شجر الزيتون
زُوَّار السماء
الأحد، 10 مايو 2026 - 10:59 ص
سارة خليل
تَأسِرُها ضَحِكاتُه منذ رأته ولا تزال تَفعل، لطالما كان بطلًا لعالمها، ذلك العالم الذى لم يتجاوز حدود مدينتها الصغيرة، مدينة بالكاد تتسِع لهما، ولكنَّ قَلبَيْهما كانا يتسعان ليحْويَا بداخِلِهما كونًا بأكمله.
كَانَا يعيشَان فى سِجنِهما الكبير مُحاصَرَيْن، ولكنهما على الأقل كانا برفقة من يُحِبَّان.
لم تَتوانَ يومًا عن الوقوف أمام نافذتها، تنتظر مروره خلال عودته.. يُحبُ التقاط الصور، كان يُخبرُها أن صور مدينتهم الصغيرة ستجوب العالم، رَغمَ أن هذا العالَم قد اجتمع فى عَينيْها.. بجوار شجر الزيتون أمام منزِلِها يجلسُ ليَستريح جَسَده من عناءِ السفر، ولكن قلبه كان يَستريح برؤيتها تُطِلُ من النافذة.
أحلامٌ واسعةٌ رَسَمَتها لبيتِهِما الصغير، لطالما أَخْبرها عن أُمنيَّتِه باصطحابِها لرؤية كل شبرٍ من وطنِهِما، أمّا هى فكانَ بالنسبةِ لها كلَّ وَطَنها الذى لم تعرف غيره.
حالمًا هو بعيونٍ لامعة، كانتا حُلمًا لها فيما سَبَق وتَحقَّق، تَذوبُ بِهِما، وتَسبحُ فى أعماقِهِما دونما الخوف من الغرق، يداهُ الدافِئتَان تُحيطانِ بها بأمان، تَسكنُ إليها فيَطمئِنُ قلبها، تُذَّكِرها بوطنٍ طال غيابه ولم تطأه أقدامها.. رِفقَته هى الحرية، تمامًا كالتى تَشعُر بها وهى تقف على شاطئ البحر، وتَنظُر أمامها حيث لا نهاية للعالم.
تتأمل سماء مدينتها، فترى نجومًا تتلألأ من بعيد.. تَساءَلتْ، ماذا لو أن بإمكانِها الإمساك بإِحداها؟! رَأَته بعينِها ذات مرة فى حُلمٍ من أحلامِها البعيدة، مدَّ يَده حتى طالتْ السماء، وأمْسَكَ بنَجمِها المُحلِّق عاليًا فى الأفق. دُهِشتْ من حَركة النَجم بهذه الطريقة، لطالما رأتْ النجوم ساكنة، ولكنها فى تلك الليلة كانتْ تَسبَح فى سَمائِها التى باتت قريبة جدًا. حلمٌ بعيد مع رفيق روحِها، لعله يُصبح حقيقةً يومًا ما.
تَمنتْ لو جاءتها الفرصة لترى ذلك المشهد واقعًا برفقته ذات مرة، وقتها فقط لن يراها تُبالغ، حينما تُخبره بأنه بطلٌ حقيقى يمكنه أن يَلمس السماء، حتى ولو ظن أن ذلك مَحض انحياز لحُبها له. «سيُحَدِّثك العالم بذلك ذات يوم، ستكون أنت البطل، وسيَعرِفك الجميع»، هكذا أخبرته، ليَضحَك ضحكَته الحانية بخجلٍ كعادته.
فى هذه الليلة، رَاودها الحُلم مرة أخرى، ولكن شيئًا ما به كان يختلف عن كل المرات السابقة، اختلط فيه صوت ضحكاتها بالأنين، لتستيقظ على الحُلم وقد تَحقَّق. مشهد مَهول، الظلامُ يَحفُّ المكان كله، وأصواتُ صُراخِ الموتى تكادُ تَصُمُّ أُذنيها.
هَرولتْ بسرعة فى فزعٍ تَركض وسط الظلام، خرجتْ إلى الشارع ووقفتْ تَنظُر إلى السماء، وكانت المفاجأة! نجومٌ مُضيئة مُتحركة، تتناثر فى السماءِ من فَوقِها، بينما يركُض الجميع مَذعورين فى كل الاتجاهات، ومن خَلفِهم يَخرُج غُبارٌ رمادى كثيف من بين منازلهم، لم تتمكن من استيعاب ما يَجرى، ولم تَلْحَظ سوى تلك النجوم، ذلك المشهد المألوف بالنسبة لها.
ظلتْ على هذه الحال للحظات، حتى رأته، خرج لها من بين الزحام الذى لم تَشعُر به مُطلقًا، رَأْته يركض تجاهها بلهفة، شَعُرت وكأن روحها تُوشِك على العودة إلى جسدها من جديد. ابتسمت له وهو يركض نحوها، بينما تقترب منه إحدى تلك النجوم المُشتعلة. كانتْ أقرب مما تتوقع، خَفَق قلبها غير مُصدِق، هل هذا مَنامَها يتحقق؟!
قبل أن يَصِل إليها التفت ليَنظر إلى السماء، ثم مد يده عاليًا ليُمسك بالنجم القادم من بعيد، وكأنه يقف حائِلاً بينها وبينه، أضاء النَجم بقوة، وهوى ليَغمُر ضَوءَه المكان، ثم أحاطه الغُبار الرمادىُّ من كل اتجاه، حتى اختفى تمامًا عن الأنظار.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة
نجوجى وا ثيونجو والخيال المناهض للاستعمار
جائزة قائمة بوكر الدولية 2026: 6 روايات مدهشة عن الفقد والوحشية
عودة الضوء: التفاعلات النصية
عيون بيروت: حين تصبح المدينة بطلاً يرى ويُرى
هيولى الشعر
قارئةُ الفنجانِ تُبكينى