمها سليطة اللسان.  وكانت أمي تقول له مشجعة: - خدها أنت، ده خايب، وشكله مش هيتجوز خالص.. وشربها المسكين! ترك الكوب وقال متنهدًا: - لسه نازل من عندهم. - البنت كويسة؟ -ما قعدتش معايا إلا خمس دقايق.. طقطقت بلساني وقلت: - الكلام ده مش صح! - قلت لهم، قالوا لي روح أشتكي في المحكمة.. - أشتكي. ضحك، ورد متألمًا: - وهثبت إزاي؟ هصور فيديو؟ عاد ليشرب الشاي ثم قال: - أنا هريحهم مني خالص. - تريحهم إيه؟ - هسافر.. - سفر إيه؟ طولها زي عرضها. - عملت حسابي وخلاص على أول الشهر الجديد.. - ده أنت ناويها من بدري بقى! - عندك حل تاني؟ مش قادر أبقى محروم من أني أشوف بنتي. بيسيبوني أخبط على الباب ربع ساعة لحد ما يفتحوا، أمها تطلع تتخانق معايا: إيه هتكسر الباب؟ أسأل عن البنت يقولوا نايمة. طب أدخل أبوسها؟ لأ مش هينفع تدخل أوضة نوم أمها. تعبت.. - قول الكلام ده للمحامي ممكن يخليك تشوفها في القسم والمدة اللي تعوزها. - أقابل بنتي في الأقسام؟ نزلت من عندهم دمي محروق، ما رضيتش أطلع على بيتنا لأمسك في أخواتي ولا أمي فقلت أفوت عليك.. - نورتني. قام وشكرني على الشاي وتوجه ناحية الباب. قلت له: - بلاش حكاية السفر دي. - ما بقاش ينفع خلاص. وأتك على يدي مودعًا. صحبته حتى الباب ثم نزل. واتجهت للنافذة، رأيت أم رباب تقف في بلكونتها تحمل طبق غسيل كبير، تنقط منه قطرات ماء. انتظرت حتى ظهر مجدي في الشارع ثم ألقت بما في الطبق ناحيته. لم يلتفت، كأنما كان يتوقع!.. نظرت إليها فرأيت في عينيها حقدًا كبيرًا، وعدت لمشاهدة صديقي الذي واصل سيره. --- وبعد أيام عرفت أن مجدي سافر وترك سفره أثرًا مدويًا في الشارع، وانقلب بسببه رأسًا على عقب، لأن مجدي لم يسافر وحده، لقد ذهب صباح يوم سفره إلى مدرسة ابنته وأخذها معه!