عند رَبْوةٍ مُتاخمةٍ للغابة
الأحد، 10 مايو 2026 - 10:54 ص
بوابة أخبار اليوم
مصطفى يَعْلَى
ممسكًا بندقية الصيد، فى حرصٍ وتأهُّبِ محارب، قبع مع خشونة المساء فوق الربوة القاحلة، على ضفة الغابة المعتمة، التى تخنق الجبل، وتصرخ بالرّهبة والغموض، وتلفظ الخنازيرَ البرية، وكأنما هى محميةٌ مسحورة، الداخل إليها مفقود، إلى أن يثبت العكس. نظرُه المتجهّم ثابتٌ نحو ناصيتها، يوحى بأنه متوجس من أن تتحرك أشجارها الداكنة فتقتنصُه، أو أنه يكابد البحث عن شىء ضاع منه فى قلبها، أو ينتظر بروز كائن من عالم مختلف بين طلائع أشجارها. لكنه زاد تحفُّزاً لما سمع روحه من خلال صمت المكان الجنائزى، تنوح بحرقة.
استعجلت الشمس أفولَها. انتابه شعور بأن الخنازير قد تجسُر على مهاجمته هو الآخر، فى أى وقت، ومن حيث لا يحتسب، فهى لا توقِّر ولا تجامل أحدا، خصوصًا وأن ما تنفثه الغابة من نتانة فظيعة، يشى بقرب الخنازير من مكانه. لقد وُضع فى مواجهة موقف جديد عليه، ما كان لوجَعه أن يستجيب له، فيجازف بالحضور إلى هنا، ولكنه حضر بسبب الكارثة، وما ترتّب عنها من اشتعال حريق عاصف فى نخاع روحه. ففى غَوْر كيانه يغوص شعورٌ حارق بأن لا شىء يمكن أن يذرو هذا اللهب، إلا الاقتصاص، بعد أن لم تعد لديه برحيل الضحايا أوتادٌ يستند عليها، بل صار كورقة صفراءَ، آيلةٍ للسقوط من شجرة نخِرة، لهذا جازف بالاعتكاف وحيدًا فى الرّبْوة، يرافقه كلبٌ يقعى بجانبه، مترصِّدًا بنظرات قاسية، ما ستلفظه تخوم الغابة، مما يتيح له فرصة التخفّف من لهيب حسرةٍ متأجّجة بداخله، متمنيا لو كان فى إمكانه أن يحرق الغابة بخنازيرها، وينتهى.
جنَّ الظلام وربضَ الضباب، فاحتجبت نجومُ السماء، وصار كل شىء أشباحًا داكنة. وشوشت له مخيلتهُ بأنه بطلٌ من أبطال حكايات الجدّات، وأنه بعد قليل سيظهر له من بعيد بريقُ ضوءٍ خافتٍ متلألئ، ينبعث من كوخ معزولٍ فى الغابة، فيستسلم لإغراء الذهاب إليه، بحثًا لجسمه المنهَك عن مأوى، ولِجوعه الموجعِ عن مأكلٍ ومشرب، لكنه يفاجأ بالغولة تخرج إليه صارخةً هائجة، تمكُر من أجل افتراسه، دون أن تنجده قوة سحرية، ترسل عصا حيّة تسعى نحو الغولة، فتكتُم صوتَها بطلقة نارية، وليس بسيفٍ أو سهم، كما كان الأمر زمن كانت الحكايات تبتدئ بـ: «كان يا ما كان».
كان قد استُنفر، فخَفّ مرتاعًا، تاركًا شغله بالمدينة نحو قريته، حين عكّروا دواخله، بإرسال خبر نزل بوَقْع حادثة سير قاتلة. نعق الخبرُ فى مسامعه: إن والدَك وعمَّك وصهرَك، جُندِلوا كالأكباش. ثم جاءته التفاصيل: فبينما كانوا منغمسين فى حرث الحقل، رغم الجفاف، غيرَ محترزين من مراوغة الخنازير النّهمة، وكانوا رغم اعتدادهم بقوتهم، طالما جأروا بشكواهم مرارًا، من إتلاف الخنازير للأغراس، وتخريبها للمحاصيل، وفتكها بالناس، لكنها تمادت تسرَح وتمرَح بين حقولهم، دون أى رادع من أى نوع. كأنما ثمّة قوة شيطانية خفية، أطلقتها عليهم عمدًا، أو أن شكواهم نَمَتْ إلى الخنازير، فداهمتهم جحافلُها تنتقِم منهم، باغتتهم بعنف غيرِ متوقّع، حاصرتهم حِصارًا، ثم انهالت عليهم خدشًا وطعنًا بأنيابها الحادّة، إلى أن شرْذمتهم شرَّ شَرْذمة، تحسبهم فئرانًا بين قطط جائعة.
زوى ما بين حاجبيه، وزمّ شفتيه، وهو يتنهّد بأنفاس تستل من أعماقه زفرات سريعة متوترة كالمصدور. ثم ثبّت نظرَه الهائمَ على لا شىء. صمتٌ ثقيل جثَمَ على صدر ظلام ليل غابت عنه النجوم والقمر. شرَدَ خيالهُ بين شعابِ الغابة يصرخ بحثًا عن الخنازير اللعينة، يعدو بين الفهود والأسود والتماسيح والفيلَة، من غير العثور على الخنازير البرية، الماكرة مكرَ الذئاب. يا غابةَ الحقد، إمّا أنا أو قاذوراتُ خنازيرِك. لئن طلعت شمسٌ ولم أُفلح فى بَتْر أحشائك فسأظلُّ فى انتظار مقيم، سأصير عملاقًا يفتِك بأسرابِ خنازيرِك، يَخنِقها، يَطعنُها، يسلِخُها، يرمى بلحمها وشحمها إلى القطط الجائعة، والكلاب الضّالّة.
أرسل قلبه إليه إشارة تخبره بقرب ميقات ما انتظره ثلاث ليالٍ، فتمتم: دليل المرء قلبُه. رأى ذاته تتحوّل إلى صقر يرفرف وحيدًا دون أجنحة، نحو أمداءٍ مجهولةٍ بالغابة. لكن ذاتَه أومأت إليه: لماذا لم يحضر الآخرون إلى هنا، خصوصا من هُم من صيّادى الخنازير؟ ثم، ألا يمكن أن يكون مقترفو الكارثة، من تركة خرافة، الذى كان يكذب على السامعين، فيدهشهم؟
استكانت ذاتُه قليلا، ثم همست: إنك أنت من تعرف الرجال الثلاثة عميق المعرفة، ألم يكونوا رغم أنهم جد مسالمين، ومن طينة التراب، لأن تفعل بهم الخنازير أو غيرها الأفاعيل، هكذا؟ فصاح: يا لهم من مغفلين! استأنف تساؤله الصامت: ألا تكون تلك الخنازير بشرًا، متحولين بسحر ساحر إلى خنازير مؤذية؟، وقد لا تكون هناك خنازير قطْعًا، وإنما الحادث بفعل فاعل مجهول، يحمل روح شيطان. ثم ألم يكن من الحكمة أخذُ حذرِهم، بعد ما لم تعد الغزلانُ والوعولُ والأرانبُ تسرَح وتمرَح كعادتها فى الغابة الغامضة؟
لكن الأخبار قالت إن الخنازيرَ كانت قد فعلت بهم الأفاعيل. تسلّطت عليهم كالعفاريت، من كل حدْب وصَوْب. فذكَّرته ذاتُه: والدُك كان ماهرًا فى الحرث والزرع، وعمُّك لا أحدَ يتقن تشغيلَ الجرّار مثلَه، أمّا صهرك فهل كان أحدٌ يُجاريه فى الحصاد؟، ولو جاء الجنّ الأزرق لما أخافهم، فكيف وقع ما وقع، رغم قوتهم وشجاعتهم وثباتهم؟ قال لنفسه: أيُعقل أن تلحق بهم الخنازير كلّ هذا الأذى، وكأنهم خرفانٌ أو دجاج؟ لا، لا، لا، أكيد أن هناك سرًّا ما يقف وراء هذه المجزرة. لكن لماذا كانوا أحيانا يلوكون أملهم فى الهجرة إلى المدينة؟ تردّد فى دواخله صدى أصواتٍ أليفة، استقرّت بصماتُها فى أعماقه، منذ صغره:
ـ سُحقًا للخنازير.. فإلى متى سنظل نحن نزرع، وهى تأكل؟
ـ ما رأيك أن نبيع الأرض، ونذهب إلى المدينة، للاشتغال بالتجارة؟
ـ لنفكّر فى الأمر جيّدًا، فيما بعد.
ربّاه.. حبّذا لو أنهم فعلوا، قبل أن تفتِك بهم الخنازير. لكم كنت أخشى مغامرةَ المرور بجانب شروخ هذه الغابة المجهولة. استذكر ذهنُه حكايات، نبشت صورًا لطغيان خنازير، ذاتِ أنياب فيَلة. تصدّى خنزيرٌ هائلٌ لجَرَّار أحدهم، فقلبه بما عليه. اعترض خنزير تلميذًا، فى طريقه إلى المدرسة، ظهر له فى حجم جمل، ولم يفلت من أذاه إلا بتسلّق شجرة، بسرعة قرد. عجوز باتت ولم تصبح، نتيجة هجمة خنزيرية لا رادّ لها.
ثلاثة أيام تباعًا، وهو يلوذ بالرّبوة، ويسهر فى العتمة منهَكًا، حتى مطلع السّحاب الرمادى فجرًا. ومن حين إلى آخر، كان يطلق كلبه، ليهرول نابحًا، بين الأشجار، لكن دون جدوى. فالخنازيرُ كانت أذكى.
أتعبه الانتظار. تباطأت حركتُه. أصاب العمى حواسَّه. سحَرَه النوم. لكنه لم يتخلّ عن معانقة بندقيته، رغم تبدُّد مقاومته للنوم، إذ سرعان ما استسلم، فنام بين محجرَى حلم، بعث فى روحه نشوة الحسم، شاهد أسرةً من الخنازير، مع حشد من صغارها، تمشى الهوينا، ثم تتوقف لتلَغَ فى كومة أزبال، فصوّب بعين حقدِه بندقيتَه نحوها فوْرًا، صعقها بطلقة نارية متشفّيّة، ارتعدت لأزيزها أصابعُّ يديه، شتتت شملَها، أصيب ذكرُها، إذ سقط فورًا على الأرض، بينما جفل قطيعُ صغارها فزِعًا، وركض كلّ واحد منها فى اتجاه، وهى تطلق صراخًا وحشيًّا، أما أنثاها، فانفلتت تجرى بسرعة فائقة مراوغة، وتثِب مثلَ بطل ألعاب القوى، تظهر من خلال الفجوات، وتختفى بين الأشجار، فى حين راحت فوهةُ البندقية المصوبة بإحكام، تترصّد كتلتها بمهارة، وفى اللحظة الحاسمة، انطلق عيار نارى، جعلها ترتجّ، منقلبةً عدة مرات، رأسًا على عقب فى الهواء، ثم تزحلقت على الأرض، وسقطت جثة تصارع الموت.
ثخن نومُه أكثر، كما لو أنه فى غيبوبة. السكون الذى يرين على المكان يضاعف خوفه ووحشته، لا حسٌّ ولا حسيس. تسللت البندقية من بين يديه، وغفت طريحةً على الأرض، ففزِع كلبه المدرًّب، لكنه عاد إلى هدوئه، دون أن تتوقف أذناه عن تركيز رادارى مستنفر نحو أطراف الغابة العدوانية، كى لا يفوته التقاط أى خشخشة أو دبيب، من غير أن يكُف خيشومُه عن تشمّم رائحة ما قد يتحرك داخل الأجَمة، وبين الفترة والفترة يُدير رأسَه فى جميع الاتجاهات، ويصدُر عنه نباح كالبكاء.
بين اليقظة والحلم، لمح فقاعات الظلام، يتكاثف سوادُها ويتلاطم، مقرونةً برُغاء ضباب، يرتجف ويتأرجح. ارتعد جلدُه حين تبيّن صورةَ مارد ملتفٍّ بالضباب. توهّم أنه لا يزال يحلم، وأنه نام دهرًا، كما انتبه إلى أن ذهنه فارغ تمامًا، لكنه فى اللحظة ذاتها طرد وهمه مفزوعًا حين افتقد البندقية، وامتلكه شعور منفعل بالتهديد، فحاول القيام، لكنه وجد جسده متيبّسًا، ولسانَه مشلولًا، فاقتنع أن هناك قوةً خَفيّةً خدّرته، من أجل التهامِه على مهل.
استيقظت جوارحُه جيّدًا، فلمحت عيناه كلبه ينطلق فى اتجاه مصدر الجلبة، وسمعت أذناه نباحّه المتحرِّشَّ عاليًا. كانت قبيلةُ الخنازير السائبة مندفعةً كالسيل نحوه، بينما ارتفع نباحُ كلبه كالعويل، ثم خرس نهائيًّا.
المغرب