كتابة الشعر
هيولى الشعر
الأحد، 10 مايو 2026 - 11:04 ص
محمد مركح
لا أبحث عن مجدٍ شعرى من وراء الانتهاكات التى أقوم بها من حينٍ إلى آخر، وأسمّيها قصائد. فهولدرلين واحدٌ كافٍ لتبديد وحشة العالم بإرثه.
بدأتُ التفكير فى كتابة الشعر فى تلك اللحظة الناشبة فى حائط الذكريات، الممتزجة بنبضات القلب ويقظات الشعور. لا أستعيدها الآن كزمنٍ متهافت، بل كتعرّقٍ أصاب الروح من حرارتها ونصاعتها.
فى الحصّة الثانية من يومٍ دراسى بلا احتمالاتٍ ملهمة، وحتى ذلك الوقت، كان اليوم يسير نحو نهايته بشكلٍ اعتيادى، لولا أنّ معلمة الرياضيات فى مدرستنا الابتدائية توقّفت عن شرح معادلاتها المعقّدة، وبدأت بالبكاء.
كنّا نترقّب سماع الجرس النحاسى القديم، معلنًا فسحة الفطور، لنجد أنفسنا بلا مقدّمات أمام مشهدٍ لا خبرة لنا به. فكيف سنساعد امرأةً سمراء، بملامح دقيقة وابتسامة غابرة، بلبلت مرارًا بعذوبتها حواسّنا الغضّة؟
من دون أن يحثّها أحدٌ على الحديث، بدأت فى تفسير سبب دموعها، وكأنّ صمتنا المطبق نخسَ منطقةً مغلقة داخل روحها. حكت لنا حلمًا أفسد ليلتها، رأت فيه حبيبها الذى غرق منذ وقتٍ طويل أثناء عبوره البحر الأبيض المتوسّط متّجهًا صوب فرنسا.
غلبتها الدموع مرّةً أخرى وهى تحدّثنا عن سبب هجرته لهذه المدينة التى تعادى روحه المفعمة بالحياة، كما ذكرت. فقد كان يمنى النفس بمشاهدة «أوبرا كارمن» فى أحد مسارح باريس.
وقتها اختلط علينا الأمر، وماجت فى رؤوسنا الصغيرة مفرداتٌ لم نسمعها من قبل. لنفهم، حينما كبرنا قليلًا وصارت الأشياء تأخذ أسماءها الحقيقية، أنّه كان مهاجرًا غير شرعى، وأنّ روحه كانت أيضًا مفعمة بالخوف والقلق والحروب والكوارث التى لا تُقال.
الآن، كيف سنواجه هذا المأزق؟ مأزق اختراع بحرٍ يواسى حزنها، ونحن أبناءُ هذه المدينة الحبيسة لمحاولاتها الفاشلة فى الخروج من ضيقها؟ لم نرَ بحرًا فى حياتنا، ولا نعرف لونه أو شكله. نرتقى الجبل الكائن فى أطرافها، ونبثّ الأفقَ والأصيلَ ما يعيق أحلامنا فى الأسفل.
بعد عاصفةٍ من الأسئلة الداخلية لدى كلّ واحدٍ منّا، قمنا بما جاد به الحدث علينا. أحدُنا عانقها وخرج من الفصل، وآخر مسح دموعها وخرج أيضًا. الذى كان يجلس بجانبى منحها فطوره كاملًا، ولم يُدرك بحدسه البسيط أنّ جوعها لم يكن لشىءٍ يُؤكل.
بقيتُ أنا، ولا فكرة واضحة لدىَّ أجعل بها هذه المرأة المسكينة تتحسّن وتصبح فى حالٍ أفضل. فجأةً لمعت فى ذهنى صورة، فقمتُ بسرعةٍ من مكانى كى لا تنفلت منّى، ولأترجمها فى الحال. رسمتُ شكلًا نَزّ فى مخيّلتى من وجعها على السبورة، بنفس طباشيرها الملقاة على الأرض، وسمّيته بحرًا. وقلتُ لها: «تخيّلينى حبيبكِ الغريق من دون صرخات استغاثة»، وقرّبتُ فمى من ذلك الشكل المرسوم، وأغرقتُه بكلّ الكلمات التى حفظتها منذ الولادة وحتى لحظة وقوفى أمامها على هذا النحو.
كنتُ أريدها أن تعرف أنّنا جميعًا لدينا ما فقدناه وتملّص من بين أيدينا، ولم نستطع القبض عليه مرّةً أخرى. كنتُ أريدها أن تعلم أنّ كلّ واحدٍ منّا معرّضٌ لخسارةٍ كبيرة، على الأقلّ فى وجوده. لا أعلم: هل اقتنعت بما قمتُ به، أم ما زالت على تلك الحالة؟، لكنّ الشىء الذى ما زلتُ مؤمنًا به هو أنّ الرب، لو أراد أن يكشف لنا الحياة، لن يحتاج إلى الإلياذة أو ملحمة جلجامش أو معلقات الشعر الجاهلى؛ فقط امرأةٌ، مأزقها الشخصى يتجذّر فى كيف ستثق مرّةً أخرى بمن سيقول لها: «أحبّكِ»، دون أن تخاف من هجرته أو غرقه.
السودان
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة
نجوجى وا ثيونجو والخيال المناهض للاستعمار
جائزة قائمة بوكر الدولية 2026: 6 روايات مدهشة عن الفقد والوحشية
عودة الضوء: التفاعلات النصية
عيون بيروت: حين تصبح المدينة بطلاً يرى ويُرى
زُوَّار السماء
قارئةُ الفنجانِ تُبكينى